رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

Dr.hamad_55hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

543

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

حين يسقط مكياج العلاقات بين الوفاء ومنطق المصلحة

11 أغسطس 2026 , 11:07م

هذه ليست شكوى من أحد، ولا عتابًا موجَّهًا إلى شخص بعينه، وإنما خلاصة تجربة وتأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية؛ تلك العلاقات التي نظن أحيانًا أنها بلغت من الرسوخ مبلغًا لا تهزّه المواقف، ثم تكشف لنا الأيام أن بعض ما حسبناه ثابتًا لم يكن إلا مؤقتًا، وأن بعض الوجوه لا نعرف حقيقتها إلا عندما تتعارض المصالح أو تنتهي الحاجة.

فالإنسان قد يبذل الإخلاص، ويحسن المعاملة، ويقف إلى جانب الآخرين في أوقات حاجتهم، ثم يفاجأ برد فعل لم يكن في حسابه. والأشد إيلامًا أن تأتي المفاجأة أحيانًا ممن حسبهم الأقرب؛ ممن ظن أن بينه وبينهم من المودة والعِشرة والجميل ما يكفي ليحفظ العلاقة من تقلب الأيام.

لكن الأيام مدرسة لا تمنح شهاداتها مجانًا، إنها تختبر العلاقات في المواقف، وتفرز من أحبك لشخصك، ومن أحب ما يستطيع الحصول عليه منك.

العلاقات ومرحلة «البيات الشتوي»

قد تمر بعض العلاقات بفترات من الهدوء تجعلنا نظن أن الخلافات انتهت، وأن النفوس صفت، وأن ما مضى قد طوي إلى غير رجعة. ولكن لا ينبغي أن نطمئن دائمًا إلى هذا «البيات الشتوي»؛ فقد يأتي موقف صغير ليعيد العلاقة إلى المربع الأول، وكأن سنوات من المعروف والمودة لم تكن.

وهنا تظهر حقيقة مهمة: المواقف لا تغيّر الناس دائمًا، لكنها كثيرًا ما تكشفهم.

فعندما تكون المصالح متوافقة، يسهل على الجميع تبادل الابتسامات والكلمات الجميلة. أما الاختبار الحقيقي فيأتي عندما تقول «لا»، أو تختلف في الرأي، أو تعجز عن تقديم ما اعتاد الآخر الحصول عليه منك.

عندئذ فقط نعرف مقدار ما كان للعلاقة من جذور.

عندما يسقط المكياج

لبعض العلاقات «مكياج» اجتماعي جميل: كلمات رقيقة، ومجاملات، وابتسامات، وعبارات تقدير ووفاء. وليس في ذلك عيب إذا كان الظاهر امتدادًا لما في القلب.

ولكن المشكلة تبدأ عندما يكون هذا الجمال غطاءً لمصلحة مؤقتة، فالمكياج مهما طال بقاؤه لا يصبح وجهًا، ومتى انتهت المناسبة أزيل، وظهر الوجه على حقيقته.

وهكذا بعض العلاقات؛ قد تستمر سنوات تحت غطاء من المجاملة والمصلحة المشتركة، ثم يأتي موقف واحد فيزيل ذلك الغطاء كله.

وحينها يكتشف الإنسان أن بعض الابتسامات لم تكن أكثر من مسكّن مؤقت للألم؛ أشبه بحبة دواء تخفف الوجع لبعض الوقت، لكنها لا تعالج أصل الداء.

من طرف اللسان حلاوة

وقد لخّص الشعر العربي هذه الازدواجية منذ قرون في قول الشاعر:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ

إنها صورة قديمة لسلوك ما زال حاضرًا: لطف في الكلام، ومهارة في الاقتراب، وقدرة على إظهار الود، بينما تخفي النفس حسابات أخرى.

ولعل من أبلغ ما عبّرت به الثقافة الشعبية عن هذا النوع من العلاقات قولهم:

صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما

فالمشكلة هنا ليست في وجود المصلحة؛ فالحياة نفسها قائمة على تبادل المصالح والمنافع. الطبيب ينتفع من المريض والمريض ينتفع من الطبيب، والتاجر والمشتري، والمعلم والمتعلم، والدول والمجتمعات، جميعها تتبادل المنافع.

إنما الخلل أن تتحول المصلحة من جسر للتعاون إلى أداة لاستعمال الإنسان.

هناك فرق أخلاقي كبير بين أن أنتفع منك وأنفعك، وبين أن أستعملك حتى أصل إلى غايتي ثم أتخلى عنك.

هل كل الناس ناكرون للجميل؟

هنا ينبغي أن نكون منصفين

التجارب المؤلمة قد تدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن الجحود أصل في البشر، لكن التعميم ظلم للحقيقة كما هو ظلم للناس.

فكما يوجد من ينسى المعروف، يوجد من يحفظ معروفًا قُدّم إليه قبل عشرات السنين. وكما يوجد من تتبدل ملامحه عند انتهاء المصلحة، يوجد من يقف معك عندما تنتهي المصالح كلها.

وهؤلاء هم الذين يعيدون للإنسان ثقته بأن الخير لم ينقطع.

والوفاء الحقيقي لا يُقاس بكثرة الكلام في زمن الرخاء، بل بالموقف عندما لا يعود لديك شيء تقدمه.

من بقي عندما انتهت حاجته إليك، فقد أحب الإنسان فيك، لا المنفعة التي عندك.

الإنسان أعقد من أن تحكمه معادلة واحدة

الإنسان كائن شديد التعقيد. تتداخل في سلوكه الحاجة والخوف والطموح والحب والغيرة والمصلحة والوفاء والأنانية والامتنان.

ولهذا لا ينبغي أن نقرأ كل علاقة من زاوية مثالية خالصة، كما لا ينبغي أن نقرأها من زاوية الشك المطلق.

فالناس ليسوا ملائكة، ولكنهم كذلك ليسوا جميعًا انتهازيين.

والحكمة أن نعامل الناس بالأخلاق، ولكن من دون أن نلغي العقل؛ أن نحسن الظن، ولكن من دون أن نفقد القدرة على قراءة المواقف؛ وأن نعطي، ولكن من دون أن نجعل كرامتنا ثمنًا للعطاء.

مكيافيللي ومنطق الغاية

يُنسب إلى الفكر المكيافيللي اختزال السياسة والعلاقات في منطق القوة والمصلحة، وتُختصر هذه النظرة عادة بعبارة «الغاية تبرر الوسيلة»، وإن لم ترد بهذه الصيغة الحرفية في كتاب الأمير.

والمشكلة ليست في الاعتراف بوجود المصالح؛ فهذا جزء من الواقع الإنساني والسياسي. المشكلة أن تصبح المصلحة مبررًا للخداع والغدر ونقض الوفاء واستعمال الآخرين أدوات لتحقيق الأهداف.

فالمجتمع الذي تتحول فيه العلاقات كلها إلى صفقات سرية يصبح مجتمعًا فقيرًا، مهما بلغ ثراؤه المادي.

لأن الثقة هي رأس المال الخفي للمجتمعات.

صحراء العلاقات

أحيانًا يكتشف الإنسان، بعد سنوات من العطاء، أن علاقة ظنها حديقة خضراء لم تكن إلا أرضًا سبخة؛ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً.

ولكن حتى هذه الصورة لا ينبغي أن تقودنا إلى اليأس.

كان يقال إن البحر لا ينبت العشب، ثم عرف الإنسان أن في البيئات الساحلية أشجارًا مثل القرم تستطيع أن تمد جذورها حيث تبدو الحياة صعبة.

وفي هذه الصورة معنى جميل للعلاقات الإنسانية أيضًا:

حتى في البيئات القاسية يمكن للوفاء أن ينبت.

وربما كانت مهمتنا ألا نتحول بسبب تجاربنا السيئة إلى نسخة ممن آذونا.

فمن جحد معروفنا لا ينبغي أن يعلمنا الجحود، ومن قابل إحساننا بالإساءة لا ينبغي أن يقنعنا بأن الإحسان خطأ.

الأخلاق ليست صفقة

القيمة الحقيقية للأخلاق أنها لا تتغير بتغير الطرف الآخر.

أنا لا أصدق لأن الناس جميعًا صادقون، ولا أحفظ الجميل لأن الجميع يحفظونه، ولا أحسن إلى الآخرين لأنني أضمن أنهم سيردون الإحسان.

إنما أفعل ذلك لأن هذه أخلاقي التي اخترتها لنفسي.

وقد جاءت الرسالات السماوية، كما جاءت كثير من الفلسفات والقيم الإنسانية، بتعظيم الصدق والرحمة والوفاء وحسن المعاملة. وفي السنة النبوية جاء تعظيم حسن الخلق ومكانته الرفيعة.

ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط: كيف عاملنا الناس؟

بل أيضًا: هل استطاع سوء تعامل بعض الناس معنا أن يغيّر أخلاقنا؟

وأخيرًا…

تعلمنا الأيام ألا نضع ثقتنا كلها في الكلمات، بل في المواقف؛ وألا نقيس المحبة بحرارة الاستقبال، بل بثباتها عند اختلاف المصالح.

ليس كل قريب عضيدًا، وليس كل بعيد غريبًا.

وليس كل من ابتسم محبًا، كما أن كل من اختلف معنا ليس عدوًا.

فالزمن كفيل بأن يزيل «مكياج العلاقات»، والمواقف كفيلة بأن تكشف الوجوه دون حاجة إلى خصومة أو انتقام.

ومع ذلك، يبقى أجمل انتصار للإنسان ألا تسمح له التجارب القاسية بأن يصبح قاسيًا.

فلا تجعل جحود الآخرين يسلب منك فضيلة الوفاء، ولا تجعل خيبة الأمل تقنعك بأن المعروف خسارة.

ازرع الخير، ولكن اعرف أين تزرعه.

أحسن إلى الناس، ولكن لا تعطِ أحدًا حق امتهانك.

ثق، ولكن اجعل للمواقف نصيبًا من حكمك.

واحفظ الجميل، حتى وإن عشت في زمن ينساه فيه البعض سريعًا.

فلعل البحر الذي قيل يومًا إنه لا ينبت العشب، أنبت القرم على شواطئه؛ ولعل أرض العلاقات التي أجدبت طويلًا ينبت فيها يومًا رد الجميل، وحفظ العِشرة، وصدق المودة، وحسن الخلق.

فذلك هو الغرس الذي يحتاج إليه الإنسان، وتحتاج إليه المجتمعات، أكثر من أي وقت مضى.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما

مساحة إعلانية