رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما انعقدت قمة مجلس التعاون في دورتها 42 في الرابع عشر من شهر ديسمبر الماضي في الرياض خرجت علينا بعض وسائل الاعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي تنادي بأنه حان الوقت لانضمام كل من العراق وإيران لمنظمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وراحت بعض وسائل الاعلام الصحفية تعيد نشر بعض الدعوات في هذا الشأن والتي مر عليها بضع سنين، أسوق نماذج من تلك الاجتهادات نواب كويتيون طالبوا بضم العراق وإيران واليمن عام 2014، وأشار النائب الكويتي عدنان عبد الصمد إلى أنه « لو تم تأسيس منظومة سياسية إقليمية تضم إيران والسعودية فإن ذلك سيكون أكبر انفراج لغالبية المشاكل المعقدة في المنطقة».
معهد دراسات دول الخليج العربية في واشنطن في 30 /5 /2021 دعا الى انشاء نظام أمني خليجي يضم العراق وايران الى دول مجلس التعاون. الأمير تركي الفيصل في محاضرة له في مركز الدراسات الاستراتيجية في أبو ظبي في 22 /3 /2017 طالب بضم اليمن الى مجلس التعاون مبررا ذلك بقوله «اليمن جارنا وخاصرتنا الجنوبية وأمنه واستقراره من أمن دول مجلس التعاون ولكي لا يبقى مطمعا لمن لا يرد بنا خيرا فإن انضمامه الى مجلس التعاون ضرورة أمنية».
(2)
أتفق جملة وتفصيلا بما أورده الأمير تركي الفيصل «مدير المخابرات السعودية السفير السعودي الأسبق في لندن وواشنطن على التوالي» بأن ضم اليمن الى مجلس التعاون ضرورة قومية ووطنية وأمنية. أما الداعون الى ضم العراق اليوم الى مجلس التعاون فإنها دعوة مشبوهة، فالعراق اليوم سلطته السياسية طائفية بامتياز، أي أنها مبنية على المحاصصة الطائفية والعرقية، ودول الخليج أنظمة سياسية ملكية وراثية ليست مبنية على أسس طائفية أو عرقية، وعلى ذلك فإنه يجب إعادة تأهيل العراق أولا ليقف على صعيد وطني بعيدا عن نظام المحاصصة والتبعية والعرقية ومن ثم مرحبا بالعراق في مجلس التعاون. كما أن الداعين إلى إنشاء «نظام أمني إقليمي يضم إيران إليه» فإن ذلك الأمر يستعصي على أهل الخليج لأسباب كثيرة.
(3)
إذا كان اليمن الشقيق خاصرتنا الجنوبية، كما قال الأمير تركي آل سعود، فإن المملكة الأردنية الهاشمية خاصرتنا الشمالية وعلينا واجب قومي وأمني بأن يكون البلدان جزأين لا يتجزآن من مجلس التعاون الخليجي، وقد يقول قائل بأن اليمن نظام جمهوري وما ندعو اليه أنظمة ملكية وراثية بما في ذلك الأردن الشقيق فإن الرأي عندي بأن اليمن اليوم يمكن إعادة تشكيله ليس بعودة النظام الملكي الإمامي ليحكم اليمن وانما بانتشال اليمن من براثن الفوضى والنعرات القبلية والتجزئة والتفكك ليصطف الى جانب النظم القائمة في الخليج العربي عن طريق وضع مشروع قومي عربي لاعادة اعمار اليمن والنهوض بمستوى التعليم والصحة والإدارة العامة ووضع برامج خمسية للتنمية الشاملة وفي خلال عشر سنين سنرى وجه اليمن العربي تغير واصبح إضافة الى أمن الخليج واستقراره. إن أي مشروع لابقاء اليمن ضعيفا ومفككا لا يخدم أمن الخليج العربي عامة ولا أمن جواره الجغرافي خاصة وأقصد بذلك السعودية وعمان. إن اليمن شعبا وأرضا مخزن استراتيجي لا يمكن قهره أو تجاهله، 40 مليونا من البشر هم أهل صدق وامانة ووفاء وثروة قومية لم يتم اكتشاف إلا الجزء القليل منها.
(4)
الأردن خاصرة مجلس التعاون الخليجي الشمالية وهو الطوق المنيع للتصدي لكل من يريد بأهل الخليج والجزيرة العربية شرا، فهذا القوس الجغرافي الممتد من خليج العقبة غربا وصولا الى الرمثا ومنها الى طريبيل على الحدود العراقية الأردنية في محافظة الانبار شرقا يشكل السور الواقي لحماية الخليج والجزيرة العربية من أي محاولة اعتداء أو تهريب بما يضر أمن المنطقة واستقرارها. الشعب الأردني مرتبط قبليا وعرقيا بالخليج والجزيرة العربية، فقبائله تنتمي الى قبائل قحطانية وعدنانية وبني كندة الأكرمين وشعب الأردن رجال أشداء في مواجهة الأعادي وحتى الذين هاجروا أو مروا بارض الأردن وأقاموا فيها وتناسلوا أبا عن جد ورثوا عادات وتقاليد عرب الأردن وأصبحوا جزءا من نسيجه الاجتماعي.
(5)
ما أريد قوله إن الأردن الشقيق يعتبر مكسبا قوميا لدول مجلس التعاون ومن الملاحظ ان الإمارات والأردن بينهما تعاون وجرت مؤخرا مباحثات بين الطرفين لتعزيز علاقات التعاون العسكري، وهناك تعاون بين الأردن وسلطنة عمان وتعاون وتنسيق واستثمارات قطرية بلغت ما يقرب من خمسة مليارات دولار قابلة للنمو ووفرت قطر ما يقارب 10000 فرصة عمل للأردنيين، واليوم السعودية تجري مناورة عسكرية مشتركة مع الأردن وتنسيقا يوحي بالثقة بين الجانبين وليست مملكة البحرين والكويت بعيدتين عن التعاون والتنسيق مع الأردن في مجالات متعددة.
لا شك أن الأردن تشح فيها الموارد الطبيعية مثل اليابان ولكن تتوفر فيه العقول الخلاقة على مستوى التعليم والصحة والتنظيم والادارة والرجال الاشداء وغير ذلك واذا قدمت دول مجلس التعاون للاردن الشقيق هدايا مالية مخصصة للتعليم والارتقاء بمؤسساته والصحة، فان ذلك سيعود بالنفع على اهل الخليج. أذكّر بأن دول الخليج العربي بلغت هداياها لمؤسسات التعليم في أمريكا في الفترة الواقعة بين (1995ــ 2007) 321,618,687 مليون دولار أمريكي، فماذا استفادت دول الخليج من هذه المؤسسات التعليمية؟ دولة خليجية واحدة قدمت هدية مالية لإحدى الجامعات الأمريكية مبلغ 93 مليون دولار وتدفع مصاريف طلابها ان بعثت الى تلك الجامعة طلابا، فماذا كان العائد على الدولة الخليجية أو العرب عامة؟!.
إن الفائدة ستكون أعظم وأبلغ تأثيرا في الأردن ودول مجلس التعاون الخليجي لو صرفت تلك الأموال على الجامعة الأردنية واليرموك ومؤتة وجرش وغيرها من الجامعات والمعاهد العلمية.
قد يقول قائل بأن الأردن معشعش فيه الفساد، والرد على هذا القائل الفساد مرض عالمي ويمكن الحد منه وتحجيمه بخلق مشاريع وتمويلها والإشراف على تنفيذها وليست هبات نقدية يمكن السطو عليها.
آخر القول: الأردن واليمن خاصرتا مجلس التعاون، فادفعوا بانضمام الخاصرتين إلى بقية الجسد الخليجي، ولن تندموا وأنتم الرابحون، ولا تجعلوا الأردن واليمن أسيري حاجة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1377
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1335
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
804
| 13 يناير 2026