رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أثيرت منذ السنوات الأخيرة حملة تحت عنوان (إبادة الأرمن) تكاد تكون عالمية ضد تركيا اليوم التي تتقدم يوماً بعد يوم بقيادة حزب العدالة والتنمية ورئيسه الأستاذ رجب طيب أردوغان، ورفاقه الأستاذ عبدالله كَل، والأستاذ أحمد داود أوغلو وغيرهما، فقد تحقق للشعب التركي خلال السنوات (12) السابقة ما يأتي - بإيجاز شديد -:
- العناية بالتعليم، وبخاصة التعليم الجامعي، حيث جعلت الدراسة في جميع الجامعات الحكومية مجانية، في حين رفعت الجامعات الأوروبية والأمريكية الرسوم الدراسية بسبب الأزمة العالمية، وتسعى تركيا لتكوين 300 ألف عالم متفرغ تكون له إبداعاته، وكذلك العناية بالتعليم الديني وإعادة الاعتبار والاعتراف بالدراسات الشرعية حتى بلغت كليات الشريعة (الإلهيات) إلى مائة كلية، والعناية بتدريس القرآن الكريم في المدارس التركية.
- وفي مجال الاقتصاد ارتفع معدل دخل المواطن التركي من 3500 دولار أمريكي في عام 2002، إلى 11000 دولار في عام 2014 وارتفعت نسبة الأجور 300%، وتم بناء أضخم مطار في العالم، وفوز شركة الطيران التركية كأفضل شركات الطيران في العالم لثلاث سنوات متتالية، وقد تم تسديد حجم عجز خارجي كان أكثر من 47 مليار دولار، ولم يبق على تركيا اليوم عجر بل لديها فائض، وأصبح ترتيبها الآن 16عالمياً في الاقتصاد، وكان ترتيبها 111 قبل عشر سنوات والناتج القومي 1.1 تريليون، ونسبة البطالة من 38% إلى 2%. كما أن صادراتها بلغت اليوم 153 مليار دولار، وكانت سابقاً 23.5 مليار دولار.
وكذلك مما يفيد الاقتصاد والبيئة أنه تم إعادة تدوير القمامة لاستخراج الطاقة وتوليد الكهرباء، حيث استفاد من هذه الخدمة حوالي ثلث السكان، وتم زرع 2.77 مليار شجرة خلال السنوات العشر الأخيرة.
وفي مجال التصنيع، فقد تم تصنيع قمر صناعي عسكري لأول مرة، وتصنيع المدرعة والدبابة التركية، وأول طيارة من دون طيار، والعمل قائم لشق قناة عالمية تسهل عمليات النقل العالمي بالسفن مع الدخل الكبير.
- ومن الجانب الديني فقد أنجر الكثير فقد ذكرت بعضه، حيث تسير الدولة بالتدرج الشعبي نحو دينه وقيمه وتأريخه وهويته دون إكراه، وإنما عن قناعة ورضا تام.
- وعلى مستوى السياسة، فقد تم إحلال السلام بين شطري جزيرة قبرص، ولتركيا اليوم دور كبير في الصومال بإعادة الأمن والأمان إليها، ولها دور إيجابي أيضاً في آسيا، وأوروبا.
وبالنسبة للعالم العربي فقد تغيرت السياسة التركية في عهد ما قبل حزب العدالة والتنمية التي كانت داعمة لإسرائيل وللمشروع الصهيوني، إلى الدعم السياسي القوي والشعبي للقضايا العربية والإسلامية، وبخاصة القضية الفلسطينية، كما أن تركيا اليوم تقف مع اليمن، ودول الخليج وعاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية لإعادة الشرعية إلى اليمن السعيد، وكذلك فإن مواقفها مبدئية من سوريا، ومن الانقلاب في مصر، ومن ليبيا، وأما موقفها من العراق فهو موقف صحيح وقائم على المصالح المشتركة حيث يريد للعراق أن تكون المكونات الثلاث الكبرى مشتركة شراكة حقيقية في الحقوق والواجبات دون الإقصاء والاجتثاث لأي مكون منها، وبذلك وحده يتحقق الأمن والأمان للعراق، وأعتقد أن دعم تركيا لإقليم كوردستان قائم على المصالح المشتركة، وتبيّن أن استقرار الإقليم كان نافعاً لكل العراقيين، وبخاصة لأهل السنة الذين هاجروا ديارهم بسبب الإرهاب (داعش والحشد الشعبي).
- وبالنسبة لتحقيق الأمن والأمان داخل تركيا فقد كانت تركيا في حالة حرب خطيرة ضد حزب العمال الكوردستاني، وتصرف عليها المليارات، وراح ضحيتها وبسببها عشرات الآلاف من أبناء الشعب تركاً أو كرداً، بالإضافة إلى أن المنطقة الشرقية تعيش حالة من التدمير والفوضى، والفقر والبطالة.
فقد تم الصلح والسلام في هذه المنطقة، وعاد إليها الأمن والأمان وتم الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الكردي في ظل وحدة البلاد وقوتها، وانتهت هذه الحرب المدمرة بفضل الله تعالى ثم بفضل جهود الأستاذ أردوغان ورفاقه وحزبه.
واليوم يشارك الشعب الكردي في بناء تركيا القوية الموحدة التي يستفيد منها الجميع، تركيا المساواة والحقوق التي لا تفرق فيها بين شخص وآخر على أساس العرق، أو الدين، أو الطائفة، لذلك لا يجوز، ولا يليق لأي حزب كوردي أن يقف ويتعاون مع الأحزاب القومية الطورانية التي ظلمت الشعب الكوردي، وحاولت صهره والقضاء علي هويته طوال سبعين عاماً.
إذن لماذا هذا الهجوم على تركيا؟
وهنا يرد السؤال: هل يُوَجّه الاتهام نحو تركيا بإبادة الأرمن في هذه السنوات الأخيرة لأجل هذه المكاسب الداخلية والإقليمية والدولية؟ أم أن هذه الحملة لأجل العيون السود للأرمن؟ أم لأجل العدالة الدولية وحقوق الإنسان وأن القائمين على هذه الحملة قد نذروا أنفسهم لأجل حماية حقوق الإنسان، وبالتالي فإن ضمائرهم تحسّ بالألم والأذى إذا لم يقفوا مع المظلومين في كل مكان؟!!
وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة أود أن أبيّن حقيقة معروفة في القوانين، ومبدءاً من المبادئ المعترف بها في جميع العالم وهو أنه (لا تزر وازرة وزر أخرى).
وبناء على ذلك فإن ما حدث في عام 1915م - على فرضية الصحة- قد وقع داخل فوضى الحرب العالمية الأولى، وراح ضحية هذه الحرب عشرات الملايين، وأكثر منها راحت في الحرب العالمية الثانية، فهل تحاسب هذه الدول التي تكونت بعد هاتين الحربين؟
ومن جانب آخر فإن الدولة التركية اليوم قد أنشئت عام 1925م باسم جديد، وبجغرافية جديدة، وبدستور جديد، وبفكر جديد، وو.....
نحن لا نستهين بقتل أي إنسان مهما كان دينه فقال تعالى: (أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) [المائدة: 32] ولكن أيضاً لا يجوز اتهام أي شخص (طبيعي أو معنوي) إلاّ بالبينات والحجج الواضحات المسلم بها على أنه ارتكب تلك الجريمة فعلاً.
ولذلك كانت العدالة تقتضي أن تشكل لجنة محايدة للتحقيق في هذه المسألة بمهنية وحرفية - كما دعا إلى ذلك أردوغان- تبحث في أصل التهمة، وتبحث كذلك مدى قانونية اتهام تركيا اليوم بها لو ثبتت، وتعطي لتركيا حق الدفاع عن نفسها كما هو الحال في جميع دساتير العالم ومواثيقه.
ومن جانب آخر فإنه قد وقعت جرائم حقيقية بقتل الملايين وإبادة الشعوب في كثير من بلاد العالم، ومع ذلك لا تثار، فمثلاً الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين قد ارتكبت جرائم خطيرة بحق بعض الشعوب أثناء الحرب العالمية الثانية ولم يصدر قانون من أي دولة باتهام روسيا الاتحادية بها، وكذلك حدثت في أميركا إبادة جماعية للهنود الحمر ومع ذلك لم يصدر قانون من دولة أخرى بذلك، وأن الاستعمار الفرنسي فعل في الجزائر المجازر وراح ضحيتها مليون ونصف مليون شهيد.
وإذا كانت هذه الدول الغربية التي أصدرت القوانين بإبادة الأرمن، وتحميل تركيا بها، من باب تأنيب الضمائر الحية!! فلماذا لم تتحرك هذه الضمائر الحية، والقلوب النظيفة ضد ما تشاهده من محاولة إبادة الشعب السوري على يدي نظام الأسد، والشعب الفلسطيني وبخاصة في غزة على أيدي الصهاينة، وكذلك ما حدث من محاولة الإبادة للشعب الكردي في حلبجة والأنفال، وما حدث في البوسنة والهرسك وإفريقيا الوسطى، وماينمار التي يبدي لها جبين الإنسانية.
ومن جانب آخر فلماذا تأخر اتهام تركيا بها من 1915 إلى 2015 أي مائة سنة كاملة.
ومن جهة أخرى فإن علاقة تركيا اليوم جيدة مع أرمينيا، فكان المفروض أن تقوم حكومة الأرمن بهذا الاتهام لو كان هناك مصداقية؟
إن هذه القضية مسيسة تماماً يراد بها النيل من سمعة تركيا التي تتقدم بفضل الله تعالى في جميع الجبهات، وهي قضية تثأر على مواقفها نحو أمتها الإسلامية، وقضيتها الأولى قضية فلسطين.
إن المتربصين الطامعين الذي يريدون أن تبقى أمتنا الإسلامية متخلفة فاشلة تابعة مفعولاً بها لا فاعلة هم الذين يجمعون هذه الملفات لكل عمل ناجح، ويمكرون مكراً كباراً (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم: 46] ويخططون بكل قواهم السياسية والإعلامية والاقتصادية لافشال أي مشروع ناجح في بلادنا حتى ولو لم يكن باسم الإسلام فقد قال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: 120] أي حتى نكون تابعين لملتهم أي لثقافتهم، فلا يريدون لنا السيادة والاستقلال، ولا الوحدة والتعاون، ولا الازدهار والتقدم والتحضر، ولكن الله تعالى وعد وعداً ناجزاً بأنهم لن يستطيعوا أن يحققوا أهدافهم بشرطين: التوكل والإخلاص لله تعالى، والأخذ بسنن الله تعالى التي تقتضي أن تأخذ الأمة بجميع أسباب القوة، والحذر الشديد، والعمل وفق الخطط والبرامج فقال تعالى: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) [آل عمران: 111] وقال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 105-107].
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن على الدول والشعوب الإسلامية أن تقف صفاً واحداً أمام المؤامرات الدولية وأن تتعاون فيما بينها لإجهاضها، لأنها اليوم تتهم تركيا، ويمكن غداً أن تتهم دولة أخرى.
قضايا ومسائل فقهية حول الأضحية 4- 6
المسألة 14: الأضحية بخروف استرالي، أو مقطوع الإلية: الخروف الاسترالي إذا توافرت فيه الشروط التي ذكرناها - كما... اقرأ المزيد
633
| 03 يونيو 2025
قضايا ومسائل فقهية حول الأضحية 3 - 6
ونواصل في شرح القضايا والمسائل الفقهية حول الأضحية ونقول إن المسألة العاشرة: هلاك الأضحية بعد شرائها أو تعيينها:... اقرأ المزيد
438
| 02 يونيو 2025
قضايا ومسائل فقهية حول الأضحية 2 - 6
ونتناول فيما يلي المسألة الخامسة: صحة الدفع للجمعيات الخيرية ونقول : إن ما تقوم به الجمعيات الخيرية من... اقرأ المزيد
726
| 01 يونيو 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43515
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7137
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5394
| 13 سبتمبر 2026