رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل ثلاثين عاماً قدَّم العلامة الشيخ (أبو الحسن الندوي) -رحمه الله- محاضرة عن القدس برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وكان مما قال فيها: "إن الحل لقضية الأقصى هو عودة صلاح الدين".
وقطعاً يريد الشيخ الندوي فكر صلاح الدين، ومنهج صلاح الدين، وخُطَى صلاح الدين في تحرير القدس والأقصى.
وحول هذا المفهوم قال المؤرخ والأديب (خير الدين الزركلي) يخاطب الأمة:
هَاتِيْ صلاحَ الدينِ ثانيةً فينا وجَدِّدِي حِطِّينَ أو شِبْهَ حِطِّينَا
إن الندوي والزركلي وسواهم ليسوا ممن يتغنَّى بالتاريخ، أو يُطالبُ بتعجيل خروج المهدي كما يُقال. لكنهم يفهمون أن من يُطالب بعودة عمر، هم من وجدوا صلاح الدين، وهو المعنى الذي لخصه (د. أحمد خيري العُمري) في كتابه الرائع (استرداد عمر).
إن الجميع يعرف أنه لن يعود عمر بشخصه وفضائله وتاريخه ومجده، ونزول القرآن موافقاً لعدد من آرائه واجتهاداته، لكن الجميع يعرف أنهم عندما يطالبون بعودة عمر فينا، بفكره، ومنهجه، وهَمـه، وهِمته، ورسالته، وجميل صفاته، فإنهم يراهنون على تلامذة خرجوا بعد حين على خطاه، أمثال نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، وعز الدين القسام، وأحمد ياسين، ممن رأى فيهم الناس المضيّ على السَّنَنِ نفسه في العلم والعمل.
وفي فترة الحملة الصليبية السابعة على الشام، خرج (لويس التاسع) مخاطباً النصارى في الكنيسة بباريس مطالباً الأسقف ورجال المال أن يدفعوا ضريبة للحرب على المسلمين، ثم ناشدهم الوقوف في الصفوف الأولى حتى تدور المعركة وتحقق غايتها.
وفي المقابل وفي التوقيت نفسه خرج الإمام (الصالحي) قاضي (جَبَلة)، وجمع العلماء والوجهاء والتجار، وكان قبلها قد شارك مع عدد من الجند في مواجهة عسكرية على أطراف الشام، وبعد أن جمعهم في المسجد، قال لهم من شعر الأبيوردي:
مَزَجْنَا دِمَاءً بالدُّمُوعِ السَّواجِمِ فَلَمْ يَبْــقَ مِنَّا عَرْضَة ٌ لِلَمـــراجِــــــمِ
وَشَرُّ سِلاحِ المَرْءِ دَمْعٌ يُفيِضُهُ إذَا الحَرْبُ شُبَّت نارُها بِالصَّوارِمِ
إن الإمام (الصالحي) يُشرِّح في هذين البيتين الواقع، ويصف العلاج الناجع.
لقد أدرك أن أكبر خطر أمام عملية التحرير والمقاومة والحريات والدفاع عن كرامة الشعوب واستقلال الأرض، ألا يبرز القادة والقدوات في ميدان العمل، ولذلك مزج مع إخوانه القادة دماءهم بدموعهم ونزلوا لعرصات القتال، وحين رآهم الناس لم يبق أحد ينال منهم، وينشغل بشتمهم، بل هم وأبناؤهم والأقربون منهم نالهم الأذى، واكتشف الناس أنهم كانوا من ضمن الجنود البررة الذين نافحوا عن الحرية والكرامة، فزاد هذا الواقع من رصيد حبهم، والثقة بهم، والولاء لقضيتهم.
ثم إن الإمام (الصالحي) توجه في خطابه للناس بأن شر ما يقدِّمه الإنسان القليل، وبيده الكثير، أو أن يُقدم ما يُقدِّمه كل الناس وهو يستطيع تقديم الأولى والأهم والأعز، إذ ماذا يفيد إذا الحرب شبت نارها بالصوارم، وفيها لمعات السيوف، وهناك من يفخر بتقديم الإغاثة والمعونات الإنسانية، وبيده تقديم السلاح والمـهج، وفي ذات السياق يقول المتنبي:
عَــجِبْتُ لـمَــــنْ لَهُ قَــــــدٌّ وَحَـــــــدٌّ وَيَنْبُو نَبْــــــــوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
وَمَنْ يَجِدُ الطّرِيقَ إلى المَعَالي فَلا يَذَرُ المَـــــــــــــطيَّ بِلا سَنَامِ
وَلم أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئاً كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ
فمن أراد أن يكون صانعاً للمجد، محركاً للحياة، عليه أن ينزل للساحة، ويدخل في العمق، لأن التأثير كما يقول (سيبويه): له عمقٌ ودُخول.
"وهذا وصف دقيق واصطلاح صغير لمعنى كبير، فشأن محرك الحياة أن (يدخل) ليملك محاور التشغيل وعُقد السيطرة، وليس هو المتفرج أو المراقب له من خارج أو المتسمِّر على كرسي يشاهد خبرها من خلال روايات الإعلام لأخبار (الداخلين)، بل يكفيه أن يعلم أن (عبد الرحمن) قد دَخَل المدار الإبداعي، وجَسَر، وكان صقراً، لا حَمَامة، فَمَلَكَ الأندلس وبقيت دهراً في يد أبنائه"، كما يقول الأستاذ: محمد أحمد الراشد.
وبتحليل هذا العمق والدخول في نموذج الساحة الفلسطينية رأينا الآثار العجيبة التي تبنَّى تتبعها المفكر (د. عبد الوهاب المسيري) -رحمه الله- في كتابه المحرَّر: "من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية - أثر الانتفاضة على الكيان الصهيوني"، ومن ضمن وقفات (د. المسيري) في الكتاب:
1- وصف أحد الكتاب الموقف من المقاومة الفلسطينية بقوله في عبارة دالة على فقدان الإحساس بالأمن في إسرائيل: صغيرة هي المسافة بين الخوف والذعر، والجمهور الإسرائيلي يعيش بين هذا وذاك (معاريف: 11/2/2002م).
2- من النكت الشائعة الآن في إسرائيل، ما يقوله مستوطن لصديقه: سأحضر إلى منزلك بالأوتوبيس، وأمنيتي أن أنجح في ذلك! (الجيروساليم بوست: 1/1/2002م).
3- ظهر في إسرائيل ما يسمَّى (حضارة البقاء في المنزل)، وهي أن يفضل الناس البقاء في المنزل، ولا يذهبوا إلى المطاعم إلا نادراً، ولذلك فمعظم المطاعم فتحت خدمة (تيك أواي). وحتى حينما يذهبون إلى مطعم لا يجلسون في الموائد التي توجد في وسط المطعم، بل يفضلون الجلوس وراء العمود (مارتن آسر أون لاين: 26/3/2002م b.b.c).
4- بيَّنت (يديعوت أحرونوت: 14/2/2002م) أن شركات الأدوية أفادت بأن هناك ارتفاعاً بنسبة (50%) في استهلاك المهدئات والمسكِّنات.
5- نشرت كل من (هآرتس وبنئيم: عدد 17 صيف 2001م) عن ظاهرة يسميها علماء النفس ظاهرة (العجز المكتسب). وهو سلوك سلبي ينشأ من إدراك أنه لا وسيلة لتجنب آثار مؤلمة، ومن عدم اليقين بخصوص أي شيء. وفي التقارير المنشورة في القنوات والصحف الإسرائيلية أخبار مضحكة أكثر.
وبعد، فإن السَّير على (خُطَى صلاح الدين) ليس عنواناً عبثياً، ولا طرحاً تقليدياً، بل هو في حقيقته تأصيل لفكرة منطق المقاومة، واستمرار المقاومة، وثمرة المقاومة. وما فعلته (حماس) وفصائل الجهاد الإسلامي المباركة في المعركة الأخيرة أنها أبرزت القيادات والجنود الذين ساروا على خطى صلاح الدين، فأعادوا الثقة للأمة الإسلامية، كما كشفوا عن العديد من الأزمات التي مُني العدو الإسرائيلي بها. ولو كان (د. المسيري) حيًّا، لأضاف في طبعة جديدة من كتابه المزيد من الغم النفسي، وارتفاع معدلات الخوف، وأزمة الاقتصاد، وهروب المستوطنين الصهاينة.
إن المشروع الإسرائيلي قائم، كما يقول أحد زعماء الصهاينة على نظرية: "إن ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة". أما في المشروع الإسلامي فإن منطلق العزة والمنعة والحماية والأمن والأمان من المفهوم القرآني: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ).
وقبل قوة السلاح والتمكُّن والتطور ما استطعنا - وقد فعلتها حماس - تكون قوة الإيمان التي تمضي بأتباعها في كل نفق، وعلى كل جبل، كالعاصفة تدمر كل شيء بأمر ربها، تدمر الاحتلال وأوتاده وأعوانه، وتطهر الوادي المقدَّس بشبابه وصغاره من أرجاس القراصنة الصهاينة، ومن سار على دربهم من الفراعنة.
ومن كان على خطى صلاح الدين يوقن أن من يَطلبُ الموتَ توهب له الحياة الخالدة، والشهادة الكاملة.
والطريق معبَّدٌ للأمة لتتحرك، فالنور قد سطع، والبرهان الفلسطيني قد ظهر، وخطا التاريخ قد كُتبت، والعاقبة للعاملين المخلصين.
في بيتنا داعشي!!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); شاب عاقل تربى على الوسطية وحافظ للقرآن، شاهد كغيره مآسي المسلمين في العراق... اقرأ المزيد
780
| 22 يناير 2015
د.سعد الهلالي ..أين غاب رشده؟!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); إنه ومنذ إعلانه نزول الملائكة لحماية السيسي، والدكتور سعد الهلالي سقط من أعين... اقرأ المزيد
1126
| 18 ديسمبر 2014
الخوف من العقبات الأمنية
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); الداعية إنسان في أصله.ولذا لا غرو أن يدبَّ بين جوانحه - بين الفينة... اقرأ المزيد
890
| 20 نوفمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3162
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026