رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إنه النموذج الأبرز للشخص الذي ما أغنى عنه ماله وما كسب.. النموذج الذي سيظل يتأمله المؤمنون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. ولكن قبل أن يصل هذا النموذج إلى تلك المرحلة التي لا تغني عنه ماله وما كسب، كان من أكثر المحبين لأخيه عبدالله الذبيح، والد نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا ما رزقه الله بولد وحيد هو نبينا الكريم ويتوفى بعدها، يقوم أبولهب مجسداً محبته لابن أخيه بعتق جاريته التي زفت إليه خبر الولادة.
يؤكد أبولهب، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، عم النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يؤكد محبته لابن أخيه أكثر فأكثر، حتى يقوم بعد سنوات ويختار اثنتين من بنات ابن أخيه - صلى الله عليه وسلم - لأولاده، عتبة وعتيبة.. اختار رقية - رضي الله عنها - لعتبة، وأم كلثوم - رضي الله عنها - لعتيبة، رغم أنهما كانا على الشرك، فيما كانت رقية وأم كلثوم مسلمتين، حيث لم تكن آية تحريم تزويج المسلمات للمشركين قد نزلت بعد.
يتغير الوضع فجأة، ويضيع كل ذلك الحب الأبوي، وتنقلب الأمور رأساً على عقب بشكل دراماتيكي. فما إن انتشر خبر الدعوة والرسالة، حتى انقلبت قريش على الصادق الأمين، وكذَّبَت دعوته فوراً، وقامت بالتصدي لهذه الدعوة الجديدة في مكة، وكان من ضمن المنقلبين، أبولهب الهاشمي، في خطوة غير مفهومة ولا مقبولة عند العرب حينذاك. إذ المفترض أن العصبية القبلية تتصدر المشهد عند أبي لهب يومذاك على عادة العرب، ولكن لم يحدث ذلك أبداً !
خالف أبولهب كل تلك التقاليد العربية المتوارثة، فكان بدلاً من ذلك، من أوائل من جاهـر بالعداوة للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم – وهو لم يكن – كما يبدو للوهلة الأولى - ليحتاج إلى كل تلك العداوة مع أحد أقرب المقربين إليه، بل لم تكن هناك حاجة تستدعي أن يتنافس هو مع آخرين من صناديد وعتاة القبائل القرشية الأخرى في معاداة أحد رجالات بني قومه، بني هاشم. لكن هذا ما حدث.
الانقلاب المذموم
انقلب إذن هذا العم، المحب لابن أخيه للدرجة التي أعتق جارية له فرحة بمولده - صلى الله عليه وسلم - وقد كان معروفاً عندهم أن العربي لا يعتق رقاب عبيده وجواريه إلا لأمور عظيمة. إلا أن هذا العم خالف أبناء عبد المطلب وتقاليد بني هاشم وقريش وجل العرب بشكل عام. وقد كان المتوقع منه، وهو الهاشمي الأصيل، أن يكون كبقية إخوانه مع ابن أخيهم، يدافعون عنه حين بدأت قريش تؤذيه، ولو من باب العصبية القبلية، كعادة العرب في الجاهلية كما أسلفنا.
خالف أبولهب توجهات بني هاشم واصطف مع كبار مجرمي قريش، أمثال أبي جهل وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف والنضر بن الحارث وغيرهم، وظهر وتبين أن سبب عداوته السريعة تلك، كما في الروايات التاريخية، هو حسد من عند نفسه على ما تفضل الله به على نبيه بالرسالة دون سائر بني هاشم، ليتطور ذلك الحسد إلى حقد أعمى ثم عداوة تتفاقم يوماً بعد يوم، حتى التهبت نفسه، وصارت ناراً تأكله هو وزوجته أم جميل، واسمها أروى بنت حرب، أخت أبي سفيان، والتي اشتهرت بحمالة الحطب بعد نزول سورة المسد فيهما. لكن مع ذلك لم تردعهما السورة التي نزلت وفيها وعيد شديد لهما، إلى أن هلكا وختم كل منهما حياته بشقاء أبدي في نار ذات لهب.
لم ينتفع أبو لهب بعلاقة القرابة مع خير البشر كما إخوته: سيد الشهداء حمزة، وجعفر الطيار، والعباس وعقيل وغيرهم. فلا هو أغدق خيراته على ابن أخيه ودينه مثل أولئكم العظماء، ولا كفّ شره وناصره كأضعف الإيمان، مثل أخيه أبي طالب. لكنه أبى إلا أن يكون عقرباً لئيماً عنيداً حسوداً حقوداً، أنهى حياته بنهاية لن تسره لا في قبره ولا آخرته.
ما أغنى عني ماليه
كل ذلك المال والجاه الذي اشتهر أبولهب به، لم تسعفه ولم تغن عنه يوم حاجته، وتحديداً يوم أن خرجت قريش لملاقاة المسلمين في بدر. فقد نفرت قريش وقام كل مقتدر على القتال بتجهيز نفسه، ومن لم يرد الخروج لسبب وآخر، قام بتجهيز الجيش أو يدفع مالاً لآخر ليقوم مقامه في المعركة، فكان أبولهب من أولئكم المتخلفين أو الباحثين عن أي عذر لعدم الخروج. حيث دفع مالاً لمن يقاتل نيابة عنه، خشية أن يُقتل في بدر، وهو يعلم أن أذاه للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم – في مكة، لن يمر مرور الكرام، ولابد أن دعوة منه، عليه الصلاة والسلام، ستصيبه عاجلاً أم آجلا، وهذا ما كان فعلاً.
انتهت المعركة بمقتل صناديد قريش وكبار المجرمين الذين آذوا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبه أيما إيذاء، وانتشر الخبر المحزن في مكة، وكأنما أبولهب وهو يسمع خبر المعركة، تنفس بعض الصعداء إذ لم يكن معهم، فيموت مثلهم. لكن كما في الروايات التاريخية، وتأكيداً لما عرفه الجميع من القرآن أن هذا الرجل وزوجته هالكان لا محالة، ولن تغني عنهما أموالهما الكثيرة بأي صورة من الصور، فقد أصاب أبا لهب مرض معد انتشر في جسمه، جعل الناس تتجنبه، حتى أهله والمقربين منه، إلى أن هلك. وخاف أهله الاقتراب منه لدفنه خشية أن يصيبهم ما أصابه، فتركوه أياماً حتى تعفنت جثته، فما كان منهم إلا أن حفروا حفرة قذفوه فيها بواسطة عصي، ثم رموه بالحجارة من بعيد بدلاً من التراب، في نهاية بائسة مذلة لم يقدر أقرب المقربين إليه إكرامه وقت دفنه، كما هو المعتاد مع أي ميت، تأكيداً لما قرره القرآن منذ سنوات، بأنه لن يغني عنه ماله ولا أولاده في تغيير نهايته الدنيوية، لينتقل بعد ذلك إلى عالم البرزخ، ينتظر بصورة وأخرى، نهاية ستكون أكثر بشاعة بالآخرة، جزاء ما اقترفته يداه.
خلاصة قصة أبي لهب
خلاصة قصة أبي لهب كما في سورة المسد، أن كل ذلك المال والجاه والصيت لم تنفعه، ولم يكن لذلك كله أي تأثير في دفع البلاء عنه - كما يقول فخر الرازي في مفاتيح الغيب - مفسراً آية (ما أغنى عنه ماله وما كسب) فإنه لا أحد أكثر مالاً من قارون، فهل دفع الموت عنه؟ ولا أعظم ملكاً من سليمان، فهل دفع الموت عنه؟ وعلى هذا يمكن القول بأن في الآية إخبارا بأن المال والكسب لا ينفع في ذلك.
درس مختصر بليغ خلاصته أن من يعادي الحق ويصطف مع الباطل، رغبة أو رهبة، ولا يستثمر عمره وماله وقوته فيما ينفع آخرته، فلا معنى لحياته. إذ لا قوتك ولا مالك ولا جاهك ولا منصبك ولا سلطانك ولا جيشك ولا حشمك وخدمك ولا أهلك أو قبيلتك تنفعك في آخرتك، إن كنت تؤمن بآخرة وبجنة ونار - أعاذنا الله وإياكم منها - ورزقنا رؤية الحق حقاً فنتبعه، ورؤية الباطل باطلاً فنجتنبه. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
231
| 10 سبتمبر 2026
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
483
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
417
| 26 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3342
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1197
| 01 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1023
| 06 أكتوبر 2026