رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

543

د. جاسم الجزاع

كيف نتعامل مع أخطاء العلماء والمثقفين؟

12 مارس 2025 , 02:00ص

يروى في التاريخ أن الحسن البصري أفتى يومًا فتوى، فخالفه ابن سيرين، فردّ عليه ببيانٍ جليّ، وحجةٍ قوية. فما كان من الحسن إلا أن أطرق رأسه، ثم قال:

"كلنا خطّاء، وخير الخطّائين من أناب للحقّ وأذعن للصواب".

فلم يرَ في الردّ غضاضة، ولا في النقد مهانة، بل علم أن العالم يؤخذ منه ويُردّ عليه، وأن الفضل لا يُمحى بزلة، ولا العلم يُنسف بهفوة.

نجد في كل عصر، أن العلماء والمثقفين لا يزالون بمثابة منارات تضيء الطريق أمام مجتمعاتهم، حاملين شعلة الفكر والتجديد، ولكن ماذا يحدث عندما يخطئ أحدهم؟ هل يُمحى تاريخه بضربة قاضية؟ هل تُنسف جهوده كأنها لم تكن؟ نرى أن التعامل مع أخطاء العلماء والمثقفين هو في جوهره اختبار لمستوى الوعي والنضج الفكري في المجتمع.

أحبابي.. إن الخطأ طبيعة بشرية، والعصمة ليست من سمات المفكرين ولا العلماء، بل هي شأن إلهي خالص يهبه لأنبيائه. ومع ذلك، نرى اليوم من يتعامل مع زلات العلماء وكأنها جريمة لا تُغتفر، فيمارس محاكمات علنية قاسية، تُجرد صاحبها من كل منجزاته السابقة، كأن تاريخه الفكري والعلمي كان وهماً لا حقيقة له وصرحا من خيال قد هوى، فإن هذا اللون من التفكير قائم على رؤية نقدية أحادية وحادة، لا تعترف بالتطور والنمو، بل تحاكم الإنسان بلحظة واحدة من حياته.

فالنقد الموضوعي البنَّاء شيء، والهدم المتعمد شيء آخر، ونقد العالم والمثقف أمر مشروع، بل ضروري، فهو جزء من ديناميكية الفكر وتطوره وتحسينه، لكن يجب أن يتم ذلك في إطاره الصحيح، بعيداً عن التهجم الشخصي أو النوايا المغرضة والطعن في الذوات، فاحترام الشخص لا يعني أبداً تبني كل آرائه، كما أن مخالفة الرأي لا تعني الطعن في الشخص ذاته. يمكن أن نخالف عالماً أو مفكراً في مسألة ما، ومع ذلك نظل نُقدر إسهاماته ونحفظ له مقامه العلمي.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين النقد البناء والتشهير، فالأول يستهدف تصحيح الفكرة، والثاني يستهدف إلغاء الإنسان ذاته، والشعوب التي تتقدم هي التي تُدرك هذا الفارق بوضوح، فتتعامل مع الفكر كحقل للنقاش والجدل، لا كحلبة للصراع والإقصاء.

وعلى جانب آخر فالانحياز المطلق، سواء كان للعلماء والمثقفين وادعاء عصمتهم والتطبيل لهم، هو مظهر من مظاهر ضيق الأفق والجهل المريع، فكما أن العداء المطلق للعلماء خطأ، فإن تقديسهم واعتبارهم فوق النقد خطأ لا يقل فداحة، والمطلوب هو موقف متزن، يعترف بفضل المبدعين من العلماء والمثقفين لكنه لا يُنزههم عن الخطأ، فيحترم الأشخاص لكنه لا يُلزم نفسه بتبني آرائهم دون تمحيص.

وفي النهاية، يجب أن نعي أن التراث العلمي والفكري هو بناء تراكمي، وكل عالم أو مفكر يضيف لبنة في هذا البناء، فإن أخطأ، نبهناه، وإن أصاب، شكرناه، لكن لا ينبغي أن يكون الخطأ معول هدم يهدم كل شيء، فالعبرة ليست في السقوط، بل في القدرة على النهوض، ولعلنا حين نُدرك ذلك نصبح مجتمعاً أكثر إنصافاً ونضجاً، وأكثر قدرة على احتضان الفكر بكل ألوانه.

مساحة إعلانية