رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
راهنت دولة قطر على كسب معركة التميز ورفعت من أجل هذا الخيار العسير كل التحديات حتى أصبحت هده الدولة الصغيرة حجما والكبيرة طموحا أنموذج تفوق مستحق وريادة ساطعة لا في محيطها الجغرافي فقط، بل في العالم بأسره الذي جعلها مثلا لشعب يناضل من أجل التفوق ولم يكن ذلك متاحا لولا إيمان قيادتها بأن تلك المكانة المرموقة تستحق التضحية وهو ما عبر عنه حضرة صاحب السمو الأمير المفدى في عديد المحافل الإقليمية والدولية بكل ثقة في شعبه. ولعل من أبرز المرافق المتميزة في قطر هو الإعلام لأنه واجهة مضيئة للتعريف بقطر ولأنه فتح بجرأة أبواب الحرية الإعلامية فكان تأسيس قناة الجزيرة هو التأسيس الحقيقي لحرية التعبير في عالم تعود إعلامه حجب الرأي المخالف، بل والتطبيع مع قمع حرية التفكير والتعبير. كما أن وكالة الأنباء القطرية أطلقت في سبتمبر الماضي خدماتها الإخبارية بثلاث لغات جديدة باتت تقدم خدماتها الإخبارية بخمس لغات عالمية هي العربية ـ الإنجليزية ـ الفرنسية ـ الألمانية -الإسبانية. ونأتي للتميز الثاني الأكثر تأثيرا في مستقبل الأجيال حيث شهد نظام التعليم في قطر تحولًا استثنائيًا فانتقل من نموذج تقليدي إلى نظام تعليمي عالمي متطور بفضل الاستثمارات الهائلة في البنية التحتية للبحث العلمي وتحديث المناهج الدراسية لأن قطر تسعى إلى بناء مجتمع قائم على المعرفة يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030 فنجحت الدولة في دمج التراث الثقافي مع المعايير الأكاديمية الدولية مما يضمن حصول الطلاب على تعليم عالي الجودة مع الحفاظ على القيم والتقاليد القطرية بدءًا من التعليم المجاني للمواطنين القطريين في المدارس الحكومية وصولًا إلى المؤسسات العالمية في المدينة التعليمية تم تصميم النظام التعليمي في قطر لتزويد الطلاب بالمهارات اللازمة لمواكبة الاقتصاد العالمي المتغير.
وفي القطاع الصحي الحيوي فإن قطر تعد واحدة من الدول الرائدة في مجال الرعاية الصحية في الشرق الأوسط حيث تحتل مراكز متقدمة عالميًا في جودة الخدمات الصحية من خلال الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الطبية والبحث العلمي والتقنيات الحديثة حيث استطاعت قطر بناء نظام صحي متكامل يخدم المواطنين والمقيمين على حد سواء. وفي إطار رؤية قطر الوطنية 2030 يواصل قطاع الرعاية الصحية تطوره من خلال التركيز على الرعاية الوقائية والحلول الرقمية والابتكارات الطبية.
ولا ننسى التميز القطري في المجال الرياضي حيث شهدت قطر خلال العقدين الماضيين استثمارات ضخمة في البنى التحتية والبرامج الرياضية ما حولها من دولة صغيرة إلى قوة إقليمية وعالمية في المجال الرياضي. لقد نجحت قطر في الجمع بين إرثها الثقافي العريق من الرياضات التقليدية وإطلاق مبادرات عالمية للاستثمار في الرياضات الحديثة. بين الملاعب الأنيقة التي شهدت كأس العالم وسباقات الهجن في صحرائها الذهبية. تشكّل الرياضة جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية القطرية ورافدًا رئيسيًا للدبلوماسية الثقافية والاقتصادية.
فدولة قطر كانت أول دولة عربية تستضيف البطولة الأهم في عالم كرة القدم ما أتاح لها بناء ثمانية ملاعب ذكية مجهزة بتبريد خارجي وبنى تحتية تتمثل في مواصلات متطورة وفنادِق ومنشآت ترفيهية تناسب ملايين الزوار.
إلى جانب تأسيس (أسباير) أول مدينة للعلاج والتأهيل لجميع الإصابات الرياضية حيث أصبحت منارة عالمية في مجال تخصصها اعترف العالم بأهميتها وانفرادها بالريادة.
ونأتي إلى أهم وأعظم تميز قطري وهو يتعلق بالتربية والتعليم لأن إنشاء أجيال متشبعة بالروح الوطنية قادرة على التفاعل الحي مع المستقبل يستحق التضحيات وضخ الأموال من أجل الاستثمار في الإنسان وصنع مصير الوطن الناهض. وفي هذا القطاع يعود الفضل أساسا إلى وعي القيادة القطرية وعلى رأسها حضرة صاحب السمو الأمير المفدى وصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظهما الله تعالى وبخاصة جهود صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر التي أنشأت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع منذ عقود وعن المؤسسة قالت سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني: حقّ لنا جميعًا أن نفخر بالمنظومة التعليمية الذي استحدثناها في مؤسسة قطر على مدار 25 عامًا ونجاحنا في دعم الكفاءات التي تحتاجها دولة قطر ونحنُ ندرك أن حالة التعطّل التي يتسم بها العالم اليوم غير مستمرة، وكذلك هو الحال بالنسبة للتعليم. وأضافت سعادتها:» يَشهدُ عالمنا اليوم تغيّرات في الاتجاهات بشكل ديناميكي مع تزايد المتطلبات وتسارع وتيرة التغيير خاصة بسبب جائحة كوفيد-19 وتداعياتها ما فرض علينا جميعًا ضرورة مواكبة التحديات لا سيّما في قطاع التعليم الذي وجد نفسه أمام خيارين: إمّا البقاء كما هو عليه والدخول في أخطار الركود أو المضي قدمًا في التحوّل نحو مزيد من الابتكار؟
ومن خلال هذه الرؤية اخترنا المضي قدمًا نحو المستقبل بخطوات مدروسة تأبى التسرع والمغامرة. ونصل الى تاج الميزات القطرية وهو التميز في علاقاتها الخارجية ودبلوماسيتها الذكية فمع مطلع سنة 2026، يتواصل التميز الساطع والريادي للدبلوماسية القطرية التي تبنت مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية والحوار والمساعي الحميدة كأولوية في سياستها الخارجية وهو التزام دستوري لدولة قطر إذ تنص المادة السابعة من الدستور الدائم الصادر في عام 2003م بأن تكون السياسة الخارجية القطرية قائمة على مبدأ تعزيز الأمن والسلم الدوليين من خلال التشجيع على فض المنازعات بالطرق السلمية والذي أصبح ركنا أساسيا من أركان السياسة الخارجية لدولة قطر.
ولا شك أن دولة قطر خلال العقدين الأخيرين باتت تتمتع بسمعة عالمية كوسيط محايد وموثوق تتم دعوته من قبل الأطراف المتنازعة نتيجة تلك السمعة الطيبة والنتائج المثمرة. ولعل أبرز ما قامت به دولة قطر من دور كبير خلال عام 2025 هو دورها البارز مع الوسطاء في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بعد أكثر من عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية وتم التوقيع على هذا الاتفاق في قمة شرم الشيخ في شهر أكتوبر الماضي، كما أن الوساطة القطرية نجحت أيضا في التوصل إلى هدن إنسانية ساهمت في تخفيف المعاناة على الفلسطينيين في قطاع غزة من خلال إيصال المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني الشقيق وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين. وستظل دولة قطر ملتزمة بنهجها كدولة وساطة وقيادة صانعة للسلام تكرس قيادتها الرشيدة جهودها لحل الصراعات بالطرق الدبلوماسية.
«مرثية» وداعية.. في رحيل العطية.. "بوحمد".. عنوان النزاهة.. ورمز الشفافية
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب... اقرأ المزيد
417
| 04 يونيو 2026
مهندسون صنعوا الجمال بصمت.. فأين حقهم الأدبي؟
عندما نقف أمام لوحة فنية تجذب انتباهنا في معرضٍ أو صالة عرض أو بهو فندق، نتأملها بعناية لما... اقرأ المزيد
207
| 04 يونيو 2026
حكاية سوء
حكاية السوء كل من في هذه الحكاية حملة سوء وبغض وحقد واستعلاء وكبر وعلانية في العداوة، حملوا راية... اقرأ المزيد
186
| 04 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5337
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2739
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2382
| 02 يونيو 2026