رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية
falotoum@hotmail.com
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

330

فاطمة العتوم

قيادة المؤسسات.. من إدارة الأشخاص إلى هندسة الأداء

13 أبريل 2026 , 11:30م

اعتادت الأدبيات الإدارية طويلاً على تصوير القيادة بوصفها قدرة على تحفيز الأفراد، وتوجيه الفرق، وإدارة العلاقات داخل المؤسسة. ورغم أهمية هذا البعد الإنساني، فإن الاقتصار عليه يختزل دور القائد في إطار إشرافي تقليدي. أما في المؤسسات التي تسعى إلى نضج حقيقي، فإن القيادة تتجاوز إدارة الأشخاص إلى ما هو أعمق: هندسة الأداء نفسه.

إدارة الأشخاص تركز على توزيع المهام، ومتابعة الإنجاز، ومعالجة التعثرات اليومية. أما هندسة الأداء فتنشغل بتصميم النظام الذي تنتج من خلاله تلك المهام نتائج قابلة للقياس والاستدامة. الفارق هنا ليس لغوياً، بل بنيوي. ففي الأولى، يبقى القائد قريباً من التفاصيل التشغيلية، وفي الثانية، يصبح معمارياً يصمم العلاقات بين الاستراتيجية، والعمليات، والموارد والمؤشرات.

حين تتبنى القيادة دور “مهندس الأداء”، فإنها تبدأ بطرح أسئلة مختلفة:

هل أهدافنا الاستراتيجية مترجمة إلى مؤشرات ذات معنى؟

هل تتدفق المعلومات بين الإدارات بشكل يسمح باتخاذ قرارات دقيقة؟

هل الحوافز مرتبطة بالنتائج الفعلية أم بالجهد المبذول؟

هل العمليات مصممة لتقليل الهدر والمخاطر، أم تراكم التعقيد بمرور الوقت؟

هذا النوع من التفكير يحوّل القيادة من مراقب للنتائج إلى صانعٍ لشروط إنتاجها. فبدلاً من التدخل عند حدوث المشكلة، يُعاد تصميم العملية التي أنتجتها. وبدلاً من الضغط على الأفراد لتحسين الأرقام، يُعاد النظر في آليات القياس نفسها: هل تقيس ما يجب قياسه؟ وهل تعكس القيمة المضافة الحقيقية؟

أحد أبرز مظاهر غياب هندسة الأداء هو تضخم المبادرات دون اتساق. تُطلق مشاريع متعددة استجابة لتحديات مختلفة، لكن دون إطار يجمعها أو يربطها بأولويات محددة. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى شبكة معقدة من الأنشطة التي يصعب تقييم أثرها الكلي. هنا تتجلى مسؤولية القيادة في تقليص التشعب، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء خريطة أداء واضحة تجعل كل مبادرة تخدم هدفاً محدداً ومقاساً.

كما أن هندسة الأداء تعني ربط الموارد بالاستراتيجية بشكل صارم. فلا معنى لأهداف طموحة لا تنعكس في توزيع الميزانيات، ولا جدوى من مؤشرات دقيقة إذا لم تُستخدم في إعادة توجيه الاستثمار البشري والمالي. القيادة الناضجة تدرك أن الأثر لا يتحقق بالتصريحات، بل بالمواءمة الدقيقة بين ما يُخطط له وما يُموّل وما يُنفذ.

ويتطلب هذا التحول أيضاً شجاعة مراجعة المسلمات. فبعض العمليات تستمر لسنوات دون مساءلة حقيقية لجدواها. وبعض المؤشرات تُستخدم لأنها سهلة القياس لا لأنها مهمة. هندسة الأداء تفرض على القيادة أن تسأل بانتظام: ما الذي يمكن تبسيطه؟ ما الذي يمكن دمجه؟ ما الذي يجب إيقافه؟ فالنضج لا يتحقق بإضافة طبقات جديدة، بل بإزالة ما لا يضيف قيمة.

عند الأزمات أو التغيرات الهيكلية، يظهر أثر هذا التحول بوضوح. المؤسسة التي أُديرت بمنطق إدارة الأشخاص فقط قد تعتمد على مهارات فردية تعوض ضعف النظام. أما المؤسسة التي صُمم أداؤها بعناية، فإنها تمتلك وضوحاً في العمليات، وتدفقاً منظماً للمعلومات، وقدرة على اتخاذ القرار بسرعة ودقة. هنا يصبح الاستقرار نتيجة طبيعية للتصميم الجيد، لا لحسن الحظ.

إن الانتقال من إدارة الأشخاص إلى هندسة الأداء لا يعني إهمال البعد الإنساني، بل تأطيره داخل نظام واضح وعادل. فالأفراد يبدعون أكثر عندما يفهمون دورهم في الصورة الكلية، وعندما تُقاس مساهماتهم بمعايير شفافة، وعندما يشعرون أن القرارات تستند إلى منطق مؤسسي لا إلى اجتهادات ظرفية.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يحدد مستوى القيادة الحقيقي: هل أركز على متابعة ما يفعله الناس يومياً، أم أعمل على تصميم النظام الذي يجعل أداءهم أكثر اتساقاً وكفاءة وتأثيراً؟ الفرق بين الدورين هو الفرق بين إدارة العمل، وبناء مؤسسة قادرة على الاستمرار والتفوق.

مساحة إعلانية