رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا العنوان اختارته إحدى الصحف التونسية الأسبوع الماضي على صفحتها الأولى لتستعرض حادثة أليمة تمثلت في استشهاد رجلين من القوات المسلحة في محافظة القصرين وعلى طريق مدينة آهلة بالسكان تحاذي جبل الشعانبي لتمر عبر القرى القريبة منه. ولذلك جاءت صرخة العنوان مدوية ونتيجة صدمة قاسية لعل سببها الطبيعة الوديعة المسالمة للمواطن التونسي عادة وندرة استعمال العنف لديه تاريخيا واجتماعيا وسياسيا. لكن مظاهر انتشار بعض مكامن الإرهاب المسلح منذ سنوات قليلة في منطقة المغرب الإسلامي وعلى حدوده الصحراوية جاءت لتؤكد أن تونس ليست أبدا في مأمن أمين من الهزات العنيفة التي تعصف بالعالم العربي والإسلامي والتي تحركها صراعات الأمم الكبرى من أجل حماية مصالحها الحيوية بوسائل تغذية وإذكاء نزعات الهوية والطائفية والأيديولوجية حتى يتحول صراع الأمم الكبرى إلى صدامات بين العرب والمسلمين يؤدي إلى شرذمة دولنا وتقسيم الموحد منها والزيادة في تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ كما يحدث في العراق ولبنان وفلسطين والسودان ويهدد سوريا ويمتد ليطال تركيا وإيران وباكستان والقوقاز. تونس كسائر الجسد العربي تتداعى أعضاؤها بالسهر والحمى بفضل لقاح وسائل الإعلام والاتصال اليومي التي تيسر تواصل شبابها بالعالم وتفاعله مع أزمات أمنية طارئة أنتجتها التحولات العميقة المسماة بالربيع العربي.
وإذا أقررنا بأن ظاهرة الإرهاب عالمية وبأن جانبها العنيف ارتبط بالعالم الإسلامي فإن وصولها إلى تونس منذ سنوات جاء كردة فعل تكاد تكون طبيعية ومتوقعة ضد عقود من تغييب الهوية وطمس الذات الإسلامية وتعويض نواميس المجتمع التونسي المسلم بقوانين استوردتها حكومات مفروضة بالقهر من أعتى المجتمعات الأوروبية انسلاخا عن الأخلاق والقيم يجوز فيها الإجهاض ولا رادع له بالقانون، تتساوى في ذلك المرأة المحصنة أو العزباء وفيها أيضا يباح الزواج المثلي باسم الحريات الشخصية مما أصاب بلادنا بسبب قربها من أوروبا بما يشبه العدوى وفي بلادنا كان أحرى بنا أن نجتهد في ملاءمة قانون الأحوال الشخصية مع واقع مجتمعنا ومقتضيات المصلحة الأسرية في بعض الشؤون، كألا يجبر الرجل على طلاق زوجته العاقر لكي يتزوج بثانية فتحرم العاقر من الأمومة التي تتاح لها بزواج زوجها من امرأة ولادة ويرمي بها للدعارة وللشارع، بينما كان الأفضل أن تظل في بيتها محترمة وتربي أولاد الثانية كما عشنا وشهدنا في طفولتنا. وفي الأسرة التونسية يتم تدريجيا تعويض المودة والرحمة بالمحكمة والمحامي. ولا يخفى أن بلادنا من أكثر بلاد العالم في عدد حالات الطلاق والأمراض النفسية وتعاطي المخدرات وتفشي العنف اللفظي والمادي وأن القوانين كائنات حية يجب أن تتطور مع تطور المجتمع، لا أن تحنط وترفع حولها شعارات (الخط الأحمر) كأنها كتاب منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهي صفة لا يتمتع بها سوى القرآن ولا تنطبق على أي قانون وضعي سنه بشر كعامة البشر ولا بد من تلاؤمه مع المتغيرات وعلى ضوء نتائجه ومضاعفاته باستمرار. وقد صادف أن استقبلني مرة رجل نافذ في حكومة تونسية فسألته: "إني سمعتك تقول بأن قانون الأحوال الشخصية خط أحمر فهل قرأت الفصول التي أضيفت منذ 1992 لمجرد الديماغوجيا وجلب زغاريد بعض المطبلات والمطبلين المنسلخات والمنسلخين؟ فقال لي: لا لم أقرأها"، وأنا كنت على يقين أنه لم يدرك بأن قانون 1956 الذي شارك في وضعه بورقيبة والشيخ جعيط وأحمد المستيري والذي كان يهدف إلى حماية الأسرة والمرأة ليس هو الذي أضيفت إليه منذ زواج الرئيس السابق بن علي بزوجته الثانية فصول عديدة قلصت دور الأب ورسالته وقزمت مكانة الرجل، بل جعلته يطرد من بيته وينال احتقار أولاده بدعوى المساواة، بينما لكل من المرأة والرجل خصائص وطباع وبيولوجيا حددها الله سبحانه دون تمييز هذا عن تلك... إننا نلاحظ من خلال الحركات السلفية وانتشار الحجاب وامتلاء المساجد وعودة الوعي الديني والواعز الأخلاقي رفضا للقلب الاصطناعي المزروع زرعا في الجسد المسلم كما لفظت الأجساد القلوب المزروعة على أيدي الطبيب كرستيان برنار في جنوب إفريقيا في ديسمبر 1963 وهو ما يطرح قضية طالما انشغلت بها تتعلق بالحداثة الأصيلة كاليابان والحداثة اللقيطة كبعض البلاد المسلمة التي نزعت أصولها وثوابتها لتلبس خرقا ثقافية واجتماعية مرقعة مجلوبة من الغرب المتعصب العنصري وقد بدأت نخبه هو ذاته ترفضها وتلفظها لفظ النواة. هل يشك أحد منا أن اليابان بلغ قمة التقدم والتكنولوجيا وأصبح المنافس الأخطر للغرب دون أن يتخلى عن هويته وثوابت حضارته؟ فادخل يا قارئي الكريم إلى بيت ياباني عادي وسوف تنبهر بالتقاليد الأصيلة لشعب عريق يحترم فيه رب البيت ويحافظ على تربية أجياله على قيم منغرسة في أعمق أعماق تاريخه. ثم هو مجتمع حافظ على لغته ومقومات ثقافته، فلم يلثغ مثلنا بلهجات مرقعة غلبت عليها لغة مستعمرنا القديم وبالطبع عاداته ولباسه وأخلاقه، كما قال العلامة ابن خلدون في تحليل علاقة المغلوب بالغالب.
خلاصة رأيي أن ما نسميه مقاومة الإرهاب يجب أن يكون مشروع حضارة تسترجع عافيتها لا مجرد قرع طبول مع أننا ندعو للوسطية والاعتدال ونبذ العنف، فلا يجوز لأي جماعة أن تكفر المجتمع، بل الغاية أن ندعو جميعا للإصلاح بالتدبر الحكيم وغير المنحاز في شؤوننا بداية من التربية والتعليم لإعادة الاعتبار للتعايش في كنف الاحترام وإنتاج مواطنين لا صناعة مستهلكين وتونس قادرة على تجاوز المحن العابرة وأثبتت عبقريتها منذ الأزمنة الغابرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
4449
| 23 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
891
| 18 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن وشهر الصيام، فقد نزل القرآن الكريم في رمضان. قال تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان] [البقرة: 185] ارتباط نزول هذا الكتاب الكريم في هذا الشهر المبارك يجعل المسلم يشعر بقدسية هذه الأيام، فيبالغ في اهتمامه وتعهد القرآن في رمضان بشكل مميز، ويكون حاله أفضل مما هو عليه في سائر أوقاته. فيُقبل على كتاب ربه يقرأه بشغف ولهفة، يتدبر الآيات ليتعلم الأحكام، ويأخذ العِبر، ويسعد بالمبشرات من ربه، فيسعى لنيل الدرجات، بل ويطمع فيما هو أعظم من ذلك: الفوز بشفاعة القرآن والصيام معًا، وذلك هو الفوز العظيم. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ.» (صححه الألباني). فالقرآن الكريم نزل ليكون زادًا للقلوب ومنهجًا تربويًا متكاملًا يهذب عقولنا ويربي أنفسنا على الطاعة، فتستقيم به أخلاقنا وطباعنا. في القرآن مدرسة للأحكام، والأوامر، والنواهي، والقصص، والعبر، والحِكم الإلهية التي يتربى بها المسلم على الإيمان بالله واليقين في كل ما قدر وقضى علينا من الأمور. يعلمنا القرآن الخشية والانضباط، ومراقبة الله في السر والعلن، وكلما اقترب المسلم من القرآن ازداد وعيًا وحكمة، وتوطدت علاقته بربه وبمن حوله. كما أن القرآن هداية حقيقية للمسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فهو يوجه السلوك، ويقوّم الاعوجاج، ويضع للإنسان ميزانًا أخلاقيًا واضحًا في كل شؤون حياته. ومن جميل ما قيل عن القرآن: هو الزادُ إنْ ضلَّتْ خطانا في المدى وبه القلوبُ عن الضلالِ تُصانُ وأعظم ما نحتاج إليه اليوم هو التمسك بالقرآن، لنلمس أثره في التربية والسلوك داخل بيوتنا وخارجها، حتى نشعر بأن القرآن هو زاد لقلوبنا ونبراس لعقولنا وأساس بناء المسلم الصالح والمجتمع الفاضل.
678
| 20 فبراير 2026