رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حذّرت في مقالي الأسبوع الماضي في الشرق-"حذار أن ننجر إلى حرب ليست حربنا"-برغم استفزازات إيران واستمرارها بقصف أهداف مدنية وبنى تحتية ومنشآت الطاقة وإغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة البحرية وتصدير منتجات الطاقة لدولنا بكلفة تصل إلى أكثر من مليار دولار يومياً، من الانجرار للتورط في حرب خليجية مباشرة مع إيران. وذلك رغم تصعيد إيران بقصف دولنا بأكثر من 4000 مقذوف من صواريخ مختلفة ومسيرات مدانة وغير مبررة، منذ بدء الحرب قبل أسبوعين وبأعداد متفاوتة على كل دولة من دولنا الستة. تم اسقاط 90% منها بكفاءة عالية. في المقابل قصفت إيران بحوالي 400 مقذوف من صواريخ ومسيرات بحوالي 14% فقط مما تعرضت له دولنا من اعتداءات على إسرائيل العدو الأول. وذلك برغم اغتيال قيادات إيران السياسية والدينية والعسكرية، وقصف أهداف عسكرية ومدنية داخل طهران ومدن إيران لا يتوقف!!
وطالبت بمقاومة ضغوط أطراف لدفع دولنا للانضمام للحرب التي تفتقد لرؤية واستراتيجية وخطة انتصار وخروج. تدمج هجمات إيران على دولنا الخليجية بين العمل العسكري وتوجيه رسائل: الضغط على الولايات المتحدة، وإجبار دولنا لإعادة النظر باستضافة القواعد الأمريكية، وتهديد أمن الطاقة العالمي لرفع الكلفة.
ما يثير علامات الاستفهام، التصعيد واستمرار القصف، بعد اختيار المرشد الجديد مجتبى خامنئي. الذي لم يظهر في العلن منذ بدء الحرب، وحتى بعد اختياره مرشداً... وحتى قراءة خطابه الأول للشعب الإيراني والعالم في تلفزيون إيران. وادعى وزير الحرب الأمريكي-"أصيب في الضربة في اليوم الأول ومرجح أنه مشوه"-وأكد المرشد الجديد في خطابه المقروء استمرار المواجهة، وتصاعدت الاعتداءات الإيرانية على دول المجلس. وطالب دولنا الخليجية التعاون والتخلص من القواعد الأمريكية.
تفند السردية التي يتمسك بها ويكررها المسؤولون الإيرانيون والحرس الثوري الإيراني-أنهم يستهدفون قصف القواعد العسكرية الأمريكية في دولنا الخليجية، ولا يستهدفون الدول الخليجية. وبرغم اعتذار الرئيس الإيراني بازشكيان عن الاعتداءات الإيرانية، إلا أن الحرس الثوري الإيراني استأنف القصف واستهدف دولنا بعد ساعات من اعتذار الرئيس. وترويع المواطنين وضرب أهداف ومنشآت مدنية والطاقة في دولة قطر منشآت الغاز المسال والسعودية مصفاة نفط رأس تنورة، وخزانات الوقود في سلطنة عمان. والملفت والصادم تعمد قصف قطر وسلطنة عُمان برغم وساطتهما المهمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في أكثر من ملف.
وفي هذا السياق، أدانت تصريحات ومواقف رسمية من قادة وكبار المسؤولين والدبلوماسيين الخليجيين، الاعتداءات ووصفتها بأنها انتهاك صارخ للسيادة وتهديد مباشر لأمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. بعد تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار للبرميل الواحد بسبب استهداف إيران منشآت الطاقة، النفط والغاز.
وهو ما يؤكده قادة وكبار المسؤولين والدبلوماسيين الخليجيين وأبرزهم أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الصباح في خطابه السنوي بمناسبة العشر الأواخر من رمضان الأسبوع الماضي: بتأكيد سموه "تعرضت الكويت لاعتداء "غاشم" من دولة جارة مسلمة، على الرغم من أن الكويت لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو سواحلها في أي عمل عسكري ضدها". أمير الكويت مشعل الأحمد الجابر الصباح ادان الهجمات الإيرانية بشدة، واصفاً إياها بأنها اعتداءات آثمة وغاشمة وتمثل انتهاكاً واضحا للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي. وتضع أمن الملاحة والطاقة في الخليج أمام مخاطر كبيرة. وتستهدف أمن دول الخليج وسيادتها". وشددت الكويت على أهمية التضامن الخليجي والتنسيق الأمني المشترك لمواجهة أي تهديدات تمس أمن المنطقة في إشارة إلى الاعتداءات التي تتعرض لها دولة الكويت من إيران.
وأكد رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان أن أمن الخليج غير قابل للمساومة، واستهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية للطاقة يمثل تصعيداً خطيراً يهدد الاقتصاد العالمي.
ورفض السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان-أي اعتداء على دول الخليج. وشدد على ضرورة تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. ودعا للتهدئة والحوار. والتحذير من تداعيات توسيع دائرة الحرب على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
ووصف رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن: موقف قطر من الهجمات الإيرانية بأنها خيانة للعلاقات مع دول الجوار وتصعيد غير مبرر يهدد أمن المنطقة. وأن استهداف دول الخليج يمثل تهديداً لأمن الطاقة العالمي. والحل يكمن في المسار الدبلوماسي وليس التصعيد العسكري. وستواصل دولة قطر جهود الوساطة لمنع توسع الحرب.
أما وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي فأكد: " أن الهدف الفعلي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يتجاوز العمليات العسكرية المباشرة. ويهدف لإضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة والدفع بملف التطبيع. ضمن سياق أوسع يستهدف منع قيام دولة فلسطينية، وإضعاف كل دولة أو مؤسسة تقف إلى جانب هذا المشروع أو تؤيده. وموقف سلطنة عُمان عدم الانضمام إلى "مجلس السلام". ولن تطبع علاقاتها مع "إسرائيل" بأي حال من الأحوال".
الواضح أن إيران تضرب في جميع الاتجاهات لقناعة النظام أنه يواجه مؤامرة ومخططا لإسقاط النظام. ولذلك ترفع الكلفة على الجميع كورقة ضغط لإفشال المخطط. لذلك وحّدت دول المجلس موقفها بالتصدي لصواريخ ومسيرات إيران.
ومقاومة فخ انجرار دولنا في حرب مباشرة ضد إيران لساحة مواجهة. ويبقى التحدي التوازن بين حماية أمننا الخليجي وتجنب الانجرار في حرب إقليمية واسعة بتداعيات طويلة على أمن منطقتنا والعالم. خاصة أن رسالة استهداف دولنا الخليجية تهدف لرفع الضغط على الولايات المتحدة، ودفع الدول الخليجية لإعادة النظر بجدوى الاعتماد على الحماية والقواعد الأمريكية. وإحداث أزمة طاقة واقتصاد عالمية. والأهم تفجير حالة غضب شعبي في الداخل الأمريكي برفع كلفة أسعار البنزين والنقل والسلع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
4446
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1569
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1278
| 11 مارس 2026