رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صدر تقرير لجنة شيلكوت حول العراق The Iraq Inqiryبعد انتظار سبع سنوات، وهو بالمناسبة التقرير الحكومي الأهم حتى الآن والذي قام بمراجعة ملف الحرب على العراق عام 2003 وأجرى تقييما لمبررات الحرب وضرورتها إلى جانب الطريقة التي اعتمدت في صناعة القرار السياسي وأخيرا النتائج التي ترتبت على الغزو.
شمل التقرير على 2.6 مليون كلمة واحتوى على 1500 وثيقة وكان خلاصة دراسة سبع سنوات ولقاء 120 شاهدا، وقد كنت التقيت مع اللجنة مرتين الأولى في لندن والثانية في بغداد خلال زيارة اللجنة.
اعتبر التقرير الحرب بأنها لم تكن ضرورية وبأن إدارة العراق ما بعد الغزو كانت فاشلة، كما تم شن الحرب في غياب التوافق الدولي وتجاهل متعمد لدور مجلس الأمن كما اتخذ القرار متأثرا مرة بتقارير استخبارية مظللة ومرة بتضخيم متعمد لقدرات العراق في أسلحة الدمار الشامل.
لم نلتفت كثيرا للتقرير نحن أصحاب القضية في العراق وتعاملنا معه بالإحباط وخيبة الأمل، ليس فقط لأن ما يشغلنا أكثر هو الوضع الكارثي الذي بتنا عليه في العراق وهو بالمناسبة نتيجة مباشرة للغزو بل لأن التقرير أهتم بالشأن البريطاني أكثر بكثير من اهتمامه المفترض بالنتائج، بل إن صحيفة التايمز اعتبرت التقرير بمثابة "حرب بلير الشخصية" ولهذا أثار التقرير جدلا في بريطانيا كأي مسألة داخلية تستقطب في العادة اهتمام الأحزاب والشعب البريطاني، حيث اعتبرت صحيفة التلغراف التقرير بمثابة لائحة اتهام شاملة للسياسات البريطانية في الفترة التي سبقت الصراع وتداعياته.
التقرير بإيجاز انتقد قرار الذهاب للحرب وسلط الضوء على القصور في الجوانب الإجرائية والخلل في أداء المؤسسة الحكومية المعنية بموضوع الحرب والغرض في رأيي كان ينصرف إلى تحسين وتطوير الأداء الحكومي فحسب، من خلال إصلاح المؤسسة الحكومية البريطانية من أجل تحصينها من مغبة الوقوع في خطأ مماثل في المستقبل، وفي حديثه في برنامج "بلا حدود" قال ترافيرس"إن تقرير تشيلكوت كان له أثر حتى قبل إعلانه، وهو ما جعل من غير المرجح مشاركة بريطانيا في حرب أو عمل عسكري مستقبلا، وبالتالي أدى إلى خسارة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون التصويت في البرلمان بشأن مشاركة عسكرية في سوريا"، إلى جانب ذلك تغافل التقرير نقد قرار الحرب من الناحية القانونية أو الشرعية أو تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على ذلك القرار.
لقد ذكرت صحيفة الجارديان تقرير تشيلكوت بأن محصلته كانت: دولة دمرت (إشارة إلى العراق) وثقة تهدمت (إشارة إلى بريطانيا) وسمعة تحطمت (إشارة إلى بلير)، بمعنى أن الضحية في المقام الأول كان العراق ورغم ذلك فإن التقرير لم يول المسألة العراقية كما أسهب في المسائل الوطنية البريطانية.
من وجهة نظرنا كعراقيين لقد كنا نتطلع أن ينصفنا التقرير في مسائل ثلاث: إدانة الغزو واعتبار الحرب لا شرعية ولا قانونية واعتبار توني بلير مجرم حرب ثم تحميل الدول الغازية كلفة إعادة البناء وتعويض الخسائر المادية والبشرية، لكن التقرير لم يشر إلى أي من هذه المسائل التي من دونها يبدو التقرير باهتا ومنحازا.
مع ذلك نتمنى أن يحظى اقتراح جيرمي كوربين زعيم حزب العمال القاضي بإدانة توني بلير ومحاسبته بالدعم البريطاني المطلوب، واستثمار ذلك كنافذة يمكن من خلالها المطالبة بالتعويض.
إن ما يهمنا أكثر هو تحميل الغزاة كامل المسؤولية عن نتائج الغزو ومآلاته وتحميلهم تبعات إعادة ترميم العراق وبنائه، وطالما أقر التقرير بفشل (الأجهزة الاستخبارية والجيش والقيادة السياسية) إذا لابد من تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على الغزو.
وبالمناسبة كان بلير قد اعترف بأخطائه في مؤتمر صحفي عقده بعد نشر التقرير بقوله (أنا أتحمل كامل المسؤولية وأعبر عن ألمي وأسفي وأقدم اعتذاراتي) وهو كان يشير إلى إدارة العراق في فترة ما بعد الغزو والخسائر التي تحملتها العوائل البريطانية "179 قتيل والمئات من الجرحى" إضافة بالطبع للخسارة الهائلة التي تحملها العراق وعلى هذا الأساس وبصرف النظر سواء كانت الأخطاء مقصودة أو غير مقصودة فإن بريطانيا تصبح مسؤولة عن مضامين تلك الأخطاء وترميم ما نتج عنها من خراب ودمار في مختلف جوانب الحياة والسيادة ومن بينها تحرير العراق من الغزو الإيراني.
وربما يسأل البعض أين أخطأت الدول الغازية في العراق لو افترضنا فيها حسن النية في تنفيذ ما وعدت به؟ والجواب على ذلك ابتداء من قرار الحرب على العراق الذي لم يكن مبررا ذلك أن الحرب لم تكن ضرورية لأن العراق في ذلك الوقت لم يكن يشكل أساسا أي تهديد للمصالح البريطانية ولا الغربية ولا حتى الدول المجاورة، وحتى لو كان هذا هو الحال فقد كان أمام حكومة بلير خيارات سياسية لم تستنفذها عشية شن الحرب على العراق، هكذا خلص التقرير.
حكومة بلير لم تستنفذ الوسائل السياسية والدبلوماسية وذهبت لحرب لم تكن ضرورية بل حتى لم تكن شرعية ولا قانونية، وعندما حصل الغزو فإنه تم عن قصد تجاوز الهدف المحدد والمعلن وهو إسقاط نظام إلى تدمير وتفكيك دولة قائمة، الغزاة وعدوا بشيء لكنهم نفذوا شيئا آخر.
لقد أخطأت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا عندما قررتا الحرب على دولة ذات سيادة خلاف القانون الدولي وفي غياب قرار مجلس الأمن، كما أخطأتا لاحقا في إدارة العراق ما بعد الغزو، ولهذا كان الخطأ مضاعفا.
أخطاء ما بعد الغزو - إن كانت حقا أخطاء ولم تكن جزءا من أجندة سرية – هي أخطاء لا حصر لها ولعل أبرزها النهب والتخريب المنظم بعد أيام من الغزو، تصفية الكوادر العلمية النادرة، تصفية قادة الجيش السابق وخيرة طياريه على وجه الخصوص، ثم حل الجيش وغياب العدالة الانتقالية وتسليم السلطة لأحزاب وشخصيات تم انتقاؤهم ليس على أساس الوطنية والكفاءة إلى جانب تأسيس نظام حكم على أساس المحاصصة والتنسيق السري مع إيران وإجبار العرب على الغياب عن المشهد العراقي، اعتذر توني بلير عن الأخطاء رغم أنه لم يعتذر عن الحرب نفسها، وطالما حصلت أخطاء فإنه لا مفر من محاسبة المخطئ إضافة لكذبه إذ اعتبرت التلجراف البريطانية أن الاتهام الرئيسي ضد بلير هو أنه كذب متعمدا على الشعب والبرلمان بشأن التهديد الذي يشكله صدام مباشرة لبريطانيا والغرب، وأضيف بل كذب على العالم أجمع في كل ما يتعلق بالحرب على العراق.
أما نتائج الأخطاء التي مازالت ماثلة في المشهد العراقي فهي كثيرة ومتنوعة وتشمل مختلف الجوانب الأمنية والمؤسساتية والقيمية؟ إلا أن التحدي الأكبر هو الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والانقسام المجتمعي الحاد والفساد المستشري وشيوع حالة العنف والنفوذ التخريبي غير المسبوق لإيران.
وفي هذا الصدد جاءت شهادة صحيفة "إندبندنت" بقولها، إن ذبح الأبرياء العراقيين، الذي تواطأت فيه بريطانيا، كان أكبر خطأ في التاريخ العالمي الحديث، ولا يمكن أن يُغفر أبدًا"، شهادة نحن بأمس الحاجة إليها لكن من حقنا أن نسأل وماذا بعد؟
أمامنا كعراقيين فرصة البناء على الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير واستثمارها لغرض الحصول على قرار قضائي يجرم توني بلير وجورج بوش ويلزم الدولتين بالتعويض أولا وبمساعدتنا في بناء دولة حديثة مستدامة لكل العراقيين على أساس المواطنة ثانيا، لا أمل في مجلس الأمن، ولهذا الحاجة ماسة لفريق من المحامين الدوليين المتخصصين، ومتى ما تجاهلت الحكومة العراقية ذلك وهو المتوقع فلابد أن تتحمل المنظمات الحقوقية المعنية بحقوق الإنسان والمتعاطفة مع الشعب العراقي ذلك.
الخراب والدمار، التحديات التي تواجهنا في العراق تثقل كاهل العراقيين وتتجاوز إمكاناتهم في إعادة البناء والتعمير لهذا لا مفر من دخول المجتمع الدولي على الخط ولاسيَّما الدولتين المعنيتين بحرب لم يكن لها مبرر كما ذكر التحقيق لإصلاح ما أفسدته.
أخيرا، ربما يسأل البعض – وقد سئلت هذا السؤال كثيرا - رغم انتقاداتك لكنك شاركت في حكومة صنعها المحتل على عينه فكيف تبرر هذه المشاركة؟ لا أنكر ذلك وسبب مشاركتي كان يستند على قناعتي بأن المشاركة كانت ضرورية للعراقيين كي يعيدوا صناعة بلدهم الجديد بأيديهم كعراقيين ولا يتركون هذه المهمة للغزاة ولا يسمحون للآخرين وعلى وجه الخصوص إيران بالتدخل. النظرة كانت صحيحة في حينه على أساس القناعة بأن هناك فرصة حقيقية للعمل لكن ثبت بمرور الوقت أن المهمة تتجاوز إمكاناتنا وأن هذه القناعة لم تكن في محلها والفرصة لم تكن متاحة أصلا لبناء عراق.. الأمل، وهو أمر يدعو لأسف بالغ.
من الحفظ إلى التفكير.. كيف يتغير التعليم في مدارسنا؟
شهد التعليم خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة فرضتها متطلبات العصر وتسارع التطور التكنولوجي. ولم يعد الهدف من التعليم... اقرأ المزيد
45
| 19 يونيو 2026
حياءٌ يردع الخطايا
ليس أعظم أثرًا في تزكية النفس من خلق الحياء؛ فهو الحارس الخفي الذي يقف بين الإنسان وبين الوقوع... اقرأ المزيد
42
| 19 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. الفراغ لصناعة المستقبل
تمثل الإجازة الصيفية فرصة مهمة في حياة الأبناء، فهي ليست مجرد فترة للراحة والاستجمام بعد عام دراسي حافل،... اقرأ المزيد
36
| 19 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17568
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8046
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4413
| 15 يونيو 2026