رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جابر محمد المري

مساحة إعلانية

مقالات

255

جابر محمد المري

البصيرة الإستراتيجية… قراءة مستقبل المجتمع من واقع الأسرة

13 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لا تبدأ القضايا الاجتماعية والأسرية عندما تتحول إلى أزمات معلنة؛ فكثير منها يتشكل بهدوء في تفاصيل الحياة اليومية، وفي تغير الأولويات والعلاقات والتطلعات. وهنا تبرز قيمة البصيرة الإستراتيجية وهي أن نرى في هذه التفاصيل إشارات تستحق الفهم، وأن نحسن قراءتها قبل أن تصبح تحديات يصعب التعامل معها.

البصيرة الإستراتيجية ليست تنبؤاً بالغيب، بل قدرة على فهم الواقع بعمق، وربط الظواهر ببعضها، وتقدير آثارها المستقبلية. وفي العمل الاجتماعي والتنموي، تعني أن نتجاوز السؤال: «كم حالة تعاملنا معها؟» إلى أسئلة أكثر أهمية: لماذا تتكرر هذه الحالات؟ وما الذي يتغير في حياة الناس؟ وهل تعالج تدخلاتنا الأسباب أم تكتفي بالتعامل مع النتائج؟

فعندما نناقش تأخر الزواج أو تراجع الإنجاب أو الخلافات الأسرية، لا يكفي النظر إلى كل قضية بمعزل عن الأخرى، أو اختزالها في سبب واحد. البصيرة الإستراتيجية تدفعنا إلى دراسة الصورة الأوسع مثل تكاليف المعيشة والسكن، وطبيعة العمل، وتوقعات الشباب، والتوازن بين المسؤوليات المهنية والأسرية، ومدى توافر خدمات الدعم. ومن هذا الفهم تنشأ حلول أقرب إلى حياة الناس وأكثر قابلية لإحداث أثر.

وفي قضايا الطفولة، لا تقتصر هذه البصيرة على معالجة السلوك بعد ظهوره، بل تبحث في البيئة التي يتشكل داخلها: حضور الوالدين، وعلاقة الطفل بالمدرسة، واستخدامه للتقنية، وفرص الحوار داخل الأسرة. فالسلوك الذي نراه اليوم قد يكون رسالة عن احتياج لم نفهمه بعد، والتدخل المبكر يبدأ بالإنصات إلى هذه الرسالة.

وتتجلى البصيرة أيضاً في كيفية قراءة أداء المؤسسات الاجتماعية. فقد ينخفض الإقبال على خدمة ما، فيُفسَّر ذلك على أنه تراجع في الحاجة إليها، بينما قد يكون السبب صعوبة الوصول، أو ضعف الثقة، أو تغير احتياجات المستفيدين. وقد ترتفع أعداد المشاركين في برنامج توعوي، لكن السؤال التنموي الأهم يظل: هل انعكست المشاركة على المعرفة والسلوك وجودة الحياة؟

لهذا، تحتاج المؤسسات إلى الجمع بين البيانات وصوت المجتمع. فالأرقام تكشف حجم الظاهرة واتجاهها، وتجارب الأسر والشباب والمختصين تساعد على تفسيرها. وكلما اتسعت مساحة الاستماع، أصبحت القرارات أكثر اتصالاً بالواقع، وأقل اعتماداً على افتراضات قد لا تعكس ما يعيشه الناس.

كما تتطلب البصيرة الإستراتيجية تعاوناً يتجاوز حدود المؤسسة الواحدة. فقضية أسرية قد تتصل بالتعليم والعمل والصحة والإسكان، ولا يمكن فهمها أو معالجتها بصورة متكاملة دون تنسيق بين الجهات المعنية. والغاية أن تتحول المعرفة المشتركة إلى سياسات وخدمات متناسقة، تُراجع نتائجها وتُطوَّر وفق أثرها الفعلي.

إن التنمية تبدأ من الإنسان، والأسرة هي المساحة الأولى التي تتشكل فيها فرصه وقدرته على التعلم والعمل والمشاركة. ولذلك، فإن استقرار الأسرة وجودة حياتها ينبغي أن يكونا حاضرين في التفكير التنموي، وفي تصميم السياسات وقياس نجاحها.

فاصلة أخيرة

البصيرة الإستراتيجية تمنحنا القدرة على التقاط السؤال مبكراً، وفهمه جيداً، واختيار الاستجابة المناسبة له. والمجتمع الذي يحسن قراءة تحوّلاته اليوم، يكون أقدر على بناء مستقبل يطمئن فيه أفراده، وتتماسك فيه أسره، وتتسع فيه فرص التنمية.

 

مساحة إعلانية