رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تجلس في اعتداد، تتلقى الاتصال، تكتب المعلومات، تضرب، وتقسم، وتطرح ثم تقول للمتصلة بعد كلام عن طالعها ونجمها، زواجك آخر العام، مع إطناب في محاسن المتقدم للزواج، لم يبق إلا أن تقول اسم العريس، لكنها تقدم التهاني، والشربات، وتترك اسم المحروس مفاجأة للعروس "إن جاء" أقول تتحدث بجرأة في غيبيات لا يعلمها إلا الله، فالعاقر 18 سنة ستنجب هذا العام توأمين، والعاطل من سنين سينال وظيفة مرموقة، والمأزوم بالديون ستنزل عليه ثروة تعلو على ثروة صاحب المليون! لك، وعك، وكذب، وادعاء، والغلابة يصدقون، ويفرحون، وينتظرون ما لا يأتي من وعود براقة ضحكت بها مقدمة البرنامج عليهم بشقة تحسد عليها، وبعدين؟ ولا قبلين، هذا هو الإعلام الذي لا يستحي، ولا يأبه بما يقول، ويبدو أن الكثير من شبابيك الإعلام العربي المتربحة من سذاجة الناس تأخذ فعلا دور الوسواس الخناس الذي يخرب عقول الناس. الإعلام العتيد المثير للضحك يستهين بعقولنا، يرسخ الساقط، ويلمع المنطفئ، ويبرز الهايف، ويقدم "العبط" دون أدنى إحساس بالخجل! مساحات عريضة من البث الغثاء يقوم عليها سذج عنوانهم "الخيابة"، والخيابة تدفعنا كلما زادت إلى الكتابة قرفا مما يقدمه المذيعون الفلتة، ونعرف عندما يستضيف مقدمو البرامج الأطباء نستفيد معلومات طبية، وعندما يستضيفون وزراء نتعرف على خطة الدولة المستقبلية، وعندما يستضيفون علماء الدين نستنير بعلمهم وفتاواهم الدينية، لكن ما الذي نستفيده من استضافة دجال يستخف بالناس فيدعي النبوة، ويتجرأ فيقول إنه يتحدث إلى الله، وإنه "جاب الإخوان وشالهم" بمساعدة الشعب! أعجب من جرأة "الأفاق" الذي كان من المفروض أن يضرب بالـ....، ويقبض عليه ويحبس لاجترائه بتخريف في معلومات معروفة لمليار ونصف المليار مسلم وتقول إن محمد-صلى الله عليه وسلم- هو آخر الأنبياء، ثم سؤال هل يحتاج النبي لعسكري شرطة، أو ضابط جيش، أو زيد أو عبيد ليساعدوه في إنجاز معجزاته؟ مساء البتنجان.
إلى من يهمه الأمر
هل نتطلع في العام الجديد إلى ميثاق شرف إعلامي يضع قواعد للبث الإعلامي المحترم يلاحق كل من يخرج عنه، وهل نتطلع إلى هيئة تلاحق قنوات "نبين زين ونوشوش الودع" وتقرأ الطالع والنازل، وتقدم الفاسد والمنحط، وترى الغيب، وتفسد الطفولة، وتنشر الفجور، وتضحك على الذقون بتقديم وصفات الشفاء الخرافية، ووعد بالشفاء من أي داء خلال أسبوع؟ هل نتطلع إلى حماية المشاهد من كل ملوثات البث أم إن إعلام "السداح مداح" بأمواله المتحكمة أكبر من أي ميثاق؟.
المذيعات أنواع، قدرات، مسطحات، شقراوات، سمراوات، طلات، ثقافات، ويبدو أن ضيف البرنامج كان أكبر من ثقافة إحداهن فقد كانت تلقي السؤال على ضيفها وكأنها تتخلص منه، وتظل ساكتة لا محاورة ولا مشاركة، تظل هكذا حتى ينتهي الضيف من كلامه المتصل فتشكره، وتنهي البرنامج، وإلى اللقاء، نوع تاني من المذيعات ما أن تلقي بسؤالها لضيفها حتى لا تكاد تأخذ نفسا، بين كل كلمتين تنط للضيف مقاطعة له فتحرمه التركيز في إجابة مفيدة حتى يتجرأ الضيف ويطلب منها بأدب "السكوت"، حتى يكمل ما يريد قوله، وساعتها فقط تخجل وتقطع النفس، ثالثة تهتم بشعرها، ورموشها، وفستانها المفتوح صدر وظهر، ولا تهتم بتحضير المادة التي تسأل عنها الضيف، كل المهم أن تقرأ ما كتبه المعد وخلاص!.
للذكرى، زمان كان الإعلامي يذاكر للضيف، يبحث في موضوع الحلقة، يسترجع معلومات، تواريخ، سير حياة، وكان تحضيره يقدم للمشاهد مذيعا محاورا، مثقفا، بين كتفيه رأس به عقل "مش بطيخة"!
طبقات فوق الهمس
رغم الثلج والمطر تحتل ناصية الشارع، تجلس على قفص بملابس خفيفة لا تقيها سعار البرد معتمدة على دفء النار الذي لا يصلها من فرن صغير تشوي فيه الذرة والبطاطا، تداعبني كلما مررت بسيارتي "دره سخنة يا غالية.. مش عايزه درة؟" أبتسم وأمضي، مرة جلست إلى جانبها أنتظر ما ستشويه لنا من الذرة، تجاذبنا أطراف الحديث، سألتها الدنيا برد، كيف تتحملين البقاء في الشارع في جو كهذا والساعة متأخرة قالت: (عندي ولاد لزمن يكلو، أتعب عشان يرتاحو، والحمد لله ربنا بيقويني) تأملت ضعفها، وعمرها، وصبرها، وكم المطلوب منها، تأملت حنانها، وإنسانيتها، وأمومتها، وتعب فوق قدرتها على الاحتمال، ودموعا ذرفتها عيناها وهي تحكي وجعها الذي تداريه، وتساءلت روحي هل يشعر أولادها بأوجاعها؟ وهل يقدرون آلامها، هل يستطيعون رد جميلها أو شيء منه، الجواب مؤجل حتى يكبر الأولاد، وقد ألتقي بائعة الذرة المشوي يوما لو امتد الأجل لأسألها هل وفى الأولاد لتعب عمرك وشقائك أم قتلوك يا صابرة بالعقوق والتجاهل؟.
دفء الروح دفء خاص لا يعرفه إلا من يلتقيه.
عندها كل شيء.. كل شيء، إلا الأدب!.
البعض كماء البصل همه الوحيد أن يجعل عيون الناس تذرف، آه ناس بتتسلى!.
مهلا، ستجني ما زرعت، وستشرب مما سقيت، هذا وعد الأيام الذي لا تخلفه.
جالس للناس على الواحدة، يرى ما في عيونهم من قش، ويتجاهل "المقشة" التي في عينيه!.
القيادة الرشيدة.. اهتمام وأولوية لحماية البيئة
يمثل يوم البيئة القطري، الذي يوافق 26 فبراير من كل عام، مناسبة وطنية مهمة، وهو يعكس ادراك الدولة... اقرأ المزيد
63
| 27 فبراير 2026
السياسة بالمدفع.. هل يُقتل الفكر بالرصاص؟
السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل مرآة موجعة لأسئلة قديمة تتكرر كلما عجزت السياسة عن إدارة... اقرأ المزيد
60
| 27 فبراير 2026
التميز في قطر خيار وتطبيق في كل المجالات
راهنت دولة قطر على كسب معركة التميز ورفعت من أجل هذا الخيار العسير كل التحديات حتى أصبحت هده... اقرأ المزيد
63
| 27 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
8454
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1518
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
768
| 26 فبراير 2026