رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما أن تصل المكان، حتى تتفاجأ بأكواب الشاي الورقية تملأ الأرض، يلقيها بعض المارة دونما اكتراث فور انتهائهم من احتساء مشروبهم المفضل وهو(الكرك)، ذلك المشروب المؤلف من الشاي والحليب وبعض البهارات والذي استمد اسمه من اللغة الهندية، وأصبح شربه ثقافة عامة لدى المجتمع القطري والخليجي عموماً، وسلوكا متأصلا لدى كافة شرائح المجتمع، إلا أنه متهم من قبل أخصائيين التغذية بأنه سبب من عدة اسباب للسمنة التي يعاني المجتمع من ارتفاع معدلاتها.
أما المكان فهو وللمفارقة الساحة التابعة لأحد الأندية الرياضية، حيث تنتشر في تلك البقعة الصغيرة سيارات بيع الطعام والمقاهي المتنقلة، (فود تراك)، فعوضاً عن أن يكون هذا المكان مخصصاً لأنشطة رياضية، او أنشطة تجارية متعلقة بالرياضة، استثمرت بعض الأندية المساحات المحيطة بها بتأجيرها لأصحاب المطاعم المتنقلة، في خطوة يعتبرها كثيرون ترسيخا للعادات الغذائية والأنماط السلوكية السلبية والخاطئة.
وبالرغم من الجهود المضنية التي تبذلها الدولة في سبيل تعزيز أسلوب حياة صحي وتشجيع اتباع نمط غذائي متوازن والحث على ممارسة الرياضة كأسلوب حياة مستمر، نجد أن الهجمة الشرسة من قبل شركات تصنيع الأغذية او المطاعم ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي وحتى الناس أنفسهم دون وعي منهم بذلك، أدت الى إضعاف النتائج المرجوة من الإجراءات التي تتخذها الدولة في سبيل مكافحة السمنة وما يرتبط بها من أمراض، فهل تكفي الجهود المبذولة في صد تلك الهجمة الشرسة والتي تقف وراءها رؤوس أموال ضخمة، وشركات ومؤسسات عابرة للقارات؟، أم إن الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وحلولا مختلفة بهدف توعية الناس بالمخاطر المترتبة على اتباع أنماط غذائية واستهلاكية خاطئة والحد من تأثر تلك العادات؟.
تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2014 إلى أن الأشخاص المصابين بالسمنة في دولة قطر يشكلون نسبة تجاوزت الـ 40%، في حين تجاوزت نسبة الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن 78.1% بحسب الاحصاءات نفسها، في حين تعد السمنة السبب الخامس والرئيس للمخاطر الصحية على المستوى العالمي، كما انها سبب للإصابة بجملة من أخطر الأمراض كسرطان القولون، وسرطان الثدي، إلى جانب الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وبناءً على إحصائيات منظمة الصحة العالمية فإن من بين عشرة أشخاص في قطر هناك 7 أشخاص مصابون بزيادة الوزن، و3 من بين 10 أشخاص مصابون بالسمنة.
وقد حذرت إحصائيات وزارة الصحة والاتحاد الدولي لمرضى السكري من ارتفاع نسبة الاصابة بمرض السكري في قطر خلال السنوات الأخيرة، خاصة للأطفال الاقل من 14 سنة، كما حذر الاتحاد الدولي من إصابة ربع المواطنين بالسكري بحلول عام 2030.
وأمام هذه الحقائق يتبادر الى الذهن سؤال جوهري، عن جدوى الجهود المبذولة في مكافحة السمنة والامراض المرتبطة بها، وهل يجب علينا كحكومات وافراد ومؤسسات مجتمع مدني بذل مزيد من الجهود؟ أم تغيير الاستراتيجيات المتبعة لمواجهة هذه المخاطر؟.
جهود وزارة الصحة العامة
تبذل الدولة عبر وزارة الصحة العامة جهودا مضنية للحد من ظاهرة السمنة وخفض معدلاتها، إدراكاً منها لخطورتها على الفرد والمجتمع، حيث يتكبد العالم سنوياً 700 مليار دولار بسبب السمنة، وفي إطار تلك الجهود أنشأت الدولة مؤخراً المركز الوطني لعلاج السمنة التابع لمؤسسة حمد الطبية لتدعيم جهود مكافحة السمنة، في حين أجرى قسم جراحات الأيض والسمنة التابع للمؤسسة منذ افتتاحه في عام 2011، آلاف العمليات الجراحية التي تهدف للقضاء على السمنة كالتكميم وتحويل المسار وغيرها من التدخلات الجراحية، وفق أحدث التقنيات وآخر ما توصل له العلم في هذا المجال، إلا أن تلك الجهود يقوضها طوفان جارف من العادات الغذائية الخاطئة والنمط المعيشي المقاوم للتغيير.
وأمام تلك المعطيات، وبالنظر إلى أسلوب الحياة الذي تعيشه المجتمعات الحديثة، وما يترتب عليه من سلبيات كثيرة أبرزها مرض العصر "السمنة"، نجد أن الكثير ممن يعانون من السمنة يلجؤون في محاولتهم للقضاء عليها لاتباع الحميات الغذائية والرجيم، حيث يتوقع أن يبلغ حجم السوق العالمي للحمية الغذائية بحلول عام 2024(253) مليار دولار، في مقابل ذلك خلصت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا، الى أن معظم أنظمة الحمية القاسية تفشل في تحقيق هدفها، ووفقا للدراسة فقد بينت النتائج أن من يتبعون حمية غذائية يفقدون من 5 إلى 10% من وزنهم في أول ستة أشهر، الا ان ثلثي متبعي الحميات الغذائية استعادوا وزناً أكبر مما فقدوه خلال 4 إلى 5 سنوات.
ولذلك يرى كثير من الخبراء والمتخصصين في مجال علاج السمنة أن التدخل الجراحي للقضاء على السمنة لا يعد خياراً ترفياً زائداً عن الحاجة، بل هو أمر ضروري وخيار مثالي كحل أخير للقضاء على هذه المشكلة، وحتى مع الأخذ بالاعتبار المخاطر المترتبة على التدخل الجراحي الا أن المخاطر المترتبة على السمنة والأمراض المرتبطة بها أكبر بكثير وينبغي النظر لها بجدية وعدم الاستهانة بها.
ولكن قبل أن نحكم على التدخل الجراحي بأنه الحل الأمثل والطريق الأقصر لبلوغ الهدف المطلوب والولوج إلى عالم الرشاقة، ينبغي أن نطرح سؤالاً مهماً وهو: هل يعد التدخل الجراحي حلاً مثالياً ومستداماً للقضاء على مشكلة السمنة؟ وللأسف فإن الإجابة على هذا السؤال هي"لا"!، فعلى الرغم من أن التدخل الجراحي يساعد المريض للوصول الى هدفه المنشود، الا أنه لا يقدم ضمانة بأنه لن يعود لاكتساب ما فقده من وزن مرة اخرى بعد مدة في ظل استمراره بممارسة عاداته الغذائية الخاطئة، فالشواهد أمامنا كثيرة لمن أجروا عمليات التكميم وغيرها من الجراحات، ثم ما لبثوا ان استعادوا أوزانهم مرة أخرى، اذا ما الحل؟.
تعد العمليات الجراحية الرامية للقضاء على السمنة وسيلة مساعدة وليست حلاً دائماً، فمع استمرار المريض بعد إجرائه للعملية في تناول الأغذية الغنية بالسكريات عالية السعرات الحرارية، والوجبات السريعة فضلاً عن عدم ممارسة الرياضة بشكل منتظم والاستمرار في اتباع اسلوب حياة سيئ، سيعود لا محالة الى سيرته الأولى، فالعملية الجراحية هي وسيلة تساعد مريض السمنة على تغيير نمط حياته الى الأبد وتحسين جودة حياته بشرط إدراكه لذلك ورغبته الجادة في تحقيق التغيير، ودون إجراء هذا التغيير والتعويل على الجراحة فقط فإن الجهود التي بذلها المريض مصيرها الى الفشل وستذهب سدى.
وأمام تلك الإشكالية المعقدة والحلقة المفرغة، ينبغي علينا النظر لهذه القضية بجدية أكبر، ودعم الجهود التي تبذلها الدولة للقضاء على السمنة وخفض معدلاتها في المجتمع، وعدم القاء اللوم على مريض السمنة واعتباره سببا لما هو فيه وتصويره كشخص كسول يرفض الحلول المطروحة أمامه، باتباع حمية غذائية وممارسة الرياضة فقط بتلك البساطة، فالسمنة مشكلة عالمية منتشرة انتشاراً كبيراً وهي نتيجة حتمية لنمط الحياة الذي نعيشه، كما انها مرتبطة بأبعاد نفسية وسلوكية عديدة، ولذلك ينبغي تضافر الجهود لإيجاد حلول ناجعة لهذه المشكلة، والا تبقى جهودا متفرقة فهذا يبني وذاك يهدم.
لابد ان تطرح وزارة الصحة العامة خطة وطنية متكاملة بالتنسيق مع كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية، وإشراكها في وضع حلول جادة لهذه المشكلة وتنفيذها على ارض الواقع، وعدم الاكتفاء بالخطوات المتخذة لمواجهة الاستهلاك المفرط للأغذية المصنعة والأغذية عالية السعرات الحرارية والوجبات السريعة، خصوصا إذا ما اخذنا بعين الاعتبار النشاط المحموم والترويج المفرط لأنماط استهلاكية خاطئة، تعتمد عليها الصناعة الغذائية لتسويق منتجاتها، بجانب الدور السلبي الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهيره في نشر ثقافة سلبية في التعامل مع الغذاء كوسيلة للمتعة والترفيه، لا كحاجة انسانية بيولوجية، وعلينا ألا نتوقع سهولة تغيير قناعات الأفراد وتصحيح تصوراتهم أمام هذه الهجمة العكسية الشرسة والمستمرة بمجرد القيام بتصغير البطون دون تغيير العقول.
ينبغي إعادة النظر في الاشتراطات والمواصفات والمقاييس المتعلقة بالأغذية، فكثير من الدول الاوروبية على سبيل المثال، تصنف بعض المنتجات الغذائية على أنها أغذية غير صالحة للاستهلاك الآدمي، لذلك فمن الأجدر بنا لمكافحة شبح السمنة إعادة النظر في منتجات قد تكون هي السبب وراء جملة من الأمراض التي يعاني منها المجتمع. فضلاً عن ضرورة إعادة النظر في القوانين والتشريعات المتعلقة بالأنشطة التجارية المتخصصة في مجال الأغذية، وعدم قصر الرقابة الغذائية على جوانب النظافة والجودة دون تشديد الرقابة والتدقيق في مكونات المنتجات الغذائية نفسها ومدى ملاءمتها لنا وتأثيرها على صحتنا، هذا فضلا عن ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها التسويق والترويج للأغذية وعدم ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الآلة الدعائية والحملات الإعلانية الشرسة، وترك الحبل على الغارب للمطاعم وشركات الأغذية لتطعمنا وتطعم ابناءنا ما يملأ جيوبهم دون تحمل مسؤولية تجاه ما يملؤون بطوننا به.
وعلى سبيل المثال لا الحصر تقوم مطاعم الوجبات السريعة بإغراء الزبون بزيادة حجم الوجبة مقابل زيادة طفيفة في السعر، الأمر الذي يشجع على تناول مزيد من السعرات، وقد بينت دراسة امريكية أن السعرات الحرارية في البطاطس المقلية التي تقدمها مطاعم الوجبات السريعة احتوت في عام 1950، على 210 سعرات حرارية، في حين انها بلغت في عام 2003، 610 سعرات حرارية! والأمر كذلك بالنسبة للمشروبات الغازية، ولذلك فقد قامت بعض الدول بمنع مطاعم الوجبات السريعة من تقديم هذا العرض ومضاعفة حجم الوجبة، وقد يرى البعض أن هذه الخطوة تحد من حريتهم وتتدخل في خياراتهم، الا أن المخاطر التي تترتب على استمرار هذا الوضع أكثر جدية من مسألة حرية الاختيار، وخلال جائحة كورونا تم اتخاذ عدد من الاجراءات التي تحد من حرية تنقل الأفراد وتلزمهم بعدد من الخطوات، الأمر الذي يُعتبر مقبولاً بالنظر الى المخاطر التي تهدد المجتمع جراء انتشار الوباء، فسلامة المجتمع أكثر أهمية من حرية الاختيار لأفراده، والسؤال هنا هو: الا تعد السمنة أشد خطراً وأكثر فتكاً وأكبر تكلفة على الدولة؟ ما يحتم علينا النظر لهذه القضية بجدية أكبر، والقيام بإجراءات اكثر صرامة، وسن قوانين تحد من تغول مطاعم الوجبات السريعة واغراءاتها، سعياً للحد من انتشار السمنة والقضاء عليها قبل أن تقضي علينا.
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي حرب لا تقتصر آثارها... اقرأ المزيد
153
| 02 مارس 2026
المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي لها إسقاط النظام، ورسميًا أعلنت إيران مقتل المرشد الأعلى خامنئي،... اقرأ المزيد
207
| 02 مارس 2026
إياكم وركوب الترند
في البداية أريد أن أعرف لم لا يزال الكثيرون يرون المتعة في إخافة الناس وترويعهم وهم يعلمون أنهم... اقرأ المزيد
81
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
15633
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2598
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2115
| 25 فبراير 2026