رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مَن قال إن السوريين لا يريدون تكرار التجربة الروسية المريرة في أفغانستان، هذه المرة في سوريا؟
ما من سوريٍ، يَحكمُ على ما فعله الأسد بشعبه، بعين الإنصاف والموضوعية، يرفضُ ذلك دون جدال. بل إن هناك (محايدين)! باتوا أقرب لهذا الموقف، بعد إذ رفعَ الروس ورقة التوت، كما يُقال، نهائياً عن عورتهم. وتَنَاسوا، في عملية (استغباء) تتنافسُ في وصفها الوقاحةُ مع النفاق، المفارقة بين عدد مرات (الفيتو) التي استخدموها في مجلس الأمن ضد أي (تدخلٍ أجنبي)، في حين تنتشر بوارجهم وطائراتهم ودباباتهم اليوم على أرض سوريا، وفي سمائها وسواحلها!
ثمة رغبةٌ طاغيةٌ بين السوريين في أن يحصلَ ذلك. والأمرُ لايتوقفُ عند الرغبة بالتأكيد، بل إن فيهم رجالاً مستعدين، عملياً، لأن تكون هذه (الملحمة) السورية مع الروس درساً يجعلهم يندمونَ على قرارهم كما لم يحصل من قبل، وتنتهي معهُ أحلامهم بمجرد التفكير في الاقتراب من (المياه الدافئة) إلى الأبد..
لكننا نطرح السؤال في معرض تحرير القول فيه من زاويتين.
فالبعضُ، من ناحية، ينوحُ ويتباكى، وينذر بالويل والثبور، تحت عنوان (الخوف) الشديد مما يُسمى (أفغنة) سوريا. في هذا الإطار، يبدو الأمر، في حقيقته، ممارسةً لترفٍ ثقافي نخبويٍ مُتعالٍ على تضحيات السوريين، لايبالى بآلامهم وآمالهم، عملياً، تحت دعاوى وعناوين (ثقافوية) تنظيرية باردة. دعاوى تقف عند نقطةٍ مثالية مؤداها الفعلي يتمثل، في نهاية المطاف، بضرورة تجنب (الاصطدام) مع الروس في سوريا عسكرياً.. و(الإصرار) بدل ذلك على (تَفُّهُم) الموقف الروسي! وإقناع النفس بأنه جاء ليساعد في محاربة (الإرهاب)، والتواصل معهم، بناءً على ذلك. وبكل هذا التفكير (الرغائبي)، كيلا نصفه بالـ (غبي) أو (التوريطي)، عسى ولعل أن يُمكن التوصل إلى تفاهماتٍ معينة معهم. والمهم في النهاية ألا تحصل (الأفغنة).
لكن المهم في استخدام المصطلح، هنا، لا يتعلق بدراسة وتجنب العناصر والأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى حصول السلبيات التي ظهرت في أفغانستان بعد هزيمة السوفيات / الروس.. فالغاية فقط استعمالُ الرواية أعلاه للحيلولة دون حصول تلك الهزيمة.. هذه ممارسةﱡ تقوم بها شرائح كبيرة، إعلاميين وكُتاب وساسة، من مؤيدي النظام بالتأكيد، لأن بإمكان تلك الرواية، الآن، أن تكون العنصر الرئيس في إستراتيجيةٍ كبرى تدخل في إطار الحرب المعنوية الحساسة الآن، عنوانُها (التخويف).
رغم هذا، يقوم بنفس الممارسة إعلاميون وكُتاب وساسة آخرون، بعضهم (رمادي).. بينما يُسمي بعضهم الآخر أنفسهم مؤيدين للثورة السورية، بل وغيورين عليها..
لاتضعُ هذه الطريقة في التفكير، وأصحابُها، الأمور في نصابها الحضاري والثقافي والسياسي الكبير، ولا يحاول أهلُها التفكير بإمكانية استفادة الشعوب من تجارب التاريخ، كما سنحاول أن نفعل فيما يلي.
ومدخلُ الكلام هنا، في الحقيقة، موجهٌ للشعب السعودي والقطري والإماراتي وشعوب الخليج بأسرها. فبعيداً عن أي مديحٍ مُبتذل لايليق بالمقام، ولا بمن ينتسب لثورة سوريا وقِيمِها، ما من شعوب، في بلاد العرب والمسلمين قاطبةً، تُبدي مقادير من الشهامة والمروءة والغيرة والإحساس، وتعيش همﱠ السوريين بصدقٍ نادر، وتحاول تقديم كل عونٍ ممكن، كما هو حال أهلنا في الخليج.
هذا وصفٌ تُثبته الوقائع والأرقام والمعلومات بطريقةٍ لاتقبل الجدل والتشكيك، خاصةً لمن هم أقربُ لكل ماله علاقةٌ بالمشاريع الفردية والجماعية والشعبية والرسمية، المُعبِّرة عملياً عن المشاعر التي نتكلم عنها.. وثمة جميلٌ في عُنق الشعب السوري، إنسانيٌ وروحي وثقافي، بعيداً عن السياسة وحساباتها، سيتعبُ السوريون في محاولتهم ردﱠ شيءٍ منه في المستقبل.
ومرةً أخرى، ظهر ما نتحدثُ عنه خلال الأيام الماضية، على شكل خطب ومقالات وتصريحات وبيانات فردية وجماعية، تصب بقوةٍ في إطار الحث على تقديم كل أنواع الدعم للسوريين، مرتبطاً هذه المرة بالغزو الروسي لسوريا.
لكننا نريد سوياً، كسوريين وخليجيين، أن نعمل بكل ما أوتينا من حكمة الآن، لنُحقق الهدف المذكور أعلاه: أن تُهزم روسيا في سوريا، بشكلٍ، ليس كثيراً على الله والتاريخ، أن يكون سبباً في سقوط بوتين ونظامه، تماماً كما كانت الهزيمة في أفغانستان من أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي بأسره.
غير أن هذا يجب أن يحصل بدراسةٍ وتخطيط وتوازنات تليقُ، من ناحية، بشعوب تعرف كيف تتعلم من دروسها على طريق تحقيق (مقاصدها) الكبرى حضارياً وشرعياً.. وتَحفظُ، من ناحيةٍ أخرى، ليس فقط استقرار سوريا بعد تحريرها، بل، واستقرار دول الخليج، وتحفظ أمنها في جميع المجالات.
بصراحة ووضوح، يجب في هذا المقام تحديد ما تحتاج إليه سوريا لتحقيق ذلك الهدف، وما لا تحتاجُ إليه.. وأن يحصلَ هذا بحسابات لاتُزعزع، في نفس الوقت، لاحاضراً ولامُستقبلاً، السلم الأهلي والأمن والاستقرار، في مجتمعات الخليج.
في هذا الإطار، أولاً وقبل كل شيء، لاتحتاج سوريا إلى مقاتلين.. وقد أثبت رجالهُا أن باستطاعتهم، بشيءٍ من الدعم، قهر النظام ثم ميليشيات مايُسمى (حزب الله) ثم الإيرانيين! والاضطرارُ إلى قدوم الروس، في الحقيقة، يُصدﱢقُ هذه الحقيقة بحسابات إستراتيجية، بعيداً عن التفكير البسيط في هذا الموضوع.
لاحاجة لسوريا أيضاً بأن تُعرض قضيتها، لا على الخليجيين ولا على العرب والمسلمين، بمدخل (الملاحم والفتن) ونهاية الدنيا.. فهذا يمكن أن يُحدِث، ولو عن غير قصد، خلطٌاً ليس في مصلحة الشعب السوري وثورته.. ويمكن أن يكون فيه تعسفٌ، وأحياناً، تناقضٌ بين الروايات والواقع، بطريقةٍ لاتنسجم ابتداءً مع منهجٍ إسلاميٍ أصيل، يتحرى الدقة والأمانة و(الوسطية) في التعامل مع مثل هذه القضايا المتعلقة بحاضر الشعوب ومستقبلها.
نَفهم تماماً، ونُقدر، التفاعل الذي نشعر، كسوريين، بحرارة صدقه مع الثورة السورية، ونُؤمن بأنها ستكون تمهيداً لتغييرٍ حضاري كبير.. لكن ثمة طريقةً في (استعجال) الملاحم والفتن ونهاية الدنيا لاتصلح مدخلاً للتعامل مع الموضوع السوري.. فهي، حين تكون مُلتبسةً بالتعسف والتناقضات، لن تترك فسحةً للعقل والفهم والتخطيط، والتعامل مع التعقيد الكبير المحيط بالثورة السورية.. بل ستنقلبُ سبباً لذبحها بالفوضى والخلاف والاستعجال.. ناهيك عن أن تترك مجالاً لإعمار الأرض والحكم الرشيد فيها بغض النظر عن التسميات.
كيف تُدعمُ الثورة السورية إذاً؟ حسناً.. بوضوح وشفافية، ثمة ساحةٌ أساسية تتعلق بالعمل العسكري ومتطلباته، يجري العمل عليها على مستوى الدول والحكومات. نذكر هذا لئلا نتهرب من أي موضوع.
لكن ثمة ألف طريقة وطريقة أخرى، تتطلب دعم شعوب الخليج، يعمل من خلالها سوريون في مشاريع حساسة بلغة العصر، توحيداً لصفوفهم.. وحشداً إعلامياً ودبلوماسياً عالمياً ضد الغزو الروسي، من مخاطبة الروس في عقر دارهم، إلى خلق زخمٍ إعلامي وحقوقي عالميٍ ضد غزوهم الواضح.. وهذا أمرٌ لم يكن ممكناً، لهذه الدرجة، قبل الغزو، في التقاليد العالمية.. إلى غيرها من مشاريع عديدة.
خلاصة الموضوع تتمثل في أن نتعلم دروس التجارب الماضية ونتجنب سلبياتها، على سوريا وشقيقاتها.. وأن نعمل، من جانبٍ آخر، بطرق خلاقة ومُبتكرةٍ للمساهمة في تحقيق الهدف المُشترك، وهذا نشاطٌ يحصل الآن بكثافة، ولن يعدم المُهتمون أساليب الوصول إليه وإلى أصحابه للمساهمة فيه.
رمضان.. الصمت الذي يروي القلب
يطل رمضان بهدوئه الخاص، وكأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحنا فرصة للنظر داخل أنفسنا، والاستماع إلى أصوات قلوبنا. الصيام... اقرأ المزيد
102
| 20 فبراير 2026
نحو بيئة داعمة للذكاء الاجتماعي المبكر
يُعد الذكاء الاجتماعي إحدى الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل المتكاملة، خاصة في الصفوف الأولى من التعليم، حيث... اقرأ المزيد
54
| 20 فبراير 2026
تحديات الحضانة
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ... اقرأ المزيد
48
| 20 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6537
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
972
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
795
| 18 فبراير 2026