رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في خطابه الأخير وبعد مضي قرابة ستة أشهر دون خطاب أو بيان طلع بشار الأسد أمام مجلس الشعب الجديد المزور في جلسته الأولى ليتوج المسرحية الهزلية التي رتب شخوصها وأدوارهم آخذا على عاتقه أن يتقن السرد والحبك متصدر المشهد الأليم الذي عانى ويعاني منه الوطن السوري بسبب جرائم جلاديه التي باتت باقتيات دماء الشعب على الدوام جرائم ضد الإنسانية وأفقدت بشار وزبانيته وشبيحته أي شرعية لحكم بلاد الشام الأبية وهو الفاقد لها أساساً ولأن المقال لا يكون واضحا إلا بالمثال على الغالب فقد علمه مستشاروه وهو الطبيب – أن يتحف الشعب المظلوم المهضوم المكلوم ويلبس على الآخرين في العالم بخداع لا ينطلي على العقلاء أو الساسة المخضرمين أو الأطباء النطاسيين وذلك كي يبرئ نفسه من المسؤولية العظمى بإهدار دماء السوريين المدنيين وخصوصا الثوار المتظاهرين والمدافعين عن النفس والعرض والوطن والذين باتوا يهتفون بإعدامه جراء ما تفعله يداه من الوحشية التي أصبحت تعجز بلغاء البيان عن وصفها وشرحها فماذا قال الجراح السفاح في المثال؟
لقد ضرب مثله في حماية الوطن المريض اليوم بقوله: عندما يدخل الطبيب الجراح إلى غرفة العمليات ويفتح الجرح فينزف ثم يقطع ويبتر ماذا نقول له؟ تبت يداك هي ملوثة بالدماء أم نقول له: سلمت يداك لأنك أنقذت المريض! طبعاً سنقول: سلمت يداك هذا إن كنت تفعل ذلك كما يفعل الطبيب بنية إنسانية محضة همها الإنقاذ وليس بسابق إصرار وتصميم على القتل والجرح والقمع والإبادة التي تمثلت بمجازر لا مثيل لها في الوحشية كما اعترفت أنت بذلك وأهمها مؤخراً مجزرتا الحولة والقبير في ريف حمص وحماه، حيث ذبح وحرق الأبرياء وخصوصا النساء والأطفال، نحن نتمنى أن يتحدث بالإنقاذ غير بشار الذي هو سر أبيه قبله بتحكيم الحسم الأمني مهما سقط من الضحايا حفاظا على السلطة والحكم الظالم والتمييز الطائفي الحاقد، ونحن نعلم علم اليقين أنه لولا الإصرار على هذا الخيار الدموي ما بقي هو ولا أبوه على سدة الرئاسة شهرا واحدا، وبشار منذ خطابه الأول بداية الأزمة 30 مارس أكد أنه مع الحرب للشعب إن فرضت عليه، وهو اليوم في خطابه الخامس يؤكدها ويهدد الشعب والوطن بدفع ثمن أغلى إن استمرت الثورة عليه لأنه الوحيد الذي يحمي الوطن والمواطن، إن المتأمل لكل ما جاء في الخطاب من تناقضات ومغالطات يخلص إلى أن بشار ليس من البشر أبدا وأنه يتعامل مع الرعية بالاحتقار الذي هو الشكل الأذكى للانتقام كما قال بالتاستارغراتيان.
فبشار يحتقر كل من يعارضه حقدا وغلا لأن الحقد هو أساس الإهانة والاحتقار، فهل يستأهل شعبنا الحر الثائر البطل مثل هذه الأوصاف وهل تشخيصه للكثيرين بأنهم جراثيم لابد من القضاء عليهم باسم مكافحة الإرهاب رؤية حاكم حسن التدبير مع أنه ومن معه لا مثيل لهم في الإرهاب المنظم الممنهج داخلياً وخارجياً رغم انكاراتهم المتكررة فهم كما يقال: يقتلون القتيل ويسيرون في جنازته! كما أنهم يطلقون كلاما عن الاعتذار بقالب الكذب المزخرف، وهذا إن فهم أنه اعتذار ولكن المكابرة شعارهم مع ظهور كل البراهين على سفكهم للدماء واصطفافهم في نادي السفاحين، ناسين أنه جاء في الأثر أن الرجل لا يزال يذهب بنفسه – أي غرورا – حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم، أليس مثال زين العابدين ومبارك والقذافي وصالح ماثلا للجميع، ولكن الظلم والعلو هو الذي يقودهم إلى رذائلهم وأهمها جحود الحق مع وضوح الدلائل، كما قال الله عن قوم فرعون (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا...) "النمل: 14"، ويطلبون عزا بباطل ليورثهم الله الذل بحق، لأنهم اعتمدوا على السهام الطائشة كما قال شوقي:
الحق سهم لا ترشه بباطل
ما كان سهم المبطلين سديدا
يحاولون ويحاولون اتهام شرائح مخلصة في وطنيتها انها تتقاضى بعض المال للخروج في الثورة بل وقتل الناس مقابل ألفي ليرة سورية، كما تبجح بشار من شدة إفلاسه الحقيقي في عالم الأخلاق والقيم وإن هذا ليدل على البغض الذي هو ابن الخوف لكل من اتصف به وهو انتقام الجبان، كما قال الفيلسوف برنارد شو، أقول: بل هو الخيانة والخائن يكرهه الجميع.
ولكن واأسفاه! فكم من خائن اليوم لا يشنق بل يشنق الآخرين، كما قال غاستون اندربولي ومثل هؤلاء لا يتخلصون من الرذائل فيهربون منها بل إنهم يعتزون بنقائصهم تلك، فالمسألة في حقيقتها مسألة الضمير الحي الذي هو صوت الحق والذي إن تلوث بثلاثة أشياء المال والسلطة والشهوة فإنه يتخدر ويصاب بالصدأ كما يقولون ولذلك وقف عنده إبراهيم المازني معلناً:
همي ضميري فإن أرضيته فعلى
رأي العباد سلام المستخفينا
فلا تغرنكم المواعيد العرقوبية فإن الطبع غلب التطبع ووعد الكريم نقد لكن وعد اللئيم تسويف وإن فعل شيئا فبالمظهر لا بالجوهر إن هذه العصابة معجونة بالاستبداد والاستعباد وإنها تخشى من الانفتاح السياسي الحقيقي لأنه يقضي عليها في النهاية رغم غباء الطغيان.
ومن هنا ثار السوريون لأنهم لم يجدوا أي خيار غير الثورة فكانت المعادلة الصعبة إذ أن بشار قد صرح أنه يريد تنظيف الشارع السياسي منهم معاكساً اتجاه ريح التغيير التي لابد أنها ستقتلعه رغم اعتماده على الروس والصينيين دوليا وإيران واتباعها إقليميا وسوقه الشعب في الداخل للاحتراب الطائفي عساه يظفر ولو بقسم صغير من الكعكة في سورية فينشى الدولة العلوية إن استطاع.
وفي الختام إن إصرار بشار على توجيه المعايب لشعبه وكيل الاتهامات دون أن يحاسب أي مجرم اقترف بحق الشعب كل هذه الجرائم من قتل فظيع واعتداء شنيع على النساء والأطفال والشيوخ وتهجير مئات الآلاف خارج بلادهم لأول مرة في تاريخ سورية واعتقال مئات الآلاف وتصفية الكثيرين منهم تحت التعذيب لن يحل المشكلة المعضلة كما يتصور بمبضع الجراح، فهذه مقاصل السفاح التي ستقتله قريباً مهما تجبر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1281
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1089
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1017
| 07 يناير 2026