رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة زخمٌ غير مسبوق في الحراك السياسي الإقليمي والدولي فيما يتعلق بالقضية السورية. ورغم كثرة السيناريوهات المطروحة، بما تحمله معها من إشارات وإيحاءات، متضاربة أحياناً، حول حل ما، تمﱠ أو يتم الاتفاق عليه، تبقى الحقيقةُ بعيدةً عن ذلك، ويبقى الموقف في سوريا اليوم مفتوحاً على جميع الاحتمالات.
الثوابت المتعلقة بالقضية السورية قليلة، ومنها أن الموقف الدولي انقلب خلال العام الفائت، 2015م، من حالة التوافق على (اللاقرار) بالنسبة لسوريا إلى إدراك ضرورة وجودة (قرار) فيما يخصها. حصلَ هذا بعد أخذ العِلم، من قِبل أوروبا، بطبيعة (التهديد) الديمغرافي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمني عليها، مع تصاعد أزمة اللاجئين. ثم مع ظهور ملامح إفلات (وحش) داعش، الذي خُلِقَ لأغراض استراتيجية، من قبضة السيطرة المُحكَمة. ففي حين يمكن توظيف (تنظيم) بهيكليةٍ معينة وفي بقعةٍ محددة من المكان، سوريا والعراق، تُصبح تلك المهمة مستحيلةً إذا تحول التنظيم إلى (فكرة)، يمكن أن يظهر من يريد التعبير عنها في أي مكانٍ في هذا العالم، من باريس إلى عمق جنوب كاليفورنيا.
وتزامنَ مع تلك التحولات النقلة الجديدة في السياسة السعودية في المنطقة، بكل شمولها المتعلق بالرؤية والأدوات والإرادة. فأصبحت الحاجة ملحةً دولياً وإقليمياً لإخراج الحالة السورية من جمودها السابق.
هكذا وُلدت (فيينا) ومعها (مجموعة الدعم الدولية لسوريا). وللتعامل مع الوضع الجديد، بما يُحقق مطالب السوريين، جاء مؤتمر الرياض الذي نشأت عنه (الهيئة العليا للمفاوضات).
لم يكن انعقادُ المؤتمر ووجود الهيئة، بأدائها السياسي والإداري المتقدم نسبياً على أجسام المعارضة السورية، منسجماً مع التفاهمات الجديدة، وتحديداً الأمريكية الروسية منها، فجاء الرد سريعاً من خلال القرار 2254 الذي كان محاولةً للالتفاف على بيان جنيف الذي يقتضي إنشاء (هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات).
اتكأت الهيئة على المواد 12 و13 و14 من القرار المذكور وتمكنت من المناورة، بدعم سعودي قوي، ساندتهُ دول الخليج العربي وتركيا، فتجاوزت فخ المرحلة الأولى من جنيف3 دون تنازلات. بل وببعض مكاسب تمثلت في إلغاء فكرة وفد المفاوضات الثالث، ثم ترسيخ مبدأ رفض المفاوضات في ظل استمرار العدوان العسكري من قبل روسيا وإيران والنظام.
ولاحتواء الموقف ظهرت فكرة وقف إطلاق النار في نسختها الروسية. أدركت الهيئة أن المقترح المذكور، بتلك النسخة، فخٌ آخر قد يُصبح التعامل معه بسذاجة نوعاً من الانتحار الذاتي لقوى الثورة. لكن التعاطي مع جوهر الموضوع كان ضرورياً سياسياً وواقعياً، فجاء عرضُ البديل المتمثل في هدنةٍ مؤقتة يجري من خلالها تحديد معنى مصطلح وقف إطلاق النار عملياً، عبرَ رصد درجة التزام النظام وحلفائه به، إن لجهة وقف الأعمال العسكرية أو لجهة تنفيذ (البنود الإنسانية).
وعلى مدى أسبوعين، ظهرت مؤشراتٌ يتأكد معها أن القرار القادم من قبل الهيئة، بخصوص استمرار المفاوضات، لا يحتاج فقط إلى دراسةٍ جدية، بل إنه يحتاج أيضاً إلى مزيدٍ من ترتيب صفوف المعارضة السورية، وإلى الاستقواء بكل ما لدى السوريين من طاقات وقدرات.
فهؤلاء وبلادهم اليوم أمام لحظة حقيقةٍ قد يتقرر فيها مسارٌ محدد للقضية السورية. ورغم كل الإيحاءات والمناورات الإعلامية والسياسية، لا تزال ملامح هذا المسار قيد التكوين، ولم يُصبح بعد في طور الاكتمال بأي درجة. لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحةً طويلاً. فكل القوى المؤثرة في القضية تتحرك جدياً للتأثير فيه، وثمة أفكار عديدة مُبتكرة وجديدة يجري تداولها، وطبيعة المسار في النهاية ستكون مُحصلةً لمجموع تلك الجهود كما هي العادة في عالم السياسة.
من هنا تأتي تصريحات الروس وغيرهم بخصوص الفيدرالية في سوريا. ثم تصريح الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، منذ يومين للصحافيين أن الحفاظ على وحدة سوريا هو "حجر زاوية" لكثير من الدول كما أنه أولوية بالنسبة لروسيا. وحديث المبعوث الدولي دي ميستورا يوماً عن حكومة وحدة وطنية، ثم حديثهُ في اليوم التالي عن أن بيان جنيف يُعتبر "الكتاب المقدس" للمفاوضات السورية. إضافةً لقوله إن "كل السوريين يرفضون التقسيم ولكن يمكن نقاش الفيدرالية في المفاوضات". مع تأكيده أن حظوظ التوصل إلى تسوية للأزمة السورية هي الأعلى منذ أي وقت مضى في ظل الزخم الراهن. وأخيراً، تصريحاته الأخيرة بأن سوريا ستشهد انتخابات رئاسية في غضون 18 شهراً، وأن الاتفاق النهائي على هذا سيحصل خلال مفاوضات جنيف القادمة.
وفي نفس الإطار تأتي محاولة وزير الخارجية الروسي لافروف منذ يومين لإعادة التلاعب بوفد المفاوضات من خلال المزاودة على السوريين باسم الأكراد قائلاً إن "إطلاق المحادثات من دون مشاركة هذه المجموعة سيكون مؤشر ضعف من جانب الأسرة الدولية". هذا فضلاً عن تسريب أخبار تتعلق بمرونة روسية حتى مع (جبهة النصرة) بحيث يُمكن فتح المجال للسوريين من أعضائها بالخروج عليها والانضمام لعملية الهدنة.
هناك انطباعات تقليدية سائدة، بطبيعة الحال، حول محدودية قدرة السوريين على التأثير في المرحلة الراهنة. لكن الاستسلام لهذه الانطباعات، نفسياً وعملياً، خطيرٌ بنفس درجة الخطر الذي يقع فيه البعض حين يتعامل مع الموضوع بعقلية الأوهام، بعيداً عن مُقتضيات الواقعية.
ففي ظل التأكيد السعودي المستمر على أن حل القضية يتمثل في "سوريا بلا بشار الأسد"، ومعرفة المملكة، مع دول الخليج وبعض الدول العربية وتركيا، بدرجة تأثير مستقبل سوريا في مستقبل المنطقة، وفي ضوء الاحتمالات الإيجابية الممكنة التي تفتحها التصريحات والمواقف المذكورة أعلاه، يمكن لهيئة المفاوضات أن تبلور رؤيةً يكون لها تأثيرٌ وازن في رسم تفاصيل (الحل)، بما يحقق المصالح المشتركة ومطالب السوريين.
رسائل اعتداءات إيران على دول مجلس التعاون
حذّرت في مقالي الأسبوع الماضي في الشرق-"حذار أن ننجر إلى حرب ليست حربنا"-برغم استفزازات إيران واستمرارها بقصف أهداف... اقرأ المزيد
117
| 15 مارس 2026
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام... اقرأ المزيد
132
| 15 مارس 2026
علاقتنا بالمسجد الأقصى
الحديث عن المسجد الأقصى ليس مُجرّد حديث عن مسجد ضمن الأوقاف الإسلامية، بل هو حديث عن قضية من... اقرأ المزيد
69
| 15 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8646
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4599
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1431
| 11 مارس 2026