رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

822

عصام بيومي

جمارك ترامب ونهاية «دولة الرفاه»

12 أبريل 2025 , 02:22ص

في بعض أدبيات العلوم السياسية يقولون إن كل رئيس عظيم (أمريكي طبعا) يجب أن تكون له حرب. أي أنه لكي يكون الرئيس عظيما يجب أن يقود بلاده في حرب. وحديثا، لم يعد مهما نوع الحرب، إذ لا يجب بالضرورة أن تكون عسكرية. قد تكون بيولوجية مثل «كورونا» أو اقتصادية مثل «الجمارك». وبالطبع تفسر هذه المقولة، العقلية التي تحكم المناخ السياسي الأمريكي، القائم أساسا على تقديم التصنيع العسكري والحشد المسلح بلا توقف.

أسوق هذه المقدمة لأن كثيرين لا ينتبهون إلى أن جمارك ترامب هي حرب شاملة على البشر بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، وأنها لا تختلف كثيرا عن حرب الإبادة في غزة، وأن هذه وتلك مجرد معارك في حرب أشمل لا تتوقف رحاها يوما واحدا لإحكام السيطرة على العالم. وكنت تناولت هذا المعنى في مقالين أولهما بعنوان «الحرب العالمية الأبدية» بتاريخ 30 يناير 2024، والثاني بعنوان «حرب البعض ضد الكل، لا تستثني منكم أحدا» بتاريخ 17 سبتمبر 2024. وسواء كانت الإبادة بالقتل والتدمير في غزة ولبنان وسوريا واليمن، وغيرها، أو بالإفقار والتجويع والتشريد المنظم في كل مكان آخر تقريبا، فالهدف واحد وهو إنهاء عولمة التعاون الدولي وتحويلها إلى عولمة الهيمنة التامة والسيطرة الكاملة على مقدرات الشعوب.

ونبقى مع معركة جمارك ترامب لنلاحظ أن الرواية السائدة الآن في معظم الدول منذ بدأ سياسته تلك تلعب على نغمة واحدة هي خفض وتقليص دولة الرفاه الكينزية، (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينيز- وهو اقترح في ثلاثينيات القرن الماضي، خلال فترة الكساد الكبير، تدخل الدولة لمساعدة شرائح المجتمع الفقيرة بمساعدات منتظمة مالية وعينية لتنشيط الاقتصاد، ثم سادت تلك الفكرة عقب الحرب العالمية الثانية). ويعني زوال دولة الرفاه تلك زيادة الضرائب وتقليص المعاشات وخفض المساعدات الإنسانية والاجتماعية للمعاقين ومحدودي الدخل، وعودة مجتمع الأسياد والرعاع. وفي الوقت نفسه يرتفع شعار واحد هو تعزيز الدفاع والاستعداد للحرب (العسكرية).

وقد أصبح العالم فعليا فوق سطح صفيح ساخن، منذ أطلق الرئيس الأمريكي حربه تلك غير المدروسة وغير المنظمة جيدا. والدليل أن الجميع يرفضها حتى أن مجلس الشيوخ صوت تصويتا تاريخيا لتجاوز صلاحيات الرئيس وأوقف جماركه بشأن كندا، وسط معارضة متصاعدة لسياسة ترامب في الكونجرس. وبدليل آخر هو خروج الشعب الأمريكي في تظاهرات غير مسبوقة في كل الولايات الخمسين رفضا لها. وبات الكل في حالة تأهب لحرب تجارية أو ربما حتى عسكرية. ففي جميع أنحاء أوروبا تقريباً تتصاعد الدعوات لزيادة الإنفاق العسكري وإعادة التسلح. واقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، «خطة إعادة تسليح لأوروبا» تهدف إلى جمع ما يصل إلى 800 مليار يورو أو نحو ترليون دولار.

والخطورة الحقيقية بالنسبة لنا نحن الشعوب هي أن هؤلاء السياسيين الأمريكيين أو نظراءهم في أوروبا وغيرها، يريدون تمويل تلك الحروب من جيوب الشعوب. فهذه برونوين مادوكس، مديرة مركز «تشاتام هاوس» البريطاني للأبحاث، تزعم في مقال بالفاينانشيال تايمز في فبراير الماضي وعقب مؤتمر ميونيخ الأمني، أن الإنفاق على الدفاع هو «أعظم منفعة عامة على الإطلاق»، لأنه ضروري لحماية «الديمقراطية». وتدعو المسؤولين السياسيين، بلا حياء ولا شفقة، لتمويل ذلك عبر خفض إعانات المرض، والمعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، وإقناع الناخبين بالتنازل عن بعض حقوقهم الاجتماعية، أي الهدم الكامل لدولة الرفاه. من جانبه يقول مارتن وولف، الخبير الاقتصادي، وفي الصحيفة ذاتها، أنه لتمويل الإنفاق الدفاعي فلا بد من رفع الضرائب، التي تعني مزيدا من الأعباء على المواطن في كل مكان. وكان من نتائج ذلك التحريض أن أعلنت وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز، استقطاعات كبيرة من ميزانية المساعدات الاجتماعية، وخفض الإنفاق على إعانات الأطفال ومخصصات الشتاء لكبار السن وإعانات الإعاقة، لتوجيه الفائض للاستثمار في قطاع الدفاع.

وفي كندا لا يتوقف الحديث منذ سنوات عن ضرورة خفض الإنفاق الاجتماعي، وخصوصا ميزانية المساعدات الاجتماعية، حتى بعيدا عن أحاديث الحرب. أما في الولايات المتحدة فحدث ولا حرج. فقد عمدت إدارة ترامب فعليا إلى تسريح آلاف من موظفي وكالة المساعدات الاجتماعية قاصدة تقليص حجم الخدمات المقدمة لمحدودي الدخل والمعاقين، وسط حالة من الغضب والاستياء العام.

غير أن هذه السياسات المثيرة للشك والريبة في نوايا أولئك المسؤولين تدعو للتساؤل عن المستفيد من هذه الحروب المفتعلة. وبلا عناء سنجد أنه يأتي في صدارة المستفيدين، جميع الشركات الكبرى التي ستستفيد بالقطع من زيادة الأسعار التي ستتسبب فيها الجمارك. ومن ذلك قطاعات الصناعات التحويلية، ومنها المصانع المحلية الكبيرة والمجموعات الصناعية التي طالبت بإجراءات حمائية. وبحسب موقع مراقبة السوق (Market Watch) أعلنت شركات تعدين عدة منها «U.S. Steel» و»Nucor Corporation» عن زيادة أرباحها بعد تطبيق الرسوم الجديدة.

*القصة وما فيها أن عقيدة أصحاب رأس المال هي أن كل المال في العالم هو من حقهم وحدهم وأنه حان الوقت لجمعه ووقف صرفه عن كل من يرون أنه لا يستحق. وهذه بحد ذاتها ترينا كيف يمكن أن يكون شكل الحياة تحت حكومة عالمية يتزعمها هؤلاء؛ لا شك أن «عالم أورويل» سيكون جنة مقارنة بها.

اقرأ المزيد

مضيق هرمز ليس ورقة للمساومة مضيق هرمز ليس ورقة للمساومة

تشكل الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على ممتلكات الدول الشقيقة، وآخرها الهجوم الذي استهدف الناقلة الإماراتية التابعة لشركة «أدنوك»... اقرأ المزيد

120

| 09 أغسطس 2026

مشهد من مُجمّع تجاري مشهد من مُجمّع تجاري

يوم الأربعاء الماضي قررت أن أخرج مع شقيقاتي للتبضع من أحد المولات الكبيرة والجميلة المنتشرة في بلادنا وبالفعل... اقرأ المزيد

252

| 08 أغسطس 2026

قمة مكة.. والبعد الإقليمي في الردع قمة مكة.. والبعد الإقليمي في الردع

مع اجتماع القمة الثلاثية قمة مكة التي جمعت بين ولي العهد السعودي ورئيس تركيا رجب طيب أردوغان ورئيس... اقرأ المزيد

126

| 08 أغسطس 2026

مساحة إعلانية