رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس سهلاً، تكرار الإنجاز الرياضي، على المستوى القاري، فهذا يحتاج إلى خليط من الأداء البطولي، والعطاء الرجولي..
بالإضافة إلى حزمة متجانسة، ومجموعة متمرسة، وإدارة متحمسة، إضافة إلى الانضباط التكتيكي، والتنويع الخططي، والتركيز الذهني، والتوظيف المهاري، والتخطيط الميداني، لقهر القوى الكروية الكبرى، المتطلعة لتحقيق المجد الكروي.
لكن منتخبنا الوطني لكرة القدم نجح في تشكيل تلك الخلطة، وترجمتها إلى خطة، ساهمت في تجاوزه ذلك التحدي، ليشق طريقه بنجاح، مدافعاً بجدارة عن لقبه الآسيوي، مستفيداً من متلازمة التوفيق والتفوق، إلى جانب الكثير من التألق الذي رافقه خلال مسيرته الظافرة، خلال البطولة.
هنا في «استاد لوسيل» حقق منتخبنا العنابي الفوز بكأس آسيا، للمرة الثانية على التوالي، متجاوزاً صقور وصخور البطولة، بعد فوزه المستحق على منتخب الأردن في النهائي الآسيوي العربي، وإحرازه ثلاثة أهداف، مقابل هدف يتيم لمنتخب «النشامى».
لقد سطر فريقنا العنابي اسمه في كتاب التاريخ الرياضي، وحفر منتخبنا الوطني، طريقه نحو الإنجاز القاري، مثلما نحت العرب «الأنباط» الصخور الصلبة في الجنوب الأردني، وأقاموا مدينتهم الصخرية، في «البتراء»، لتكون شاهدة على إنجازهم المعماري، وإرثهم الحضاري، الباقي منذ عام «312» قبل الميلاد.
هناك وسط الجبال الشاهقة، التي تشكل الخاصرة الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية.
هناك في المدينة الأثرية الساحرة، التي كانت عاصمة «الأنباط»، ويعود تاريخها إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وأصبحت تابعة لمحافظة «معان»، التي ينحدر منها النجم الأردني «يزن النعيمات»، هداف «النشامى»، الذي أحرز هدف الأردن الوحيد، في النهائي الآسيوي.
هناك حيث توجد الأيقونة الأثرية، التي يسمونها «الخزنة»، وتتصدر المدينة الحجرية، ويحيط بها الغموض، وتحوم حولها الأساطير، اعتقاداً أنها تحتوي على «الكنز»!
هناك، ومن هناك في «بلاد الكنز»، إلى هنا في قطر، لا يوجد «كنز» بالنسبة لمنتخبات الأمم الآسيوية، أغلى من «كأس آسيا»، تلك التحفة الفنية، التي لا تشابهها في تصميمها، وتدانيها في هندستها، وتضارعها في هيئتها، وتحاكيها في هيبتها، وتماثلها في روعتها، كأس أخرى في القارة.
ومن أجل هذه الكأس، كان نجوم منتخبنا العنابي على موعد مع ملحمة كروية، تمثلت في تحقيق الوعد، المتمثل في الفوز ببطولة كأس آسيا، للمرة الثانية على التوالي.
هنا في «استاد لوسيل المونديالي»، سطر نجوم منتخبنا العنابي، تفاصيل ملحمتهم البطولية، وحققوا إنجازهم القاري، في النهائي الآسيوي العربي، على إيقاع «المهباش» الأردني!
هنا كانت رائحة القهوة العربية، تفوح في الملعب، وكان صوت «سميرة توفيق» يصدح في المدرجات، مردداً أغنيتها الشهيرة:
«بالله تصبوا هالقهوة وزيدوها هيل»
«واسقوها للنشامى في ملعب لوسيل».
.. ولأن قطر، تشتهر بالترحيب بضيوفها، وإكرام زائريها، فقد حرص النجم المتألق «أكرم عفيف»، الفائز بجائزة أحسن لاعب في البطولة، على تكريم الضيوف بطريقته الخاصة، فأحرز أهدافه الثلاثة، بكل جود وكرم في مرماهم من نقطة الجزاء!
لقد سجل «الكريم أكرم» أهدافه في مرمى الكرام، من «3» ركلات جزاء، احتسبها الحكم الصيني «مانينغ» في الدقائق «22» و«72» و«90 + 5».
وبهذا رفع الهداف «العفيف» رصيده، إلى «8» أهداف، توج بها هدافاً للبطولة.
أما هدف الأردن الوحيد، فقد جاء في الدقيقة «68» ليتوج النشاط الهجومي المنظم، الذي بذله منتخب «النشامى»، عندما أرسل «علي علوان» كرة عرضية عالية استقبلها «يزن النعيمات» بمهارة، داخل المنطقة القطرية الخاصة والخالصة، وسددها بيسراه قوية في الشباك، محرزاً هدف التعادل، وكانت النتيجة وقتها تشير إلى تقدم منتخبنا العنابي.
بعد إحراز الهدف الأردني الرائع، بإمضاء اللاعب «الزين يزن»، كثف منتخب «النشامى» هجماته على المرمى القطري، وكانت محاولاته لتعزيز النتيجة، أشبه بالبحث عن «رأس غليص»، خارج إطار المسلسل الأردني الشهير، حيث امتازت الهجمات الأردنية المتواصلة والمتسلسلة، بالكثير من التشويق والإثارة، واتصفت بالقوة والجسارة، وتميزت بالسرعة والإغارة على مرمى قطر!
لكنها افتقدت إلى الجدارة، في إنهاء الهجمة، والقدرة على تسديد الكرة داخل المرمى القطري، بسبب المرونة والمهارة، التي يشتهر بها الحارس «مشعل»، الذي أشعل المدرجات بتصدياته الحاسمة، فاستحق أن يفوز بجائزة أحسن حارس في بطولة آسيا.
قبل انطلاق المباراة، كان منتخب النشامى «معنعن»، وتعني أنه كان في ذروة الفخر الوطني، وله الحق أن يفخر، بإنجازه الكروي غير المسبوق، بالوصول إلى نهائي كأس آسيا.
ومن حقه أيضاً أن يكون فخوراً بقدرات ومهارات لاعبيه، وأن يفخر أيضاً بإمكانيات مدربه «حسين عموتة» التدريبية، وعقليته التكتيكية، وله أن يفخر دائماً بجمهوره الوفي، وتشجيعه القوي.
ولكل هذا كان طامحاً ولا أقول طامعاً في الفوز بكأس آسيا، وخصوصاً بعد نجاحه في اجتياز جميع المطبات، وتخطيه كل الصعوبات، وتجاوزه جميع العقبات، التي واجهها قبل وصوله إلى النهائي.
ولهذا أراد أن «يكزدر»، أكثر من مرة بالقرب من مرمى قطر، لكن منتخبنا الوطني، أعاده إلى الواقع، بأدائه الرائع، بعدما قطع عليه جميع الطرق، لتحقيق طموحه المشروع، ومن بينها الطريق إلى شارع «الرينبو»، الواقع في «جبل عمان»، المتفرع من الدوار الأول، والشوارع المؤدية إلى «الشميساني» و«جبل الحسين» وغيرها!
وهكذا كانت محاولات الأردن، لإحراز الهدف في الشوط الأول، أشبه بمن يحاول الغوص في أعماق «البحر الميت»، فيظل طافياً فوق سطح الماء، بسبب شدة ملوحة المياه، وافتقادها لمقومات الحياة!
هكذا سارت أحداث مباراة قطر والأردن في النهائي الآسيوي العربي، وهكذا دارت مجرياتها المتأرجحة، بين حضارة «الأنباط» الأثرية، وحضارة «العنابي» الكروية.
وهكذا احتفظ منتخبنا الوطني، بلقبه القاري، للمرة الثانية على التوالي.
وهكذا أصبح المنتخب «الأدعم»، بطلاً لكأس الأمم الآسيوية، لكرة القدم، وسيداً لمنتخباتها، «وزعيماً» لفرقها.
وستبقى مباراة النهائي، راسخة في ذاكرة البطولة، وثابتة في تاريخها وعقول متابعيها، ليس لأن الحكم الصيني، الذي أدارها، احتسب «3» ركلات جزاء مستحقة لصالح «العنابي»، ولكن لأن بطل آسيا، الذي صنع في قطر، نجح في الدفاع عن لقبه، بمنتهى الإصرار.
علماً بأن احتساب «3» ضربات جزاء، في مباراة حاسمة، ليس بدعة، ولا يستدعي إثارة الشكوك، والغمز واللمز، والقيل والقال، لمن يفقهون في كرة القدم، ويفهمون قوانينها، ويتابعون مبارياتها.
وخير مثال على ذلك، احتساب الحكم «3» ضربات جزائية لصالح البرازيل، ضد الأرجنتين، في المباراة التي أقيمت في الثالث من يونيو عام 2004 في مدينة «بيلوهوريزونتي» البرازيلية، خلال التصفيات المؤهلة لكأس العالم، نجح الهداف البرازيلي «رونالدو»، في إحرازها في الدقائق «17» و«69» والدقيقة السادسة من الوقت المحتسب بدل الضائع، لتنتهي المباراة بفوز منتخب «السامبا» بثلاثة أهداف، مقابل هدف واحد لمنتخب «التانغو»، سجله «خوان بابلو سورين» في الدقيقة «80».
والمفارقة، أنها نفس نتيجة مباراة قطر والأردن، في نهائي كأس آسيا، التي شهدت تألق المتألق «أكرم عفيف»، بمنتهى التوهج والاقتدار.
وهكذا كانت الأقدار، وفي خضم ذلك الانتصار، لا أنسى الإشارة، بل الإشادة، بدور المدرب الإسباني «ماركيز لوبيز»، الذي استلم مهمة تدريب العنابي، قبل نحو «36» يوماً على انطلاقة البطولة.
وتحديداً في السادس من ديسمبر الماضي، بعد الاستغناء عن البرتغالي «كارلوس كيروش»، حيث نجح في إعادة الثقة في أوساط المنتخب، بعدما تسبب سلفه في اهتزازها، في ظل انعدام حالة اليقين، في قدرات فريقه، وعدم ثقته في شخصية البطل، وفقدانه روح الانتصار.
ولعل ما يميز المدرب الإسباني، الذي يسمونه في بلاده «تان تان»، وجود حالة من التشابه الشكلي بينه وبين الشخصية الكاريكاتورية، التي ابتدعها الكاتب البلجيكي «هيرجيه»، في سلسلة رواياته الخيالية المثيرة!
وبعيداً عن التشابه في المظهر، قبل أن يتعرض شعر المدرب إلى التجريف، فهما يعتمدان على الجرأة، ويتميزان بالشجاعة، ويتصفان بالذكاء، ويقبلان بالتحدي، ويرتكزان على التخطيط السليم، لفك رموز القضايا المعقدة.
وهذا ما فعله مدرب الوكرة، الذي استعان به الاتحاد القطري لكرة القدم لقيادة العنابي في كأس آسيا، ونجح في فك طلاسم المنتخبات التي واجهها، في إطار المغامرات التي تحبس الأنفاس، التي خاضها، وقاد خلالها «العنابي»، للفوز بكأس البطولة، بجدارة واستحقاق، للمرة الثانية على التوالي، والاحتفاظ بلقبه القاري، بطلاً لكأس الأمم الآسيوية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2565
| 23 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
969
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
786
| 24 مايو 2026