رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«إسرائيل تدمر نفسها»، هذا ما يراه الصحفي الإسرائيلي بصحيفة «هآرتس» ألوف بِنْ في دراسة مطولة تنشرها مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في عددها المقبل مارس/أبريل. يعتمد بنْ في دراسته على فكرة أساس هي أن إسرائيل لم تتعلم الدرس و«ستدفع ثمن غفلتها،،، وكبريائها». هو يقصد هنا درس السلام والتعايش وليس درس الحرب. اما ان إسرائيل لم تتعلم الدرس في شقه العسكري فحديث تكرر ربما عشرات المرات في السنوات الأخيرة تذكيراً بأخطائها في حروبها منذ 1973 وما بعدها. واما انها لم تتعلم الدرس في شقه السياسي فمعنى حديث قديم، تناوله كثيرون، منهم إسرائيليون، وخصوصا بعد عدوان 2014 على غزة. وقتها أجمعت شخصيات مثل جدعون ليفي المعلق السياسي في «هآرتس»، وزهافا غالؤون، رئيسة حركة «ميرتس»، أن إسرائيل ما زالت تؤمن بنظريتي «القوة المفرطة»، و«جز العشب»، وتدير ظهرها تماما لفكرة التسوية والتعايش. واعتبروا أن نظرية «ما لا يتأتى بالقوة يتأتى بالمزيد منها»، المبنية على الكبرياء والإجحاف، التي طبقتها إسرائيل في العقود الماضية، لم تُجدِ نفعا في كسر إرادة الفلسطينيين.
وإذا كان هذا قد قيل قبل نحو عشر سنوات فإن ألوف بنْ يكرره اليوم مستفيضا في شرح أن الغفلة الإسرائيلية عن تعلم الدرس السياسي أقدم من ذلك بكثير. ينطلق بنْ في ذلك من حكاية يرويها عن وزير دفاعهم الأسبق موشيه دايان، مفادها أن دايان ورغم كل ما ارتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين، كان ينصح بوجوب تفهم دوافع الفلسطينيين، ويحذر من أن سياسة البطش لن تردعهم أبدا عن الأخذ بالثأر، وأنه يجب التعامل بالحكمة السياسية المناسبة للوصول إلى تسوية يتحقق بها التعايش طويل الأمد.
ويخلص الكاتب إلى أن عواقب تجاهل تحذيرات دايان تحققت كأقسى ما يكون يوم 7 أكتوبر. ويضيف أنه مع استخدام القوة المفرطة مجددا، فإن الحكومة الإسرائيلية أثبتت مرة أخرى، غفلتها عن نصحية دايان، ومازالت تترفع عن قبول متطلبات منع وقوع هجوم آخر. ويرى بنْ أن السبب وراء ذلك كله هو «رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الفاشل». ثم يشدد في أكثر من موضع على أنه حتى تعيش إسرائيل في سلام، فعليها أن تصحح أخطاء نتنياهو وتتصالح مع الفلسطينيين وألا تظل معصوبة العينين عن تلك الأخطاء. ويقول إنه إذا لم تدرك تل أبيب أهمية التوصل لسلام مشرف مع الفلسطينيين فإن 7 أكتوبر قد يكون بداية عصر مظلم في تاريخ إسرائيل وليس حدثا عابرا، وأنها بعدم تفاهمها مع الفلسطينيين ستكون سائرة على طريق تدمير نفسها بنفسها. ويؤكد حالة الفشل السياسي المزمن تلك، وثائقُ أفرجت عنها تل أبيب في أغسطس الماضي، كشفت أن رئيسة وزرائهم السابقة غولدا مائير فكرت عام 1970 في القبول بدولة فلسطينية. لكن الواضح أنها وفريقها غلبهم الكبرياء فضيعوا فرصة كان يمكن أن تغير مجرى التاريخ. وهذا تناقض يشابه تماما تناقضات غولدا التي صرحت قديما بأنها فلسطينية، وحملت جواز سفر فلسطينيا من 1921 وحتى 1948، ثم نكصت لاحقا وقالت: لا يوجد شيء اسمه «فلسطينيون».
على نفس المنوال تحدثت شخصيات بارزة بينهم السياسي اليهودي الأمريكي بيرني ساندرز، وكتاب كثر في «الفورين أفيرز» و«النيويورك تايمز» و«الإيكونوميست»، في فترات متقاربة بعد بدء الحرب، عن فشل إسرائيل السياسي وضرورة اعترافها بحقوق للفلسطينيين والتوصل إلى تسوية تحقق التعايش السلمي. وكانت نصيحتهم الأساسية لتل أبيب هي أن تتعلم من أخطاء واشنطن في حروبها وأن تكون واقعية وأن لا تحلم بما لا يمكن تحقيقه (في إشارة إلى هدف تدمير حماس)، وألا تقضم أكثر مما تستطيع أن تبتلع.
وفي «الإنترسبت» يضرب محمد بزي وهو مدير مركز هاكوب كيفوركيان لدراسات الشرق الأدنى، مثالا على عدم استعداد تل أبيب للتخلي عن كبريائها وغفلتها، بإصرارها على تقويض «الأونروا» لأن وجودها، وهي تابعة للأمم المتحدة، يمنح الفلسطينيين وضع اللاجئين وحق العودة إلى ديارهم. أما القضاء عليها فهو يقضي «إجرائيا» على كل ما تبقى من فلسطين، حسبما تظن تل أبيب.
وحتى في أقصى شرق العالم نشرت صحيفة «جابان تايمز» اليابانية تقريرا تؤكد فيه أن إسرائيل لم تتعلم الدرس بعد، صدرته بالتالي: «إن الحمقى يتعلمون من التجربة، في حين أن الحكماء يتعلمون من التاريخ.. وهذا ما نشاهده الآن في عدم تعلم تل أبيب من دروس غزو العراق وعواقب العملية البرية في غزة، وستبوء بالهزيمة».
لكن هنا يجب التساؤل: هل الغفلة والكبرياء فعلا ما يجعل إسرائيل عاجزة عن التعلم من الأخطاء؟ أم ربما السبب شيء آخر. مثلا، «التذاكي» أو الغباء السياسي والحسابات الخطأ؟ لماذا نستبعد ما قيل عن أن هجوم 7 أكتوبر كان يمكن إيقافه ولكن تل أبيب تركته يقع لتحقيق أجندات خاصة بها. أجندات تظن أن وقتها قد حان لتصفية القضية برمتها وتهجير الفلسطينيين بالكلية من أراضيهم. ولذلك ملأت الدنيا نباحا بأنها ستقضي على حماس نهائيا، مستغلة ذلك لتنفيذ إبادة جماعة في غزة. الواضح أن إسرائيل، وكما أجمعت المصادر السابقة وغيرها، غلبت عليها شِقْوتُها، وأخطأت مجددا في حساباتها، ولم تتوقع استعدادات المقاومة وقدراتها، وهنا كانت مفاجأتها الحقيقية، التي ستجعلها تغص بما قضمت وتدمر نفسها عاجلا أو آجلا. هنا يؤكد بنْ مختتما دراسته أن لا أحد في إسرائيل يفكر في السلام وأنه تجب العودة لعصر «ما قبل نتنياهو» والاعتراف بوجود الفلسطينيين وطموحاتهم. لكنه يرى أن لاشيء سيتغير وأن سياسة القوة المفرطة ستستمر بوجود نتنياهو أو بزواله، وأن إسرائيل، بذلك، لن تجني إلا المزيد من الكوارث والدمار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10614
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3687
| 22 أكتوبر 2026