رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد أحمد غريب العبيدلي

- باحث في السياسات العامة والشؤون الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

0

محمد أحمد غريب العبيدلي

الأمانة القيادية.. عندما تصبح المسؤولية منظومة لا منصباً

28 يونيو 2026 , 11:26م

حرص ديننا الحنيف على إعداد شخصيات قيادية قادرة على تسيير شؤون الحياة والبشر وأهلاً لعمارة الأرض التي أبت الجبال العظيمة أن تحملها.

قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب: 72).

في أدبيات الإدارة الحديثة تتعدد أدوات التحليل والقياس.. ويأتي تحليل SWOT الغربي في مقدمتها بوصفه أداة لفهم مكامن القوة والضعف والفرص والتهديدات، غير أن القيادة في جوهرها لا تُقاس بالقدرات الإدارية وحدها، بل بمنظومة القيم التي تحكم تلك القدرات فكم من قائد امتلك الكفاءة وخسر الثقة، وكم من مؤسسة امتلكت الإمكانات وتعثرت بسبب غياب الأمانة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة مختلفة، يمكن تسميتها "تحليل الأمانة القيادية"؛ من المنظور الإسلامي حيث إنها لا تقوم إلا على أسس أربع لو نقص أحدها لاختلف معيار تقييم الأمور والعواقب في مختلف شؤون الحياة ومع من نتعامل معهم على سطح البسيطة.

وهو إطار يقوم على أربع ركائز متكاملة: الأمانة الربانية، والأمانة الوطنية، والأمانة المؤسسية، والأمانة الذاتية، هذه الركائز ليست شعارات أخلاقية، بل منظومة متكاملة تُبنى عليها القرارات، وتُدار بها المؤسسات وتُصنع من خلالها القيادات وأسس تمنح صاحبها قوة ومنطقا في أداء واجباته وتحقيق تطلعات من هم تحت إمرته وحمل الأمانة المعقودة برقبته إلى يوم الدين.

تبدأ الرحلة من الأمانة الربانية، وهي الأصل الذي تتفرع منه جميع صور الأمانة الأخرى فالقائد الذي يستحضر مراقبة الله تعالى يدرك أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن السلطة ليست امتيازاً شخصياً وإنما مسؤولية سيُسأل عنها قبل أن يُحاسبه الناس عليها، لذلك تصبح العدالة نهجاً والصدق سلوكاً والإخلاص في العمل عبادة فلا يغريه النفوذ ولا تدفعه أو يفتن بالمصالح، ولا تُغيّر المبادئ تقلبات الظروف، إنها أمانة تُبنى في الضمير قبل أن تُمارس في الواقع.

ثم تأتي الأمانة الوطنية، وهي الامتداد الطبيعي للأمانة الربانية فالقائد أو الموظف الحقيقي لا يرى الوطن مجرد حدود جغرافية بل يراه مسؤولية تاريخية وأخلاقية كل قرار يتخذه يجب أن يُوزن بميزان المصلحة العامة لا بميزان المنفعة الشخصية أو المكاسب الآنية، فحماية المال العام وصون مؤسسات الدولة والمحافظة على سمعتها، والعمل من أجل التنمية المستدامة، ليست واجبات وظيفية فحسب بل صور متقدمة من الوفاء للوطن والانتماء إليه وعندما تغيب هذه الأمانة، تصبح المؤسسات رهينة للمصالح الضيقة، ويضعف الشعور بالمسؤولية الوطنية مهما ارتفعت الشعارات.

أما الأمانة المؤسسية فهي التي تمنح المؤسسة استقرارها واستدامتها فالقائد لا يجعل المؤسسة تدور حول شخصه، بل يجعل نفسه يدور حول رسالة المؤسسة وأهدافها ويحافظ على مواردها كما يحافظ على ماله ويصون سمعتها كما يصون سمعته، ويُدير كوادرها بالعدل والكفاءة لا بالعلاقات الشخصية، وهو يدرك أن نجاح المؤسسة لا يقاس بما يحققه الفرد، وإنما بما يبقى من أثر بعد رحيله لذلك تصبح الحوكمة، والشفافية، والمساءلة، واحترام الأنظمة، ممارسات يومية وليست مجرد نصوص مكتوبة.

وتظل الأمانة الذاتية الركيزة الأكثر صعوبة، لأنها لا تخضع لرقابة أحد سوى ضمير الإنسان إلا أننا نرى أن النفس البشرية جبلت على حب المناصب والإمارة والتكليف لما تراه فيها من وجاهة ورياسة تعطي لصاحبها ما لا تعطيه لغيره من الأفراد، هذه المناصب التي لو تركت من غير حساب ورقابة وتقويم لخرج من بين براثنها فراعنة صغار أسوة بفرعون قوم موسى الذي قال: {أنا ربكم الأعلى} (النازعات: 24).

فهي الصدق مع النفس والقدرة على الاعتراف بالخطأ ومراجعة القرارات ومقاومة إغراءات المنصب والشهرة، قد يستطيع الإنسان أن يخدع الآخرين لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه إلى الأبد. والقائد الذي يفقد أمانته الذاتية يبدأ في تبرير أخطائه، ثم الدفاع عنها ثم تحويلها إلى ثقافة داخل المؤسسة. أما من يحافظ على هذه الأمانة، فإنه يبقى في حالة مراجعة وتطوير مستمر، ويعتبر النقد فرصة للإصلاح لا تهديداً لمكانته.

وعند التأمل في هذه الركائز الأربع، يتضح أنها ليست كيانات منفصلة بل حلقات في سلسلة واحدة. فالأمانة الربانية تصنع الضمير، والأمانة الوطنية تحدد الاتجاه، والأمانة المؤسسية تضبط الممارسة، والأمانة الذاتية تحفظ الاستمرار، وإذا اختلت إحدى هذه الحلقات اهتز البناء بأكمله مهما بلغت كفاءة القائد أو حجم المؤسسة.

ولعل أبرز ما تحتاج إليه مؤسسات اليوم ليس المزيد من اللوائح والأنظمة، وإنما المزيد من القادة الذين يحملون هذه المنظومة في وجدانهم قبل أن يمارسوها في أعمالهم، فالقوانين تستطيع أن تمنع الخطأ، لكنها لا تستطيع أن تصنع الإخلاص، والرقابة تستطيع أن تكشف التجاوز، لكنها لا تستطيع أن تزرع الضمير.

إن القيادة في حقيقتها ليست إدارة للناس بقدر ما هي إدارة للأمانة وكلما اتسعت دائرة المسؤولية، اتسعت دائرة الأمانة حتى يصبح القائد الناجح هو من يستطيع أن يوازن بين حق الربانية وحق الوطن، وحق المؤسسة وحق نفسه وعندها فقط تتحول القيادة من منصب يُشغل إلى رسالة تُؤدَّى، ومن سلطة تُمارَس إلى أمانة تُحمل.

ختاماً، حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترسيخ هذه المفاهيم والتأكيد على عدم البحث وراءها إلا لمن يستطيع تحمل تبعاتها فهي أدوار ملغومة جميلة ظاهراً في أعين العوام، عسيرة الحساب مهلكة في الآخرة لا يعي تبعات عذابها إلا من فتح الله على قلبه وعقله.

 

مساحة إعلانية