رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه ليست شكوى من أحد، ولا عتابًا موجَّهًا إلى شخص بعينه، وإنما خلاصة تجربة وتأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية؛ تلك العلاقات التي نظن أحيانًا أنها بلغت من الرسوخ مبلغًا لا تهزّه المواقف، ثم تكشف لنا الأيام أن بعض ما حسبناه ثابتًا لم يكن إلا مؤقتًا، وأن بعض الوجوه لا نعرف حقيقتها إلا عندما تتعارض المصالح أو تنتهي الحاجة.
فالإنسان قد يبذل الإخلاص، ويحسن المعاملة، ويقف إلى جانب الآخرين في أوقات حاجتهم، ثم يفاجأ برد فعل لم يكن في حسابه. والأشد إيلامًا أن تأتي المفاجأة أحيانًا ممن حسبهم الأقرب؛ ممن ظن أن بينه وبينهم من المودة والعِشرة والجميل ما يكفي ليحفظ العلاقة من تقلب الأيام.
لكن الأيام مدرسة لا تمنح شهاداتها مجانًا، إنها تختبر العلاقات في المواقف، وتفرز من أحبك لشخصك، ومن أحب ما يستطيع الحصول عليه منك.
العلاقات ومرحلة «البيات الشتوي»
قد تمر بعض العلاقات بفترات من الهدوء تجعلنا نظن أن الخلافات انتهت، وأن النفوس صفت، وأن ما مضى قد طوي إلى غير رجعة. ولكن لا ينبغي أن نطمئن دائمًا إلى هذا «البيات الشتوي»؛ فقد يأتي موقف صغير ليعيد العلاقة إلى المربع الأول، وكأن سنوات من المعروف والمودة لم تكن.
وهنا تظهر حقيقة مهمة: المواقف لا تغيّر الناس دائمًا، لكنها كثيرًا ما تكشفهم.
فعندما تكون المصالح متوافقة، يسهل على الجميع تبادل الابتسامات والكلمات الجميلة. أما الاختبار الحقيقي فيأتي عندما تقول «لا»، أو تختلف في الرأي، أو تعجز عن تقديم ما اعتاد الآخر الحصول عليه منك.
عندئذ فقط نعرف مقدار ما كان للعلاقة من جذور.
عندما يسقط المكياج
لبعض العلاقات «مكياج» اجتماعي جميل: كلمات رقيقة، ومجاملات، وابتسامات، وعبارات تقدير ووفاء. وليس في ذلك عيب إذا كان الظاهر امتدادًا لما في القلب.
ولكن المشكلة تبدأ عندما يكون هذا الجمال غطاءً لمصلحة مؤقتة، فالمكياج مهما طال بقاؤه لا يصبح وجهًا، ومتى انتهت المناسبة أزيل، وظهر الوجه على حقيقته.
وهكذا بعض العلاقات؛ قد تستمر سنوات تحت غطاء من المجاملة والمصلحة المشتركة، ثم يأتي موقف واحد فيزيل ذلك الغطاء كله.
وحينها يكتشف الإنسان أن بعض الابتسامات لم تكن أكثر من مسكّن مؤقت للألم؛ أشبه بحبة دواء تخفف الوجع لبعض الوقت، لكنها لا تعالج أصل الداء.
من طرف اللسان حلاوة
وقد لخّص الشعر العربي هذه الازدواجية منذ قرون في قول الشاعر:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ
إنها صورة قديمة لسلوك ما زال حاضرًا: لطف في الكلام، ومهارة في الاقتراب، وقدرة على إظهار الود، بينما تخفي النفس حسابات أخرى.
ولعل من أبلغ ما عبّرت به الثقافة الشعبية عن هذا النوع من العلاقات قولهم:
صلى المصلي لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما
فالمشكلة هنا ليست في وجود المصلحة؛ فالحياة نفسها قائمة على تبادل المصالح والمنافع. الطبيب ينتفع من المريض والمريض ينتفع من الطبيب، والتاجر والمشتري، والمعلم والمتعلم، والدول والمجتمعات، جميعها تتبادل المنافع.
إنما الخلل أن تتحول المصلحة من جسر للتعاون إلى أداة لاستعمال الإنسان.
هناك فرق أخلاقي كبير بين أن أنتفع منك وأنفعك، وبين أن أستعملك حتى أصل إلى غايتي ثم أتخلى عنك.
هل كل الناس ناكرون للجميل؟
هنا ينبغي أن نكون منصفين
التجارب المؤلمة قد تدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن الجحود أصل في البشر، لكن التعميم ظلم للحقيقة كما هو ظلم للناس.
فكما يوجد من ينسى المعروف، يوجد من يحفظ معروفًا قُدّم إليه قبل عشرات السنين. وكما يوجد من تتبدل ملامحه عند انتهاء المصلحة، يوجد من يقف معك عندما تنتهي المصالح كلها.
وهؤلاء هم الذين يعيدون للإنسان ثقته بأن الخير لم ينقطع.
والوفاء الحقيقي لا يُقاس بكثرة الكلام في زمن الرخاء، بل بالموقف عندما لا يعود لديك شيء تقدمه.
من بقي عندما انتهت حاجته إليك، فقد أحب الإنسان فيك، لا المنفعة التي عندك.
الإنسان أعقد من أن تحكمه معادلة واحدة
الإنسان كائن شديد التعقيد. تتداخل في سلوكه الحاجة والخوف والطموح والحب والغيرة والمصلحة والوفاء والأنانية والامتنان.
ولهذا لا ينبغي أن نقرأ كل علاقة من زاوية مثالية خالصة، كما لا ينبغي أن نقرأها من زاوية الشك المطلق.
فالناس ليسوا ملائكة، ولكنهم كذلك ليسوا جميعًا انتهازيين.
والحكمة أن نعامل الناس بالأخلاق، ولكن من دون أن نلغي العقل؛ أن نحسن الظن، ولكن من دون أن نفقد القدرة على قراءة المواقف؛ وأن نعطي، ولكن من دون أن نجعل كرامتنا ثمنًا للعطاء.
مكيافيللي ومنطق الغاية
يُنسب إلى الفكر المكيافيللي اختزال السياسة والعلاقات في منطق القوة والمصلحة، وتُختصر هذه النظرة عادة بعبارة «الغاية تبرر الوسيلة»، وإن لم ترد بهذه الصيغة الحرفية في كتاب الأمير.
والمشكلة ليست في الاعتراف بوجود المصالح؛ فهذا جزء من الواقع الإنساني والسياسي. المشكلة أن تصبح المصلحة مبررًا للخداع والغدر ونقض الوفاء واستعمال الآخرين أدوات لتحقيق الأهداف.
فالمجتمع الذي تتحول فيه العلاقات كلها إلى صفقات سرية يصبح مجتمعًا فقيرًا، مهما بلغ ثراؤه المادي.
لأن الثقة هي رأس المال الخفي للمجتمعات.
صحراء العلاقات
أحيانًا يكتشف الإنسان، بعد سنوات من العطاء، أن علاقة ظنها حديقة خضراء لم تكن إلا أرضًا سبخة؛ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً.
ولكن حتى هذه الصورة لا ينبغي أن تقودنا إلى اليأس.
كان يقال إن البحر لا ينبت العشب، ثم عرف الإنسان أن في البيئات الساحلية أشجارًا مثل القرم تستطيع أن تمد جذورها حيث تبدو الحياة صعبة.
وفي هذه الصورة معنى جميل للعلاقات الإنسانية أيضًا:
حتى في البيئات القاسية يمكن للوفاء أن ينبت.
وربما كانت مهمتنا ألا نتحول بسبب تجاربنا السيئة إلى نسخة ممن آذونا.
فمن جحد معروفنا لا ينبغي أن يعلمنا الجحود، ومن قابل إحساننا بالإساءة لا ينبغي أن يقنعنا بأن الإحسان خطأ.
الأخلاق ليست صفقة
القيمة الحقيقية للأخلاق أنها لا تتغير بتغير الطرف الآخر.
أنا لا أصدق لأن الناس جميعًا صادقون، ولا أحفظ الجميل لأن الجميع يحفظونه، ولا أحسن إلى الآخرين لأنني أضمن أنهم سيردون الإحسان.
إنما أفعل ذلك لأن هذه أخلاقي التي اخترتها لنفسي.
وقد جاءت الرسالات السماوية، كما جاءت كثير من الفلسفات والقيم الإنسانية، بتعظيم الصدق والرحمة والوفاء وحسن المعاملة. وفي السنة النبوية جاء تعظيم حسن الخلق ومكانته الرفيعة.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط: كيف عاملنا الناس؟
بل أيضًا: هل استطاع سوء تعامل بعض الناس معنا أن يغيّر أخلاقنا؟
وأخيرًا…
تعلمنا الأيام ألا نضع ثقتنا كلها في الكلمات، بل في المواقف؛ وألا نقيس المحبة بحرارة الاستقبال، بل بثباتها عند اختلاف المصالح.
ليس كل قريب عضيدًا، وليس كل بعيد غريبًا.
وليس كل من ابتسم محبًا، كما أن كل من اختلف معنا ليس عدوًا.
فالزمن كفيل بأن يزيل «مكياج العلاقات»، والمواقف كفيلة بأن تكشف الوجوه دون حاجة إلى خصومة أو انتقام.
ومع ذلك، يبقى أجمل انتصار للإنسان ألا تسمح له التجارب القاسية بأن يصبح قاسيًا.
فلا تجعل جحود الآخرين يسلب منك فضيلة الوفاء، ولا تجعل خيبة الأمل تقنعك بأن المعروف خسارة.
ازرع الخير، ولكن اعرف أين تزرعه.
أحسن إلى الناس، ولكن لا تعطِ أحدًا حق امتهانك.
ثق، ولكن اجعل للمواقف نصيبًا من حكمك.
واحفظ الجميل، حتى وإن عشت في زمن ينساه فيه البعض سريعًا.
فلعل البحر الذي قيل يومًا إنه لا ينبت العشب، أنبت القرم على شواطئه؛ ولعل أرض العلاقات التي أجدبت طويلًا ينبت فيها يومًا رد الجميل، وحفظ العِشرة، وصدق المودة، وحسن الخلق.
فذلك هو الغرس الذي يحتاج إليه الإنسان، وتحتاج إليه المجتمعات، أكثر من أي وقت مضى.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
Dr.hamad_55hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2547
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1098
| 14 أكتوبر 2026