رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

627

الدكتورة حصة حامد المرواني

أثرٌ بلا ضجيج.. أم ضجيجٌ بلا أثر؟

26 يناير 2026 , 01:33ص

ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل ترك أثرًا، وليس كل من صمت غاب حضوره. في الحياة، هناك من يُتقن فن الظهور، وهناك من يُتقن فن التأثير. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصدق: بعد سنوات من العمل، ماذا بقي منك؟ أثرٌ حقيقي… أم مجرد ضجيج عابر؟

كثيرون يفاخرون بعدد سنوات الخدمة، بعدد الاجتماعات، بعدد المناصب التي شغلوها، أو بعدد الصور التي التُقطت لهم في الصفوف الأولى. لكن المؤسسات لا تُبنى بالأعوام، ولا تُقاس باللقطات، ولا تُدار بالتصفيق. المؤسسات تُقاس بما تغيّر فيها لأنك كنت حاضرًا.

حين يتقدّم الصوت على الإنجاز:

في كل قطاع، وفي كل إدارة، نرى النموذجين بوضوح. هناك من يتقن فن الكلام أكثر مما يتقن فن الإنجاز، يرفع صوته في الاجتماعات، ويكثر من الوعود… لكن الواقع لا يتغير. هذا نموذج واضح لـ «ضجيج بلا أثر». وفي المقابل، هناك من لا يكثر من الظهور، لا يتصدر المنصات، لكنه أعاد بناء فريقه، طوّر آليات العمل، خفّض نسب الأخطاء، وصنع بيئة صحية للعمل، هذا هو «أثر بلا ضجيج».

الأثر الذي لا يحتاج إعلاناً:

الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان. يُرى في تحسّن الأداء، في استقرار الفريق، في نمو الكفاءات، وفي استمرار النتائج حتى بعد مغادرتك الموقع. أما الضجيج، فغالبًا ما يختفي بانطفاء الأضواء، ولا يترك خلفه سوى ملفات معلّقة ووعودًا لم تكتمل.

نماذج من الواقع الوظيفي:

في أحد القطاعات الخدمية، تحكي موظفة عن مسؤول غادر موقعه منذ سنوات، وما زال اسمه يتردد حتى اليوم. لم يكن كثير الظهور، ولا عالي الصوت، لكنه كان يستثمر في الناس، يعلّمهم، يحميهم من التعقيد، ويمنحهم الثقة. تقول: بعد خروجه، بقينا نعمل على نظامه، ونستفيد من أفكاره. هذا هو الأثر الذي لا تلتقطه الكاميرات، لكنه يعيش طويلًا.

وفي قطاع آخر، نرى شخصية كان حضورها الإعلامي لافتًا، صوته الأعلى في الاجتماعات، قراراته سريعة ومعلنة… لكن بعد انتقاله، لم يبقَ شيء يُذكر. الملفات عادت إلى نقطة الصفر، والفريق احتاج وقتًا طويلًا لإصلاح ما تعطل. هنا نفهم أن الضجيج قد يسبق الإنجاز، لكنه لا يصنع بقاءه.

الأثر ليس حكرًا على القيادات:

الأثر لا يخص القيادات وحدها، حتى الموظف في موقعه البسيط يصنع أثرًا حين يطوّر إجراءً، يختصر وقتًا، يسهّل خدمة، أو يترك خلفه نظامًا أفضل مما استلمه. 

كثير من الموظفين لا يحملون ألقابًا كبيرة، لكن أسماءهم تُذكر باحترام لأنهم غيّروا طريقة العمل، أو أنقذوا مشروعًا، أو صنعوا فرقًا في تجربة المستفيد.

السؤال الذي لا نحب مواجهته:

والسؤال الأخطر الذي يجب أن يواجهه كل موظف، وكل مسؤول، وكل صاحب قرار بصدق:

لو غادرتُ مكاني غدًا… ماذا سيتغير؟

هل ستسير الأمور كما هي؟ أم سيظهر الفراغ؟ أم سيكتشف الجميع أن وجودي كان مجرد حضور شكلي؟

في معنى أن تترك أثرًا:

في ثقافة العمل الحديثة، لم يعد المهم كم تتكلم، بل كم تُنجز. لم يعد المهم كم تظهر، بل ماذا تترك. المؤسسات الذكية لا تبحث عن أصحاب الأصوات العالية، بل عن صانعي الأثر الهادئ، أولئك الذين يغيّرون من الداخل، ويتركون الأنظمة أفضل، والفرق أقوى، والخدمات أجود.

الخاتمة: ما الذي يبقى؟

لذلك، حين نراجع مسيرتنا المهنية، لا نحتاج أن نحصي السنوات، بل أن نحاسب أنفسنا على الإضافة. ما المشروع الذي ترك بصمة؟ ما الفريق الذي كبر معنا؟ ما الإجراء الذي تحسّن لأننا كنا هنا؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع سيرة مهنية حقيقية.

في النهاية، المناصب تزول، والعناوين تتغير، والضجيج يخفت سريعًا… لكن الأثر وحده هو ما يبقى.

فاختر لنفسك أن تكون أثرًا بلا ضجيج… لا ضجيجًا بلا أثر.

مساحة إعلانية