رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

126

موزا محمد الكواري

لقد مررنا من هنا

20 مارس 2026 , 04:45ص

ليست كل المحطات في حياتنا صالحة للبقاء، لكنّها جميعًا صالحة للتعلّم.

نمرّ من الطرق الوعرة كما نمرّ من الطرق المعبّدة، نخطئ ونصيب، نُخذل وننهض، ثم نلتفت خلفنا فنهمس بهدوء: لقد مررنا من هنا… ولم نعد كما كنّا.

التجارب لا تأتي لتكسرنا، بل لتعيد تشكيلنا.

هي ليست اختبارات عابرة، بل مختبرات لصناعة الوعي. في كل تجربة صعبة، هناك طبقة من النضج تُضاف، وحدسٌ يتقوّى، وبصيرةٌ تتسع. الألم لا يكون دائمًا عقوبة، بل قد يكون تمرينًا قاسيًا على إدراك حدودنا، وعلى إعادة تعريف ذواتنا بعيدًا عن الصور التي رسمها الآخرون لنا.

ولعلّ أكثر ما يُرهق الإنسان ليس فشل تجربة، بل بقاؤه في علاقة تستنزفه باسم الوفاء. العلاقات السامّة لا تبدأ صريحة؛ تبدأ غالبًا بلطفٍ زائد، أو تعلّقٍ مربك، أو وعودٍ لا تجد طريقها إلى الفعل. ومع الوقت، يتحوّل الاحتواء إلى تحكّم، والدعم إلى تقليل، والحب إلى عبءٍ نفسيٍّ يلتهم الثقة والسكينة.

التحرّر من علاقة سامة ليس تمرّدًا على أحد، بل هو عودة إلى الذات. هو قرار ناضج بأن كرامتنا ليست قابلة للتفاوض، وأن سلامنا الداخلي ليس مساحة مفتوحة للاستنزاف. أحيانًا يكون الرحيل هو أعلى درجات الاحترام للنفس، وأصدق أشكال الشجاعة.

لسنا مطالبين بحمل ما يؤذينا كي نُثبت أننا أوفياء.

النضج الحقيقي أن نفرّق بين الصبر الذي يبني، والصبر الذي يهدم. بين التسامح الذي يطهّر القلب، والتنازل الذي يُضعف الروح. فالعلاقات الصحية تُنمّي، تُطمئن، تُعزّز الإحساس بالقيمة. أمّا غير ذلك، فمهما طال بقاؤه في حياتنا، فهو مرحلة… ولسنا مرحلة في حياة أحد.

حين نقول: لقد مررنا من هنا، فنحن لا نعلن انتصارًا صاخبًا، بل نعلن اعترافًا هادئًا بأننا تعلّمنا.

تعلّمنا أن لا نُسلّم قلوبنا بلا وعي، وأن لا نمنح ثقتنا بلا حدود، وأن لا نُساوم على ذواتنا مهما كانت المبررات. تعلّمنا أن كل تجربة — حتى المؤلمة منها — كانت تُعدّنا لنسخةٍ أصلب، أصفى، وأكثر اتزانًا.

إن الحياة لا تُقاس بعدد العلاقات التي نحتفظ بها، بل بنوعية الأثر الذي تتركه فينا. ولا تُقاس بعدد العثرات، بل بقدرتنا على تحويلها إلى دروس. فالقوة ليست غياب الألم، بل القدرة على تجاوزه دون أن نفقد إنسانيتنا.

لقد مررنا من هنا…

مررنا بخيباتٍ ظنناها النهاية، فإذا بها بداياتٌ أكثر وعيًا.

مررنا بأشخاصٍ ظنناهم قدرًا، فإذا بهم كانوا درسًا.

مررنا بتجاربٍ أثقلت أرواحنا، فإذا بها تُقوّي جذورنا.

وفي النهاية، يبقى الإنسان الحقيقي هو من يخرج من كل محطة أكثر فهمًا لذاته، أكثر اختيارًا لعلاقاته، وأكثر حرصًا على سلامه الداخلي.

فليس العيب أن نتعثّر، بل أن نبقى في المكان الذي أسقطنا، وكأننا لم نتعلّم شيئًا.

نعم… لقد مررنا من هنا،

لكننا لم نخرج كما دخلنا،

خرجنا أكثر حكمة، وأشدّ ثباتًا، وأعمق يقينًا بأن كل ما يعبر حياتنا، إنما يمرّ ليترك فينا أثرًا… لا ليبقى إلى الأبد.

مساحة إعلانية