رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال الأيام الثماني عشر الأولى لثورة يناير أخرج الشعب المصري أروع ما يملك من صور الوحدة وتجلت حالة الفداء والتضحية بين البشر المحتشدين والمعتصمين، لتستمر هذه الحالة بعد ذلك تجمع الشعب من الصبية والشباب والشيوخ في ملحمة مضافة للثورة أطلق عليها اللجان الشعبية التي تحمي الأحياء والشوارع والمباني، لتبدأ من بعد ذلك حالة التقسيم عندما جاء البشري ولجنته بالتعديلات الدستورية التي مثلت أول خطوة للانحراف بالثورة عن مسارها، وليخرج من ورائه جوقة ممن يطلق عليهم المشايخ لرطانتهم باسم الدين، تتحدث عن غزوة الصناديق، يومها تحقق الانقسام، وكأن مصر كانت بلدا وضع من جديد على خريطة العالم، وكأن حضارة مصر لم تصغ لها هوية، وخرجت لنا من الكهوف عقول لا تحمل خيرا للوطن وكأنها تفتح دولة الإلحاد على يدٍ مجهولة المنشأ والهدف، وتشكل أمام أعيننا تحالفا بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين جماعة الإخوان والسلفيين وتيارات أخرى خرجت من السجون أو فتحت أمامهم مطارات مصر تحت حالة من القبول المريب، وكأن هناك مخططا لإعادة التكوين الاجتماعي والسياسي والفكري لمصر. ذات المخطط الذي خططت له أمريكا بلجنة ديك تشيني وإبرامز وزلماي خليل زادة وبندر بن سلطان، عندما سعت لتكوين جبهة سنية في مواجهة محور إيران سوريا حزب الله، في أعقاب حرب لبنان عام 2006، وكانت الغاية من تلك اللجنة القضاء على الآثار التي ترتبت على صمود حزب الله، وكان الدور الأساس لوجود بندر بن سلطان هو التمويل.
لا تملك جبهة معاداة الشعب العربي، والسيطرة على مقدراته أي صورة من صور الإبداع في المواجهة، ولكنها تملك المعلومات وتملك أعمال المخابرات وتملك علاقات تاريخية مع أجهزة مناظرة لها في الدول العربية التي كان مبرر استمرار أنظمتها هو أمن إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة.
لم يغب على العقل الغربي والأمريكي تلك الرؤية البريطانية السابقة على ميلاد الكيان الصهيوني للسيطرة على المنطقة والتي كانت تعتمد الدين أساسا للسيطرة الداخلية، وأساس التقسيم السياسي للمنطقة. ويومها كانت الرؤية البريطانية في نهايات القرن التاسع عشر ترتكز على إيجاد نظام ديني يسيطر على المنطقة، ويكون تابعا للغرب.
وهو ذات الأساس الذي استخدمته المخابرات الأمريكية في إعلان الجهاد في أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتي ليولد تنظيم القاعدة على أيديهم وبتدريب من خبرائهم وتمويل من الأموال العربية، وليظهر داخل الشعب العربي ما أطلق علية الأفغان العرب أو هم العرب الذين تطوعوا للجهاد المقدس ضد الإلحاد في أفغانستان.
ولم يكن الخارج وحده مصدر ظاهرة العرب الأفغان، بل سبقهم في ذلك أنور السادات عندما استدعى التنظيمات الدينية داخل الجامعة لمواجهة تيارات سياسية ناصرية وماركسية كانت تواجه مخططاته الانقلابية على إرادة الشعب في التحرير، واستدعى الإخوان من الخارج، وتولى كل من محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان مسؤولية البناء التنظيمي والتمويل للجماعات الإسلامية، وتولت أجهزة الأمن في الوقت ذاته تصفية التيارات الناصرية واليسارية في كل الجامعات وكانت قمة المواجهة أحداث 1977 والتي أطلق عليها انتفاضة الخبز ليعود السادات ويطلق عليها انتفاضة الحرامية بعد أن هرب من أسوان إلى الإسماعيلية، وبعد أن تولى أمن الدولة تصفية كافة القوى السياسية في مصر، ولينتهي الأمر بالسادات إلى رحلة القدس.
كان كل هؤلاء المتحدثين عانوا في غياهب السجون آلام الحبس، في الأساس جماعات جرى تشكيلها والسماح لها بالعمل لتفريغ الإرادة الوطنية من مضمونها السياسي والاجتماعي والوطني.
ويبدو أن ضرورات الميلاد تواصلت بعد يناير 2011، واتخذت التيارات التي نمت وتوغلت وجرى تمويلها بسخاء طوال فترة ميلادها الجديد وظلت تعمل في ساحة تكاد تكون خالية من باقي القوى، اتخذت هذه التيارات جانب سلطة الإدارة بعد الثورة وتوافقت مع القوى المضادة للثورة، لتحقق مآربها في الوصول إلى السلطة دون أن يكون الوطن والشعب والهوية محل اعتبار لها، ولكن هي رؤاها الذاتية في إقامة دولة الخلافة كما تدعي وإقامة شرع الله!
دون أن تدرك التاريخ، تبقى المواقف عرضة لعدم الفهم والتصرفات غير قابلة للتفسير.
الأمر في مصر الآن ليس صراعا بين الدولة الدينية والدولة المدنية، بل الصراع في مصر الآن هو استطراد لما بدأ أول السبعينيات، بين نظام السادات، والجماعات الدينية التي أنشأها لمواجهة الحركة الوطنية، وقبلت تلك الجماعات هذا الدور في حينها، وظل حتى اليوم عقيدتها، رغم محاولات تهذيبه، وتجميله، وظل منهجهم حرق التاريخ، ليبقى وفقط ما يصنعونه، بالتسلل والاتفاق مع السلطة، أو باستدعاء التكفير والمواجهة بالقوة إن لزم الأمر في مواجهة باقي القوى السياسية.
ليس مستغربا ذلك التوافق إلى حد الاتفاق بين طرفي التيارات والتنظيمات الدينية، وبين سلطة الحكم، سواء كان السادات أو مبارك أو حتى سلطة الإدارة بعد الثورة، فأساس الاتفاق هو دولة العلم والإيمان، كما أعلنها السادات تحت الرعاية الأمريكية والصهيونية، وكل الاختلافات أو الاعتقالات كانت بين أطراف تجمعهم رؤية سياسية واحدة، ويتنازعوا على السلطة فيما بينهم، وكلاهما لا يرى في الشعب أو باقي القوي السياسية، غير أدوات أو خصوم خارج الصراع.
بالقطع داخل هذا السرد الإجمالي تفاصيل متعددة، ولكن بالأساس لا يجب أن تَحُول أحداث الصدام بين الطرفين المكونين للنظام، عن الرؤية الاستراتيجية الحاكمة لهما، ولعل قراءة للرؤية الاقتصادية التي تجمع بين نظام السادات الاقتصادي الذي توحش على يد نظام خليفته، والذي أهدر أعظم ما امتلكت مصر من قدرات للإنتاج، أو علاقات للإنتاج، وسعى لإعادة بناء أنماط الاقتصاد الريعي والطبقة الرأسمالية الجديدة والتي سعت لهدم الاقتصاد المصري منذ بيع الشركة العامة للبطاريات وتقطيع ماكيناتها إلى أجزاء بمناشير ضخمة في عصر السادات، إلى سياسة الخصخصة في عصر خليفته، وعلى ذات النسق كان أول توجه للإخوان بعد ثورة يناير إلى جلال الزوربا رئيس اتحاد الصناعات المصرية وقام بالزيارة كل من الكتاتني رئيس مجلس الشعب الحالي ومرسي مرشح الرئاسة، ويجب هنا أن نتذكر أن الزوربا هو رجل الكويز ومهندسها، وهو رئيس اتحاد الصناعات المصرية!! ولينشئ بعد ذلك كلٌ من الزوربا وحسن مالك رجل الإخوان المالي، جمعية لرجال أعمال غير التي أنشئت في عصر السادات، وتحمل اسم "ابدأ". ويبقى سؤال هل حملت زيارة الكتاتني ومرسي إلى الزوربا أي رسائل اطمئنان إلى إسرائيل؟ سؤال مشروع ولا يملك غيرهما الإجابة عليه. أراد الإخوان مد العلاقة مع الطبقة الرأسمالية التي أنشأها مبارك وابنه.
وفق هذه الوقائع، يصبح تفسير المواقف ممكنا سواء، في أزمنة حكمي السادات ومبارك، وقبيل ثورة يناير الشعبية أو بعدها خلال وقائع الثمانية عشر يوما أو طوال الفترة الانتقالية، ويصبح خبر اللقاء بين وفد للإخوان وبين أحمد شفيق لا يحمل أي مبرر للاستغراب، فهو حوار بين أطراف على جانب واحد، وموقف واحد من الثورة، وهذا نسق التعامل المستمر طوال الأربعين عاما الماضية، ملاسنات في العلن واتفاقات في الغرف المغلقة، والشعب والوطن يدفع الثمن.
وعلى الجانب الآخر في هذا الصراع حول الثورة ونتائجها، يجب الاعتراف أن الأحزاب التي كانت قائمة في نظام مبارك أو تلك الناشئة بعده، لم تتمكن من قراءة دلالات الخروج الشعبي في ثورة يناير، واستولى على خيالها لعبة غسيل المخ التي دارت منذ أوائل الثمانينيات تحت دعاوى حقوق الإنسان، وتداول السلطة، وعندما لم تجد لذاتها مرجعية سياسية واجتماعية، نزعت إلى الاصطفاف تحت دعاوى الليبرالية والمدنية، وهي في علاقاتها ووزنها الشعبي لا تعدو ديكورا غير ناضج لوجودات سياسية لا يمكنها إحداث توازن مع ائتلاف التيارات الدينية والإدارة الحالية للنظام في مصر، خاصة وأنها تفتقد لغة خطاب سياسي يفتح لها باب القبول الشعبي، في مواجهة خطاب الحلال والحرام الديني فضلا عما تأسس للكيانات الدينية من علاقات اجتماعية وأهلية بين التجمعات الشعبية التي تعاني الفقر، عبر باب الإحسان بيد من يملك المال وبلا حساب وبلا جهد والخزائن مفتوحة على مصراعيها، وغير الخزائن هناك احتمال للمخازن أيضا.
هذه الكيانات السياسية والنخبة والتنظيمات الدينية، في مجموعها تلعب خارج إطار الثورة وإن رددت كلمات الثورة على ألسنتها دون إقرار بمتطلباتها، حتى عندما حانت الانتخابات البرلمانية، كانوا جميعا مسؤولين عن قانون الانتخابات المعيب، والذي مكنهم من الاستيلاء على مقاعد البرلمان بالقوائم، الثلثين، وبالترشح على المقاعد الفردية، وحصل الإخوان على 134 مقعدا بالقوائم و103 مقاعد بالفردي، خاصة وأن تقسيم الدوائر تم وفق إرادتهم بما يستحيل معه أن يباشر أي مستقل الترشح وإدارة العملية الانتخابية لاتساع الدوائر مما يستلزم معه إمكانات مادية مفتوحة، لا تتوافر لغيرهم بهذا السخاء وبعيدا عن الرقابة.
وهو ذات الموقف في القبول بالانتخابات الرئاسية دون وضع الدستور، ونبه إلى هذا الأمر الكثير من العاملين بالعمل العام ومنهم البرادعي والذي اتخذ موقفا بالانسحاب من السباق الرئاسي واصفا إياه بأنه لعب بلا قواعد أو محددات سياسية، وبقي ثلاثة عشر مرشحا يرى كل منهم في ذاته محورا للكون، وأخذت العملية الانتخابية ببصر الشعب، ولكنها لم تأخذ بعقله ليغير موقفه في التصويت في انتخابات الرئاسة ويساوي بين الأطراف جميعها، وكأنه استخدم ورقة التصويت كي يرفض ما لا يريده.
ولأن لكل فعل كما زلزال التصويت هذا، توابع، شهدت الساحة الشعبية حالة من الرفض لوجهي العملة معا، شفيق ومرسي، وعدل كل منهما خطابه. شفيق يتحدث عن دولة مدنية!، وكأنه قدم لنا من خارج نظام فاسد، وصار المحور الأساس لدعايته الانتخابية هو الهجوم على الإخوان ووصمهم بأنهم سارقو الثورة، وفي المقابل انتقل حديث مرشح الإخوان من دولة الخلافة الإسلامية وعاصمتها القدس، إلى ارتداء ثوب الثورة، ليصف ذاته بأنه ابنها، وهو مسؤول الحزب الذي صمت على كافة عمليات الإجهاض للثورة وشارك في تشويهها وبلع لسانه في مواجهة دم الشهداء المسال على الأسفلت.
وبلغت المزايدات مداها في أعقاب صدور الحكم على مبارك، ولتتحول جلسة المجلس النيابي إلى مؤتمر سياسي لانتقاد القضاء والمطالبة بتطهيره، وهؤلاء الذين يصرخون بذلك لم يناقشوا قانون السلطة القضائية، وحاولوا التعرض للمحكمة الدستورية التي هي مؤسسة خارجة عن سيطرتهم الكاملة. وخرج رئيس المجلس الأعلى للقضاء لمواجهة حصيفة ولكنها حاسمة لمن يتعرض للقضاة والأحكام القضائية، وأطلق رئيس نادي القضاة أوصافا من العيار الثقيل على المجلس، بل مد الخط على استقامته بأنه سيستعين بالخارج.
وتبرز أزمة الجمعية التأسيسية، بإقرار أن نصف الأعضاء للتيارات الدينية وأن نصفها الآخر لغيرهم، وهو أمر يتناقض مع ضرورة أن تكون الجمعية التأسيسية للدستور معبرة عن أطياف المجتمع ومكوناته الاجتماعية والإنتاجية والثقافية، وصار الألم والمرارة هو النتيجة الطبيعية لانهيار العقول والوعي لدي المتحاورين حول معايير الجمعية التأسيسية، وكأنها أصبحت دوامة تستخدم لتعديل المواقف التفاوضية بين الأطراف المسيطرة على السلطة.
ومع كل المخاطر المحيطة بمشروع الدستور المصري من هذه المناورات، فإن المحكمة الدستورية ستنظر الخميس 14 يونيو، تقارير هيئة المفوضين حول قانوني العزل السياسي وقانون انتخابات مجلس الشعب، والتقارير المعروضة تؤدي إلى إلغاء الانتخابات الرئاسية وحل مجلس الشعب. وهذه الأحكام ستمثل انفجارا كبيرا في المسار السياسي.
شهد ميدان التحرير أولى مواجهات العنف لأن أحدهم حمل صورة ترفض كلا المرشحين وهاجمه أنصار مرسي وأصيب ثمانية أشخاص نقلوا إلى المستشفيات.
نذر انفلات إلى العنف. وادعاء بانتماء للثورة، وأن دم أنصار الخصم أرخص من دم الدجاج. ومناورات اللجنة التأسيسية المؤدية إلى التقسيم الطائفي.
هذا كله يفتح الباب أمام عنف ودم، أو يفتح بابا للانقلاب العسكري، وهذا الأخير له صور متعددة، تتوافق والعصر.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
874
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
628
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
528
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
12756
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
4974
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3210
| 16 أغسطس 2026