رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتشابك الأكواد مع الخرائط، وتتقاطع الخوارزميات مع مسارات النفوذ، لترسم ملامح عالمٍ جديد تتداخل فيه التقنية بالسياسة، وتتماهى فيه البيانات مع السلطة. لم يعد الفضاء السيبراني امتدادًا للواقع فحسب، بل واقعًا موازياً تُدار في فضائه القرارات، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم القوة والسيادة والأمن. ففي زمنٍ تُقاس فيه الهيمنة بقدرة الخوارزميات على الرؤية والتحليل والتوجيه، يتراجع السلاح المادي أمام نفوذ الكود، ويغدو الأمن الرقمي معيارًا حاسمًا لاستقرار الدول ومكانتها في النظام الدولي الجديد.
عند هذه العتبة من التحوّل، يبرز الاستقرار السيبراني كأحد أكثر المفاهيم إشكالًا في الفكر السياسي المعاصر؛ فهو لا يعني غياب التهديدات، بل القدرة على إدارتها ضمن فضاءٍ متغيّرٍ بطبيعته، ولا يقوم على الردع وحده، بل على بناء الثقة كشرطٍ للأمن المشترك. إنّ الانتقال من إدارة التهديد إلى هندسة الثقة يمثل جوهر المقاربة الجديدة للأمن في العصر الرقمي؛ مقاربة لا ترى في الفضاء السيبراني ميدانًا للصراع فقط، بل بنية حيوية لاستمرار العالم الحديث، تُعاد فيها صياغة مفاهيم النظام والاستقرار، كما تُعاد كتابة الأكواد التي تحكمه.فمسألةُ بناءِ نظامٍ سيبرانيٍّ عالميٍّ مستقرٍّ ومتوافقٍ مع بنى النظام الدولي الراهن تُعَدّ إحدى أكثر القضايا إلحاحًا على جدول أعمال المجتمع الدولي في المرحلة المعاصرة. فالتطور المتسارع في التكنولوجيا الرقمية، واتساع الفضاء السيبراني ليغدو البنية التحتية الخفيّة لكلّ أنشطة الاقتصاد والسياسة والأمن والمعرفة، جعلا منه ميدانًا تتقاطع فيه مصالح الدول وتتشابك فيه حدود السيادة على نحوٍ غير مسبوق. وقد أفرز هذا التشابك المتنامي تحدّيات عميقة تتعلق بكيفية إدارة الترابط العالمي وضبط مخاطره، في بيئةٍ رقمية تتغيّر سرعتها أسرع من قدرة الأنظمة السياسية والقانونية على التكيّف معها.
بناءً على هذه المعطيات التي تُظهر أن الاقتصاد الرقمي بات يُشكّل أكثر من 15 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، غدا الاستقرار السيبراني مسألةً مركزية لا تُختزل في بعدها الأمني، بل تمثّل شرطًا أساسيًا لاستدامة النمو الاقتصادي والتطور التقني للدول. فهو اليوم لا يقلّ أهمية عن الاستقرار النووي أو المالي، إذ يحدّد مدى قدرة الدول على حماية بناها التحتية الحيوية، وصون مؤسساتها السياسية والديمقراطية، وضمان أمنها الاقتصادي والاجتماعي في عالمٍ تراجعت فيه فاعلية القوة الصلبة التقليدية، لتحلّ محلّها أشكالٌ جديدة من النفوذ القائم على السيطرة على البيانات، والبنى التحتية الرقمية، وتدفّقات المعلومات العابرة للحدود.
على مدى العقود الثلاثة الماضية، تحوّل الإنترنت من مشروعٍ أكاديمي محدود إلى نظامٍ عصبيٍّ كونيّ يغذّي أكثر من 5.35 مليار إنسان ويربط ما يزيد على 75 % من سكان الكوكب، فاتحًا الباب أمام مكاسب غير مسبوقة للبشرية في مجالات التواصل والإنتاج والمعرفة. ومع توسّع الاقتصاد الرقمي ليشكّل أكثر من 15 % من الناتج العالمي، أصبحت الشبكات الرقمية عصب الحياة الحديثة ومحرّكها الخفي. غير أن هذا الترابط نفسه أوجد هشاشةً جديدة؛ إذ باتت الأنظمة الوطنية متشابكة على نحوٍ يجعل من أيّ خللٍ في شبكةٍ محلية تهديدًا محتملًا للنظام العالمي بأسره. وتشير التقارير إلى أن عدد الهجمات السيبرانية ارتفع بنسبةٍ تفوق 28 % في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، بمتوسطٍ بلغ 1250 هجومًا أسبوعيًا على كل مؤسسة حول العالم، فيما تجاوزت الخسائر الاقتصادية العالمية عشرة تريليونات دولار سنويًا بحلول عام 2025. ومع هذا التصاعد، برزت المعضلة الكبرى: كيف يمكن الحفاظ على استقرار عالمٍ تحكمه الأكواد بدلًا من الحدود، وتُدار فيه القوة بالمعلومة لا بالسلاح؟
تأسيسا على ذلك، أصبحت الحوكمة السيبرانية الدولية أحد الميادين البحثية الصاعدة في العلاقات الدولية، لأنها تمسّ جوهر مفهوم السيادة ذاته. فالفضاء السيبراني لا يعترف بالحدود الجغرافية، لكنه يتغلغل في مؤسسات الدولة وقطاعاتها الحيوية بعمقٍ غير مسبوق. هذا التناقض بين الطابع الكوني للبنية الرقمية والطابع القومي للسيادة السياسية جعل من الفضاء السيبراني ساحة تنافس بين القوى الكبرى على تحديد قواعد اللعبة الجديدة. فبينما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى فرض نموذج الانفتاح والحرية الرقمية الذي يكرّس هيمنة الشركات العملاقة في وادي السيليكون، تدفع الصين وروسيا باتجاه نموذج السيادة الرقمية الذي يضمن للدولة السيطرة على تدفقات المعلومات وحماية الفضاء الوطني من التأثير الخارجي. وهكذا، لم يعد الصراع حول التكنولوجيا صراعًا تقنيًا فحسب، بل صراعًا على تعريف مفاهيم الشرعية والسيادة والأمن في العصر الرقمي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2028
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
822
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
690
| 04 فبراير 2026