رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: "إني لأبغض الرجل فارغا لا في عمل دنيا ولا في عمل الآخرة"، ذلك لأن المرء يحتاج إلى ما يصلح دنياه ويصلح آخرته، لذلك كان حري بالإنسان ألا تخرج أعماله في عمره القصير عما فيه صلاح الدارين.
وطبيعة البشر كالماء الراكد، يأسن، فيحتاج إلى ما يجري همته ويجدد نشاطه، لذلك كان الترويح عن النفس مطلبًا شرعيًا، به تستأنف الروح مسيرتها في طريق الجد.
لكن في هذا العصر بإيقاعه السريع الصاخب، تجاوز الإنسان هذا الحد بكثير، فطغى الترفيه والترويح على الجد والعزم، ولا أدل على ذلك من المحتوى المرئي الذي يتعرض له المرء ليلًا ونهارًا، والذي يحتل الترفيه معظم مساحته إن لم يكن جميعها.
وأخص بالذكر هنا عالم مواقع التواصل الاجتماعي، فطغيان الجانب الترفيهي بارز فيه بوضوح، مقاطع كوميدية ساخرة، مقاطع مثيرة، وأخرى قصص عن عالم الجن والشياطين، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي، أخبار المشاهير من أهل الفن والرياضة تتعلق بحياتهم العامة والخاصة، مقاطع تصور يوميات البيوت، والقائمة لا تنتهي.
هذه الظاهرة لا ينبغي النظر إليها على أنها تغير عابر في أذواق الجماهير، بل هي تحول اجتماعي وثقافي جذري، تترتب عليه آثار ضارة بالوعي الجمعي، وعلى تشكيل الأجيال الناشئة وطريقة تفكيرهم وترتيب أولوياتهم في الحياة، والدخول في حالة يرثى لها من التسطيح الفكري.
طغيان المحتوى الترفيهي خاصة على التواصل الاجتماعي، يأكل من وعي الجماهير، إذ إنه يأتي على حساب الثقافة والمعرفة وتغذية الفكر، فالأولوية أصبحت لاستهلاك المحتوى الترفيهي، فمن ثم لا يعبأ بالمحتويات المعرفية والثقافية سوى أهل التخصص وقلة من الجماهير.
ومع حالة الاستيلاء والاستحواذ التي مارسها عالم الرقمنة على النفس البشرية، غدا أكثر الناس لا يفارقون هواتفهم حتى أثناء طعامهم ومجالسهم العائلية، وتمضي بهم الساعات وهم يشاهدون هذا المحتوى الترفيهي الجاذب الذي يسحر عقولهم.
فالخطورة هنا لا تكمن في الترفيه، وإنما إلى تحوله إلى مركز للحياة الاجتماعية والثقافية، وبديل عن المعرفة والتفكير، وهذا بدوره يمثل خطرًا عامًا على المجتمع ككل، فالمجتمعات التي يكون أفرادها على هذه الشاكلة تكون أكثر عرضة للشائعات والتلاعب الفكري.
البيئة الرقمية التي تدفع نحو الاستهلاك للمحتوى الترفيهي السريع، أفقدت كثيرًا من الناس قدرتهم على التركيز في المقالات والأخبار والتقارير والأبحاث المكتوبة، حيث اعتادوا الانتقال المتتابع بين الصور والمقاطع.
وتبرز هنا مشكلة أخرى متعلقة بإدمان المحتوى الترفيهي، وهي تراجع الحس اللغوي والثقافي، بسبب اللغة المختصرة المشوهة المليئة بالمصطلحات العامية المستحدثة والرموز المتدفقة على ألسنة الناس، مقابل تراجع الاهتمام باللغة السليمة والأسلوب الرصين.
وأشد مخاطر طغيان المحتوى الترفيهي، هو صناعة ذلك الهوس بالثراء السريع من خلال صناعة المحتوى، والتي لم تعد مجرد هواية يمارسها البعض للتسلية وتحقيق بعض المرح، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية تعيد تشكيل أحلام جيل كامل، وتغير مفهوم النجاح الذي كان يرتبط بالخبرة والعلم والإنجاز والمكانة الثقافية، فأصبح النجاح مرتبطا بعدد المشاهدات والإعلانات، وتقلصت أحلام هذا الجيل، بل تبدلت، من استهداف الشهادات العلمية والوظائف السامية، إلى تحقيق الشهرة بصناعة المحتوى الترفيهي، فهو يستطيع أن يصبح نجمًا ثريًا في أيام أو شهور، فما الذي يجعله يعلق أحلامه بما ينتظر بعد عشرات السنين من الكد والتعب.
وفي سبيل ركوب (التريند) والشهرة وتحقيق الثراء السريع من خلال المحتوى الترفيهي، اختلت منظومة القيم، حيث أصبح البعض مستعدين للتخلي عن خصوصياتهم، فيقومون بتصوير تفاصيل يومياتهم من أجل زيادة التفاعل، فيستغل صانع المحتوى أسرته، ويقوم بعمل مشاهد تمثيلية داخل الأسرة بهدف الإثارة أو إضحاك الناس، وقد يتخلى شيخ مسن وقور عن وقاره ويرضى أن يظهر أمام الناس كالمهرج، والأدهى والأمر، أن بعض من ضاعت مروءتهم يرضون بتصوير زوجاتهم وهن في أبهى صورة، لخدمة المحتوى.
التوعية بخطورة طغيان المحتوى الرقمي ضرورة قصوى، والنخب الثقافية والمنابر الإعلامية لها دور كبير في هذه التوعية، لكن الدور الأكبر يقع على عاتق الأسرة، في تعديل مسار الأجيال الصاعدة في الطبيعة الاستهلاكية للمحتوى، ففي النهاية الترفيه مطلوب، لكن المجتمع الذي يجعل الترفيه مركز وجوده هو مجتمع آيل للسقوط.
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ الليل له سرج.. حتى يغشاه أبو السرج بهذين البيتين، يختزل... اقرأ المزيد
9
| 09 مايو 2026
تعزيز الرعاية الوالدية مسؤولية وطنية مشتركة
تشرفت الأسبوع الماضي بحضور جلسة مجلس الشورى التي تناولت المناقشة العامة لتقرير لجنة الشؤون الاجتماعية والعمل والإسكان بالمجلس... اقرأ المزيد
12
| 09 مايو 2026
الغضب الملحمي.. وأهمية نجاح الوساطات
قبل مرور 60 يوما من الحرب على إيران التي يختصرها الرئيس ترامب ويعبر عنها "بالعمليات العسكرية"-ثم يعود ليصفها... اقرأ المزيد
9
| 09 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4434
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4131
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2028
| 07 مايو 2026