رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تواجه دولة قطر منذ عدة سنوات ظاهرة متنامية في سوق العقارات السكنية، تمثلت في تقسيم الفلل وتأجيرها كوحدات متعددة بشكل غير مرخّص. هذه الممارسة، التي بدأت استجابة لضغط الطلب على السكن المتوسط والمنخفض التكلفة، تحولت تدريجياً إلى ما يشبه السوق الرمادية الموازية للسوق الرسمية، لتكشف عن اختلال هيكلي في توزيع العرض السكني، وتأثيرات اقتصادية واجتماعية تتعدى حدود العقار لتشمل كفاءة استخدام الموارد العامة والنسيج الاجتماعي بشكل مباشر.
اقتصادياً، تقوم الفلل المقسمة على تعظيم العائد من الأصل العقاري الواحد دون أي استثمارات إضافية في البنية التحتية، فالفيلات المصممة عادة لعائلة واحدة تتحول إلى وحدات متعددة تُؤجّر لأفراد وعائلات مختلفة، غالباً من جنسيات متعددة، ما يرفع العائد الشهري للمالك مقارنة بالإيجار التقليدي. هذا النموذج يوفر حلاً مؤقتاً للفئات الباحثة عن سكن منخفض التكلفة، لكنه في الوقت ذاته ينتج عرضاً غير منظم لا يعكس التكلفة الحقيقية للسكن، ولا يلتزم بمعايير السلامة أو الالتزامات الهندسية، ما يؤدي إلى تشويه السوق وتشجيع توسع السوق الرمادية على حساب المشاريع النظامية.
المشكلة الأوسع تكمن في أن هذا النوع من العرض ينافس السوق الرسمية بشروط غير متكافئة. فالمشاريع السكنية النظامية تتحمل تكاليف الأراضي والتراخيص والمعايير الهندسية والتزام خدمات البنية التحتية والصيانة، بينما لا يتحمل مالك الفيلا المقسمة أياً من هذه الالتزامات، ما يؤدي إلى تشويه الأسعار وتقليل حوافز الاستثمار في الإسكان المتوسط والميسر. مع مرور الوقت، تفقد السوق النظامية جزءاً كبيراً من الطلب الفعلي من الفئات التي تبحث عن سكن متوسط، بينما تتوسع السوق الرمادية على حساب الاستدامة الاقتصادية.
تتجاوز آثار تقسيم الفلل الجانب الاقتصادي لتطول الجانب الاجتماعي والمجتمعي. فالمناطق المصممة لاستيعاب عدد محدود من الأسر تتحول تدريجياً إلى أحياء عالية الكثافة تضم أفراداً وعائلات متعددة الجنسيات، مع اختلاف أنماط الحياة والاستخدام المكثف للمرافق المشتركة، مما يضعف الروابط المجتمعية ويقلل شعور الانتماء للفرجان، ويخلق بيئة قد تتسم بالتوتر الصامت. وتزداد حساسية هذه الظاهرة في المناطق الجديدة المخصصة لكبار الموظفين، والتي أنشئت ضمن برامج إسكانية حكومية لدعم الاستقرار الأسري وجودة الحياة. وجود فلل مقسمة في هذه المناطق يمثل تحدياً مزدوجاً: فهو يهدد الهدف الاجتماعي من المنح السكنية ويحوّل الأصل السكني إلى مصدر ريع مؤقت بدل أن يكون أداة استقرار مجتمعي طويل الأجل.
ويزداد تعقيد الوضع مع الاستخدام غير المنضبط للخدمات العامة المدعومة. ففي بعض الفلل المقسمة يتم تأجير الوحدات دون تحميل المستأجرين أي تكلفة للكهرباء أو المياه أو الصرف الصحي، كون هذه الخدمات مدعومة أصلاً للمواطنين. هذا الاستهلاك المضاعف يرفع الحمل على شبكات البنية التحتية، ويزيد تكاليف التشغيل والصيانة، ويمثل تسرباً مالياً واضحاً من الدعم الحكومي الذي كان من المفترض أن يخدم الفئات المستحقة، كما يمنح هذا الوضع مالكي الفلل المقسمة ميزة تنافسية غير عادلة مقارنة بالمشاريع النظامية، ويعمّق من توسع السوق الرمادية.
ولا يكفي التركيز على الجانب السعري فقط، بل يجب أن يشمل الحل توفير بدائل سكنية منظمة ومخططة، وهو دور يمكن أن تلعبه المؤسسات الحكومية وأذرعها الاستثمارية بالتعاون مع القطاع الخاص، من خلال تطوير مشاريع سكنية ميسرة في مناطق محددة، مصممة لاستيعاب كثافة أكبر، مع بنية تحتية ملائمة وخدمات مكتملة، وبأسعار تنافسية. هذا التوجه يعيد توجيه الطلب بعيداً عن السوق الرمادية، ويخفف الضغط على الأحياء العائلية، ويحافظ على كفاءة استخدام الموارد العامة، كما يتيح فرصاً استثمارية للقطاع الخاص ضمن إطار قانوني ونظامي، ويحول التدخل الحكومي من معالجة جزئية للنتائج إلى إصلاح هيكلي للسوق العقارية يوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية ويحافظ على هوية الأحياء السكنية.
ويتوافق هذا الحل بشكل مباشر مع أهداف رؤية قطر الوطنية 2030، إذ يحقق توازناً بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحضرية: فهو يعزز كفاءة السوق العقارية ويشجع الاستثمار النظامي، ويدعم الاستقرار الأسري ويحافظ على هوية الأحياء، ويوجه النمو السكاني نحو مناطق مخططة، ويضمن استخداماً مستداماً للبنية التحتية والخدمات العامة، ما يترجم رؤية الدولة في بناء مجتمع متماسك واقتصاد مستدام وتنمية حضرية متوازنة تخدم الإنسان قبل الأصل العقاري.
في النهاية، إن استمرار ظاهرة تقسيم الفلل دون معالجة هيكلية يعيد تشكيل المجتمع الحضري بشكل غير مخطط، ويضع الدولة تحت ضغط مالي خفي نتيجة استهلاك الخدمات، ويشوه حوافز الاستثمار في الإسكان المتوسط، بينما يمكن بتدخل حكومي واستثماري استراتيجي، بالتعاون مع القطاع الخاص، وبتطبيق سياسة سعرية تنافسية أقل من المشاريع الحالية إعادة التوازن للسوق العقارية وتحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي حقيقي، بحيث يصبح السكن الميسر خياراً أول للفئات الأكثر حاجة، ويحد من توسع السوق الرمادية، ويضمن أن تلعب المشاريع النظامية دورها في تلبية الطلب بشكل مستدام ومنظم.
الطلاق.. جرحٌ في جسد الأسرة
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد... اقرأ المزيد
108
| 12 فبراير 2026
حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى، وما... اقرأ المزيد
141
| 12 فبراير 2026
الغرب الذي فضحه إبستين
لهذا لم يكن هناك تعاطف لأطفال ورُضع غزة حينما كانت تُنتَزع أرواحهم انتزاعا ويُمثَل في أجسادهم الصغيرة لأنهم... اقرأ المزيد
153
| 12 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- باحث اقتصادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
13386
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1299
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
801
| 10 فبراير 2026