رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت جمعة ارحل قبل الماضية على سوريا بمظاهرات هي الأضخم منذ بدء الاحتجاجات خاصة في مدينة حماة، ومع أن شهداء عديدين قد سقطوا ثمنا للدين والحرية والكرامة في أكثر من بؤرة ثائرة إلا أنه لم يصب أحد بأذى في المظاهرة التي شهدتها المدينة الباسلة وذلك بسبب أن المحافظ كان متفهما لطبيعة الاحتجاج السلمي ومنع أي أحد من الأمن أو الجيش أو الشبيحة أن يتعاملوا بالعنف مع المتظاهرين السلميين الذين بلغ عددهم أكثر من خمسمائة ألف وقد كانت جمعة مؤثرة ومعبرة لأنها نفذت تجربة فريدة للحرية والديمقراطية في هذا اليوم وأوضحت أن الاحتجاجات في سائر البلاد لو تمت بمثل هذا التعامل لما سقط قتلى ولا جرحى ولما احتاجت الدولة أن تدعي أن ثمة عصابة مسلحة أو سلفيين - على ما فيهم من خير كثير بالنسبة للعصابات الحاكمة المتطرفة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وخلقيا – ولما رأينا مندسين ضمن المظاهرات بحسب روايتهم التي لا يكون أحد منهم البتة في المظاهرات المؤيدة القائمة بدافع الترغيب أو الترهيب والإجبار إلا عددا قليلا ممن هم جنود للباطل والظلام أما جحافل الحق والنور الذين لو أتيحت لهم الفرصة في كل مكان من البلاد أن يقفوا ضد الاستبداد والاستعباد ودون استعمال الرصاص الحي لرأينا سوريا تخرج عن بكرة أبيها غالبا، وهذا هو الأمر الذي أخافهم في حماة لو جرى في سوريا كلها على هذا الأساس وهو ما لا يمكن أن يسيطروا عليه ويتحملوه ولذلك لجأوا كما فعلوا من بداية الأحداث إلى إعفاء محافظ حماة من منصبه بقرار رئاسي، حيث لم يمش على هواهم الذي لا يتم إلا على حساب دم الشعب الحر الأبي، ثم كان تعيين محافظ جديد هو الجنرال وليد أباظة المعروف بقسوته والذي كان مسؤولا أمنيا جهنميا منفذا لأوامر حافظ الأسد الأب بإزهاق أكثر من ستة وأربعين ألف إنسان في مذبحة فبراير عام 1982 التي كان قد سقط قبلها شهداء بالمئات نتيجة الثورة على المظالم وكان رفعت الأسد شقيق حافظ قد هدد وتوعد المعارضين خاصة الإسلاميين بحمامات دم هائلة إذا لم يخنعوا ويكفوا معارضتهم وقد قال في خطاب ألقاه في دمشق 6/1/1980م، أمام المؤتمر القُطري السابع لحزب البعث: (إن ستالين أيها الرفاق قضى على عشرة ملايين إنسان في سبيل الثورة الشيوعية واضعا في حسابه شيئا واحدا فقط هو التعصب للحزب ونظريته فالأمم التي تريد أن تعيش وتبقى تحتاج إلى رجل متعصب وإلى حزب ونظرية متعصبة! ورفعت هذا كان قائدا لما يسمى وقتها بسرايا الدفاع أي عن النظام وعددهم يزيد على ثلاثين ألفا وهي الميليشيا والذراع الضارب الذي ارتكب مأساة العصر في حماة بإسناد اللواء المتحرك الذي كان يقوده العقيد علي ديب 28/1/1982 حيث نفذ لحافظ ورفعت تدمير المدينة والقتل والتعذيب والاغتصاب والاعتقال والتهجير ومع أن وزير الداخلية يومها عدنان الدباغ قال: إننا سنواجه عددا لا يزيد على الثلاثمائة من المسلحين في حماة، ولكن الأمر اقتضى الحشد البري لمئات الدبابات والقصف الجوي والتطويق والحصار وعرفنا عن قصص رهيبة يندى لها وجه الإنسانية ومع أن حافظ أسد وعد بإعطاء الأمان للمدينة وعدم دخولها ولكنها كانت خطة ماكرة منه ودخلت القوات وعاثت الفساد كما يحصل اليوم وينفذه في سوريا وحماة خاصة شقيق الرئيس بشار ماهر المسؤول عن الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري لكن انتشار الأمن والجيش الآن قد عم جميع سوريا بالقمع وليست حماة وحدها وإن كانت قلب الاحتجاجات في وسط البلاد وهكذا يكون الأولاد سر أبيهم ولا غرابة إذ صرح بشار لإحدى وسائل الإعلام أنه إن قامت ثورة ضده فسيعيد ما أنجزه أبوه في حماة.
وصرح في خطابه الأول منذ ثلاثة شهور أن المعركة إن فرضت فنحن لها! يا للتعاسة من خائن يقتل شعبه المسالم ويقابل الأفواه والحناجر الهاتفة بالرصاص الحي وكيف صنوف التعذيب والاعتقال حتى للنساء والأطفال وهذا ما جرى في الأسبوع الماضي في جمعة "اللا حوار" وبعد تغيير المحافظ طبعا حيث استشهد من المتظاهرين ثلاثون وجرح أكثر من سبعين، إنه يتسلى بصيد شعبه بالنار فتبا له من حاكم جبار هو ومن معه من جنرالات وشبيحة.. فإنهم في سبيل الحفاظ على الكرسي ليس إلا يجرون دماء الأبرياء أنهارا ناهيك عن احتلال المدن والأحياء ونهب البيوت والاعتداء على الحرمات وتهجير الآمنين إلى لبنان وتركيا والأردن بل وخطف رجال ونساء وشباب واعتقال الآلاف المؤلفة حتى غدت السجون تغص بهم ويحشرون في أماكن أخرى مزرية ويجبر المعتقلون على ترديد هتافات التأييد لبشار قسرا وإلا!! إنها الصفحات السود التي فتحت على سوريا في عهد الأب والابن وما ندري من سيبيضها ولكن الأمل كبير بالله وجنود الدين والوطن من الثائرين والمعارضين المخلصين الذين يعملون مع بذل إخوانهم الدماء بمداد وألسنة الرافضين للحكم الأحادي الشمولي والذي ادعى أخيرا أنه ألغى قانون حالة الطوارئ ولكنه استبدل به قمعا أقسى فإن أكثر من عشرة آلاف معتقل زج بهم في السجون بدءا من يوم الإلغاء فلا شك أننا أمام عصابة لا تعرف للصلح والإصلاح مكانا لأنها ما نشأت عليه وفاقد الشيء لا يعطيه وكما قال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في ندوة بقناة بي.بي.سي عربي إن النظام السوري غير قادر على الإصلاح أساسا لأنه يجري عكس التاريخ تماما، ولكن رغم سيل الدماء واكتظاظ السجون فإن الثورة تتصاعد بشكل غير مسبوق بعد أن كسرت حاجز الخوف إلى غير رجعة واليوم فإن حماة الشهيدة في حصار خانق بالدبابات والمدرعات والناقلات وبعد أن نزل الأمن واعتقل أكثر من خمسمائة بعد جمعة ارحل وكلهم من الأطفال والنساء وبعض الرجال والشباب فقد هب الثوار وأقاموا المتاريس والحواجز الكبيرة في مداخل المدينة وداخلها ليحموا مدينة أبي الفداء المؤرخ الذي عرفت باسمه ومدينة النواعير على نهر العاصي التي عرفت بها وهم وأهل هذه المدينة في معاناتهم يجأرون إلى الحق تعالى بالفرج والنصر وكلهم شكوى إلى الله من تخاذل الموقف العربي الصامت الرهيب المشارك بمشيئته أولا مشيئته في جرائم الأمن السوري وتخاذل منظمة المؤتمر الإسلامي إضافة إلى الجامعة العربية حيث لا ينبس أحد منهم ببنت شفة دفاعا عن المظلومين خوفا من الأمن السوري أو مداراة للوضع الإقليمي والدولي الذي لم يرق إلى الآن أن يصل إلى الحد الأدنى المتناسب مع فداحة المصيبة وهول الكارثة بل إنني لأجزم أن الدول الأجنبية أيضاً متآمرة بشكل أو بآخر بهدف سحق الاحتجاجات والوصول إلى إصلاحات شكلية يعقبها هدوء وحوار تجميلي وكل ذلك من أجل حفظ امن إسرائيل التي صرحت أن نظام الأسد أفضل لها من أي نظام يأتي لا تعرف توجهه فجبهتها هادئة منذ أربعة عقود مع من يصف نظامه بالممانعة والمقاومة نعم إنه كذلك ولكن ضد شعبه لا ضد الصهاينة في الجولان المحتل! وتقوية صفه الداخلي وإعداده للحرب.
إن كل إنسان مخلص وهيئة وحزب ودولة وحكومة يجب أن يطلقوا صفارة الإنذار مهددين بعدم إعادة هولوكوست حماة ثانية ولا يغر البعض أن بشار يعطي أمانا وكذلك وزير خارجيته المعلم طبعا بفتح اللام بعدم دخول المدينة فقد أعطى ذلك أبوه من قبل ومن أشبه أباه فما ظلم والدليل أنهم قتلوا الآن واعتقلوا بل فصلوا رأس الشهيد إبراهيم قاشوش عن جسده وكسروا حنجرته لأنه كان ينشد للثورة فأخذت المدينة كلها ونواعيرها نشيجها ونحيبها حزنا على مغني الثورة في حماة لقد كان بالإمكان زجه في السجن ثم محاكمته إن كانت عدالة ولكن الانتقام عدالة الهمجيين.. وقد ذهب السفير الأمريكي في دمشق وكذلك الفرنسي والبريطاني بعده حيث تمت معاينة مظاهرات حماة الجمعة الماضية حتى يكون شاهدو العيان هذه المرة من الدبلوماسيين الكبار لا ممن يعترضون عليهم من غيرهم بدعوى الفبركة، شهد هؤلاء توثيق الجرائم التي لن تمر دون حساب إن شاء الله ولم تستطع السلطة أن تثبت أن في حماة عصابة مسلحة حيث كانت ادعت ذلك قبل نزول الدبلوماسيين وأن أهل حماة استدعوا الجيش ليحميهم جاء نزول هؤلاء ليفوت الفرصة ويظهر حقيقة هؤلاء الدجالين الكاذبين في إعلامهم تضليلا للناس بعد أن منعوا أي وسيلة إعلامية محايدة من دخول البلاد وكذلك المنظمات الحقوقية وهذه هي الحقيقة في الأمر غالبا أو قد يكون الغرب قد نصب فخا للثورة بالاتفاق سرا مع السلطة لسحق المتظاهرين وإعادة الشرعية للنظام بعدما فقدها فعلا بإراقة دماء شعبه وحتى لو جاء منتخبا بنزاهة فكيف إذا جاء بالوراثة وعدلت مادة الدستور بعمر الرئيس لإكمال المسرحية؟
وأخيراً فإن ما دعا إليه النائب محمد حبش بمؤتمر حواري مات في أرض لأنه ظلم ونافق فإن اللقاء التشاوري الذي تم أمس بمشاركة مائة شخصية ومقاطعة المعارضة المخلصة واستبعاد تنسيقيات الداخل للشباب رفضا لآراء فاروق الشرع نائب الرئيس ليؤكد أن النظام غير جاد في الحل وأن التضحيات هي الحل حتى يسقط.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
1569
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1521
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1275
| 11 مارس 2026