رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إلى أي حد يعتمد الإنسان العادي على "الذكاء" لتحقيق ما يريده من الأهداف؟ إن عددا كبيراً من رجال الأعمال يؤمنون بأن الصناعة والتجارة تحتاجان - مع الجرأة والنشاط واليقظة - إلى قدر من الذكاء يعكسه تفكير هادئ، وبصيرة نافذة، وقدرة على حل المشكلات.
وقد عرَّفَ بعض علماء النفس الذكاء بأنه القدرة على كشف صفات الأشياء وعلاقة بعضها ببعض، حتى إذا وُجدت مشكلة أمكن إيجاد الحلول المناسبة لها، أو بعبارة أخرى أن الذكاء هو القدرة على التفكير الإنشائي بغية تحقيق غرض ما. فالشخص الذكي هو الشخص الذي يستطيع إذا واجه مشكلة ما أن يدرك صفاتها وخواصها ويأتي بالأفكار الملائمة لحلها.
والواقع أن كل قدرة من قدراتنا المعرفية تتضمن – أولا - عاملا عاما في جميع قدراتنا، وتتضمن- ثانيا - عاملا خاصا ينصرف إلى القدرة المعروضة على بساط البحث. وهذه النظرية تذهب أيضا إلى أنه رغم أن كلا العاملين يدخلان في كل قدرة معرفية، فإن تأثير كل منهما – وقد أمكن قياسه - ليس واحدا في جميع الحالات: فالعامل العام يؤثر تأثيرا عظيما في حالة النبوغ في الدراسات القديمة مثلا عنه في حالات أخرى، كالنبوغ في الموسيقى.
ويرى "سيرمان" – وهو من أشهر علماء النفس المهتمين بدراسة الذكاء - أن الذكاء يتطلب:
1- قدرة الإنسان على ملاحظة عملياته العقلية الخاصة.
2- قدرة الإنسان على استنتاج المتعلقات.
والقدرة الأولى هي مجرد صورة خاصة من صور القدرة الثانية، لأن الملاحظة القائمة على الذكاء لعمليات الإنسان العقلية الخاصة به، هي في الواقع إدراك للعلاقة بينها، وهي لا تحتاج إلى أكثر من تطبيق القدرة الثانية على الحقائق المشاهدة.
وعلى ذلك، فإن الاختلاف بين الشخص الغبي والشخص الذكي هو اختلاف بين شخصين يدرك أحدهما العلاقات الصحيحة، في حين أن الآخر لا يدرك هذه العلاقات، برغم أنهما يتمتعان بخبرة متساوية، وهدفهما واحد، وينطبق ذلك أيضا على فهمنا للأشخاص وتعاملنا معهم، إذ يصبح الاختلاف في الذكاء اختلافا في القدرة على التفكير في العلاقات، والحكم عليها حكما سديدا. أما الشخص الذي لا يقارن بعض ملاحظاته ببعض، أو لا تثير فيه هذه المقارنة ملاحظات جديدة، فإنه يُعد شخصا ناقصا في التفكير والسلوك الإنسانيين.
ومن علماء النفس من يُعرِّف الذكاء بأنه القدرة على إدراك الترابط والتلازم Association بين الأشياء، وأن الأفراد يختلفون في الذكاء بقدر اختلافهم في القدرة التي تستطيع عقولهم أن تمارس بها هذا الإدراك.
ومن هنا لابد من التمييز بين القدرات الترابطية والقدرات العليا للتفكير القائم على الاختبار، وإدراك العلاقات، والتجريد والتعميم، والتنظيم.
وهناك من يرون أن الذكاء هو كل سلوك شعوري يمكن أن ينقسم إلى خطوات متتابعة في الشعور تعمل بدافع من مؤثرات مناسبة ومتتابعة، وهو يرى أن الذكاء باعتباره صفة عقلية إنما هو القدرة على تجميع المؤثرات، في مرحلة تكوينها المبكرة، في بؤرة الشعور، ومن ثم، فإن الأفراد يختلفون في ذكائهم باختلاف السرعة التي يشعرون بها – شعورا واضحا - بدافع ما يتطلب الإشباع: فالشخص الذي يشعر في مرحلة مبكرة شعورا كاملا بدوافعه أذكى من الشخص الذي يتأخر شعوره بها. غير أن هذا التعريف يعيبه أنه يقرر أن المؤثر الخارجي هو الذي يستثيرنا، فالذكاء ليس مجرد الشعور بالغرض، بل هو إدراك هذا الغرض واختيار أفضل الوسائل لتحقيقه.
أما "بينيه" Binet – وهو أحد كبار علماء النفس المعاصرين - فيذهب إلى أن الذكاء هو ميل المرء إلى توجيه الفكر إلى اتجاه معين، والاحتفاظ بهذا التوجيه، مع القدرة على نقد المرء نفسه، والتكيف مع ظروفه حتى يصل إلى غرضه. ومن هنا فهو يعرف الذكاء بأنه القدرة على حل المشكلات، أو بمعنى آخر القدرة على التكيف للمواقف الجديدة. غير أن هذا التعريف محل نقد أيضا، ذلك أنه يوجد عدد من القدرات قدر ما يوجد من المشكلات، وأن القدرة على حل مشكلة ما تختلف عن الذكاء، برغم أنها تتضمنه، إذ إن كل قدرة تشتمل على عوامل خاصة بها، فالقدرة على تفسير نص لموليير مثلا تختلف عن القدرة على حل مشكلة هندسية. ويمكننا من ذلك كله أن نستخلص تعريفا للذكاء بأنه القدرة على اكتشاف العلاقات الملائمة، واستنتاج المتعلقات الملائمة، فهو العامل العام الذي يدخل في جميع أنواع تفكيرنا.
إن النظرية التي تقول بأن العمليات العقلية العليا تقوم على ترابطات فسيولوجية، وبالتالي فإن الذكاء يعتمد على عدد العمليات الفسيولوجية، وليس على نوعها، بصرف النظر عن بعض الخصائص المهمة، مثل تأثر الذكاء بالقدرة التي تجعل "النيورونات"، أي الخلايا العصبية، تعمل معا متكاملة، هذه النظرية محل نقد لغموض هذه العبارة الأخيرة، بالإضافة إلى أن "ثورندايك" قد أخفق في تعريف الظواهر الفسيولوجية. على أن هذا لا يعني أن الذكاء لا يتأثر بالظروف الفسيولوجية فهناك شواهد كثيرة على العلاقة بين الجسم السليم والعقل السليم.
كما أنه لا يعني أيضا أن الذكاء ليس له مقابل أو سبب فسيولوجي، وإنما يعني أننا لم نكتشف حتى وقتنا الحاضر ما هو هذا السبب أو ذلك المقابل، ولا نعرف بالدقة ما التغيرات المخية التي ترتبط بالتغيرات النفسية؟
اختبارات الذكاء:
الاختلاف في الذكاء يرتبط بالاختلافات الموجودة في الصفات الجسمية، "فالفرينولوجيا" مثلا تنظر إلى الجمجمة على اعتبار أنها دليل على العقل، وتربط بين مختلف النتوءات وبين الخصائص العقلية المختلفة، و"الفسيوجنوميا" ترى أن ملامح الوجه تكشف عن القدرات والصفات المزاجية، و"الجرافولوجيا" تذهب إلى أن خط الإنسان يمكن أن يكشف عن صفاته العقلية.
ومعنى ذلك أنه يوجد ترابط بين القدرة العقلية من ناحية وبين خصائص الجمجمة أو الوجه أو خط الإنسان من ناحية أخرى.
وفي أواخر القرن التاسع عشر أجريت عدة محاولات لقياس الذكاء عن طريق قياس بعض الوظائف العقلية البسيطة، ولكن هذه المحاولات باءت بالإخفاق، إذ تبين أن الوظائف العقلية البسيطة لا ترتبط بالنشاط العقلي إلا ارتباطا واهيا، وبالتالي فهي لا تقدم لنا أي أساس موثوق به لقياس الذكاء.
أما اختبارات الذكاء الحديثة فهي لا تقيس الصفات الجسمانية، أو القدرات الحسية فقط، وإنما تحاول أن تقيس الذكاء مباشرة وبطريقة أصح عن ذي قبل. ونحن ندين لبرث بأنه قد بيّن نتيجة لبحوثه أن المشكلات تتضمن القدرة العامة أو الذكاء الذي يتضمن بدوره تفكيرا يقوم على إدراك العلاقات، كما وجد أن الاختبارات كلما تعقدت ارتبطت ارتباطا عاليا بالذكاء.
واختبارات الذكاء توضع بحيث تطبق على الأفراد أو الجماعات، وأحسن أنواع المقاييس "الفردية المعروفة هو المقياس الذي وضعه "بينيه" و"سيمون"، وقد نشر لأول مرة سنة 1906 ويستخدم الآن في جميع أنحاء العالم، في إحدى صوره المعدلة، خاصة في اختبار الأطفال الصغار، وفي تشخيص الضعف العقلي ومقياس بينيه المدرج- كما يسمى - هو اختبار يتكون من أسئلة وأجوبة شفوية، ففي أحد الاختبارات المناسبة لسن الثامنة مثلا، يسأل المختبِر:
ما الذي تفعله إذا كسرت شيئا لشخص آخر؟
وينبغي على الطفل أن يجيب إجابة تحتوي على التعويض أو الاعتذار أو كل منهما.
وفي أحد الاختبارات المناسبة للطفل العادي في سن العاشرة، يطلب من الطفل أن يقول ما هو خطأ في عبارة "إنني أعرف طريقا يوصل بين منزل والمدينة، وهذا الطريق أجدني أنحدر فيه باستمرار، سواء أكنت ذاهبا إلى المنزل أم المدينة".
ويحتاج تطبيق الاختبارات الفردية إلى وقت طويل، ومن الواضح أن الاختبارات التي تستطيع جماعة من المختبرين أداءها معا تكون أنسب عندما يقتضي الأمر اختبار عدد كبير من الأفراد. ومعظم الاختبارات الجماعية تطبع في كراسات يقرؤها الطالب لنفسه.
وينقسم اختبار الذكاء الجماعي إلى عدة أقسام، ويشتمل كل قسم منها على عدد كبير من المسائل المتماثلة. ومن قبيل ذلك اختبار سيبرمان، فهو مكون من سبعة أنواع من المشكلات، وهذه الأنواع تتضمن 163 مسألة، يسمح بحل كل مسألة منها في ثماني ثوان، واختبار برت المعروف بالاختبار الجماعي رقم 33. Group Test No. 33 وكذلك اختبار ترمان الجماعي وفي بعض الاختبارات الجماعية، كاختبار "تشارد" المعروف باسم Richardson's Simplex Test لا يخصص وقت معين لكل قسم من أقسامه، برغم تحديد وقت للاختبار بأكمله. وفي هذه الاختبارات، التي يطلق عليها اسم اختبارات الذكاء المتعددة الأنواع Omnibus Tests تسلسل عادة مسائل متشابهة على التوالي في مجموعات ثلاثية أو رباعية، وهذه الطريقة تضمن لنا أن يبذل جميع المختبرين غاية جهدهم لحل كل نوع من هذه المسائل في كل مجموعة، حتى ولو لم يستطيعوا في النهاية أن يجيبوا عن أكثر من نصف الاختبار في الزمن المحدد، وقد طبقت اختبارات الذكاء الجماعية لأول مرة على مدى واسع في الحرب العالمية الأولى، عندما قررت السلطات الأمريكية أن تختبر ذكاء المجندين، حتى تضع برنامجا تدريبيا خاصا لمن تكتشف فيه موهبة متميزة في الذكاء، إذ كان عدد المجندين الذين اختيروا يقارب المليونين. واليوم تستخدم الاختبارات الجماعية على نطاق واسع في بريطانيا وأمريكا وألمانيا وغيرها من البلاد، وتعددت أنواع هذه الاختبارات حتى بدأت تظهر اختبارات خاصة تلائم الأطفال الصغار.
حين يسبق التنظيمُ التطويرَ .. من يحمي مستقبل التدريب؟
في القطاعات التي تتحرك بسرعة، لا يكون التأخر مجرد بطء إداري، بل قد يتحول إلى خسارة في الكفاءات... اقرأ المزيد
276
| 28 يونيو 2026
الأمانة القيادية.. عندما تصبح المسؤولية منظومة لا منصباً
حرص ديننا الحنيف على إعداد شخصيات قيادية قادرة على تسيير شؤون الحياة والبشر وأهلاً لعمارة الأرض التي أبت... اقرأ المزيد
303
| 28 يونيو 2026
يعيشون على الهامش!
يحدث كل يوم أن يمرّ أشخاص كثيرون أمامنا من غير أن يتركوا أثرًا في انتباهنا، مع أنهم يحملون... اقرأ المزيد
87
| 28 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
5115
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
3705
| 28 يونيو 2026
انحسار النفوذ الغربي مكّن طوفان الأقصى من تسريع تشكّل النظام الدولي القادم، فبعد الف سنة من الحروب على المنطقة يتم التوقيع على مذكرة التفاهم، فالحروب لم تتوقف على المنطقة منذ الحملات الصليبية الأولى التي كانت بعد الألفية الأولى أي عام ١٠٩٦م والتي رعتها الكنيسة لانتزاع بيت المقدس والسيطرة على موارد الشرق واستمرت على مدى مائتي سنة، وما نعيشه وما عشناه خلال العقود الماضية إنما هو تجلٍّ من تجليات آخر الحروب الصليبية تحت مسميات مختلفة لكنها في صلبها واحدة، كما أن الصهيونية الإنجيلية أحد تجلياتها، فبعد تحول الغرب لمفهوم العلمانية أصبحت تلك الحملات تنعت بالاستعمار والكولونيالية، حيث جاءت الحملات الاستعمارية من البرتغال عام ١٥٠٠م، وبعدها نابليون عام ١٧٩٨م وهو اول من اقترح زراعة كيان وسط العالم العربي ضمن خطابه لليهود في ١٧٩٩، وتزامنت الحملة الفرنسية مع الحملات الكولونيالية والاستعمار البريطاني ثم تلاهم مشروع بانرمان رئيس وزراء بريطانيا لزرع كيان يفصل المشرق العربي عن المغرب العربي يدين للغرب ولا يسمح باستقرار المنطقة العربية لأنها تملك الموارد والسيطرة على المنافذ البحرية وخطوط التجارة، ورأينا كيف أن مضيق هرمز طوّع القوى الاستعمارية الكولونيالية في المنطقة، فمنذ الحملة الصليبية الأولى وحتى عام ١٩٤٨ لم تستقر المنطقة ولم تنعم بالأمن والسلم، لكن اليوم أمن وسلم المنطقة هو أساس أمن وسلم العالم والاقتصاد العالمي، تغيّرت الأحوال وأصبحت المنطقة مركز اهتمام العالم ومصدر رزقه، فبدل الاهتمام بنيويورك أصبح الاهتمام بالخليج. التوقيع على مذكرة التفاهم واستمرار التفاوض وإصرار الولايات المتحدة على المسار التفاوضي يعني إيقاف الحروب والهيمنة على المنطقة العربية والاسلامية وقبول الولايات المتحدة على الجلوس في مجلس الأمن وقبول قرار مجلس الأمن يعني قبول القانون الدولي وأن الولايات المتحدة كأي دولة أصبحت تحت القانون الدولي الذي تعاملت معه بفوقية في الماضي، حيث نمت المنطقة وتوسعت وأُنشئت اقتصادات وصناعات وصناديق سيادية ومنظومة ادارة حرصت على مصلحة شعوب المنطقة، مما جعل من المنطقة أساسًا للاقتصاد العالمي. كل كيان من كيانات سايكس وبيكو أصبح دولة مؤثرة ولها نموذجها في السياسة والدبلوماسية والوساطات، وأصبحت كل دولة تملك قاعدة صناعية يحتاجها العالم، لم تعد دويلات ضعيفة بل نمت لتكون شريكًا استراتيجيًا وحليفًا قادرًا على حل مشكلات ومعضلات دول المنطقة ودول الغرب. فمن أفغانستان إلى غزة إلى إيران لم يكن بإمكان الغرب التخارج من تلك الأزمات دون قطر، وأوروبا بدون قطر لا تستطيع الحصول على حاجتها من الطاقة والطاقة النظيفة، وبإضافة ما تقوم به المملكة والإمارات يتضح أهمية الدور العربي من مصر إلى قطر. وفي أجواء كتلك يصبح الغرب وإن واجه دولة في المنطقة مثل إيران في حاجة ماسة لدعم دول المنطقة، وعليه فإن الاكتفاء بنسج علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصادية هي السبيل لتحصيل مصالحه من دول المنطقة أصبح أمرًا واقعًا. هذه الاتفاقية ستلجم الهجمة الاستعمارية بعد أن أنهك الغرب ولم يعد قادرا على تقمص دور المهيمن في الوقت ذاته أصبحت فيه دول وشعوب المنطقة والعالم على وعي وعلم بأهمية المنطقة والحاجة لحمايتها من خلال كيانات إقليمية ودولية، فالعالم يحتاج الخليج في مأكله وصناعاته والطاقة الضرورية لحركة الاقتصاد والحياة وليس في حاجة لنيويورك. تستمر المنطقة في بناء سيادتها ومنعتها وعلى كل منعطف تزداد قوة ومنعة والاحداث الاخيرة حضّرت المصير الواحد للامة وعبثية الفردية وخطورتها على الدول والشعوب، فقدراتها تؤهلها للقيام بدور قيادي ريادي يحتاجه العالم اليوم من الاقتصاد إلى الاستثمار إلى الموارد الأولية إلى السياسة والدبلوماسية، وستصبح دول المنطقة هي الضامن للأمن والسلم العالمي والشريك المحايد لآسيا والغرب وأفريقيا.
2301
| 22 يونيو 2026