رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

354

الدكتورة حصة حامد المرواني

سوق بلا قانون

13 يناير 2026 , 12:00ص

لم تعد ظاهرة العمل دون ترخيص مجرد مخالفات فردية يمكن التغاضي عنها، بل تحولت إلى تهديد حقيقي لبنية الدولة، ولهيبتها، ولثقة المجتمع في مؤسساته. ما يُعرف شعبياً بـ (أصحاب الشنطة) ليسوا فقط خارجين عن القانون، بل هم نتاج ثقافة مجتمعية سمحت للفوضى أن تتسلل إلى المهنة، والسوق، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

التحرك الحازم الذي قامت به وزارة الصحة العامة في ضبط ممارسين غير مرخصين وإحالتهم للقضاء ليس إجراءً إدارياً، بل رسالة سيادية: لا أحد فوق القانون، ولا مهنة خارج القانون. لكنه في الوقت نفسه يضع المجتمع أمام سؤال صريح ومحرج: كيف سمحنا لهذا العبث أن ينتشر؟ ومن الذي صنع لهذا السوق غير النظامي زبائنه وشرعيته؟

الخطر الحقيقي لم يعد في وجود المخالفة، بل في تطبيعها اجتماعياً. حين يبرر الناس التعامل مع غير المرخص لأنه أرخص، أسرع، أو بدون إجراءات، فإنهم لا يبحثون عن حل، بل يشاركون فعلياً في بناء اقتصاد ظل، ومجتمع ظل، ومهنة ظل... بلا ضمانات، بلا حقوق، وبلا محاسبة. هنا لا يكون المواطن أو المستهلك متفرجاً بريئاً، بل طرفاً في الفوضى، يتصرف وكأن القوانين لا تعنيه وكأن بعض الناس أصبحوا فوق القانون.

أما قطاع التدريب والتطوير البشري، فقد تحول إلى مسرح لمدّعي الخبرة. أفراد بلا اعتماد ولا تأهيل يبيعون الوهم تحت عناوين براقة، وتُمنح لهم المنصات لأن الجمهور لا يسأل: هل أنت مرخص؟ هل أنت معتمد؟ هل ما تقدمه علم أم استعراض؟ حين يقبل الناس بذلك، فإنهم لا يُضلَّلون فقط، بل يساهمون في تدمير قيمة المهنة نفسها.

وفي قطاع التعليم، تستمر ظاهرة الدروس الخصوصية غير المرخصة ومدرسي الشنطة، ورغم أن وزارة التعليم بدأت تنظيماً جاداً، إلا أن المجتمع ما زال يتواطأ بالصمت والتعامل. حين يسلم أولياء الأمور مستقبل أبنائهم لممارسين غير مؤهلين لأنهم أقرب أو أرخص، فهم لا يخالفون نظاماً فقط، بل يفرطون في حق أبنائهم وفي مصلحة الوطن التعليمية.

 وفي قطاع التجميل، تُمارس أخطر الانتهاكات للجسد الإنساني داخل «عيادات الظل» و«كوافيرات الشنطة»، حيث تُجرى إجراءات في منازل وغرف مغلقة بلا رقابة صحية ولا مسؤولية قانونية. لكن من الذي يذهب إليهم؟ من الذي يغامر بجسده لأنه أرخص أو أسرع أو «من باب التجربة»؟ هنا لا يكون الضرر نتيجة فعل فردي، بل نتيجة قرار اجتماعي يستهين بالسلامة ويكافئ العبث.

وفي قطاع الصيانة والخدمات الفنية، تنتشر عمالة غير نظامية تُستدعى لأنها أرخص أو بدون فاتورة. النتيجة: حرائق، أعطال، خسائر، ونزاعات بلا جهة تُحاسَب. ومع كل حادثة، يتكرر السؤال: لماذا لا يوجد تنظيم؟ بينما الحقيقة أن المجتمع اختار الطريق الأسهل لا الطريق الصحيح.

أما قطاع العقار، فـ (سماسرة الشنطة) يعبثون بالسوق عبر صفقات غير موثقة، ووعود بلا ضمانات. ومع ذلك، يتعامل الناس معهم لأن الإجراءات الرسمية تأخذ وقتاً. هكذا تُبنى سوق بلا شفافية، بلا حماية، وبلا استقرار، وكأن بعض الوسطاء باتوا فوق القانون.

ما يجمع كل هذه القطاعات حقيقة واحدة: العمل دون ترخيص ليس (شطارة)، بل تقويض مباشر لهيبة الدولة، لكنه أيضاً نتيجة مسؤولية مجتمعية مهملة. المخالف لا يعيش في فراغ، بل في سوق صنعه له المجتمع بتعامله، وتبريره، وصمته، حتى بدا وكأن من يعمل بلا ترخيص يتصرف فوق القانون دون مساءلة.

القانون بلا وعي مجتمعي يبقى ناقص الأثر، كل فرد يختار التعامل مع غير المرخص لأنه أرخص أو أسرع، يشارك عملياً في تخريب النظام العام، كل من يتغاضى عن الترخيص، يتواطأ مع الفوضى.

العمل من تحت الطاولة ليس مجرد مخالفة، بل خيانة لمعنى الدولة الحديثة التي تقوم على النظام، العدالة، وحماية الإنسان. والترخيص ليس ورقة شكلية، بل عقد أخلاقي بين المهنة والوطن.

الرسالة يجب أن تكون قاطعة:

لا مهنة بلا ترخيص.

ولا سوق بلا قانون.

ولا مجتمع واعٍ يساهم في صناعة الفوضى ثم يشتكي منها.

مساحة إعلانية