رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في قمته الحادية والثلاثين وجد الاتحاد الإفريقي على جدول أعماله تحديات كبيرة ومشاكل لها جذور في تاريخ القارة السمراء. محاربة الإرهاب، والتطرف والفساد والحكومة والحكم الرشيد والرشادة الاقتصادية والإصلاحات المؤسساتية للمنظمة وغيرها من الإجراءات والتدابير التي من شأنها أن تخرج العمل الإفريقي المشترك من الاجتماعات واللقاءات والشعارات إلى برنامج عمل واقعي وعملي يستجيب لمتطلبات العصر ومقتضيات العولمة. المشكل الرئيسي الذي يعاني منه الاتحاد الإفريقي هو عدم قدرته على التأقلم مع المعطيات الدولية ومع التطورات والتغيرات السريعة التي يشهدها العالم. فإذا كانت منظمة الوحدة الإفريقية ناجحة وحققت انطلاقة قوية في الستينات وسجلت مواقف شجاعة، فإنها بعد عقدها الأول أصبحت عقيمة وفشلت في تسجيل مواقف مشرفة بعد مرحلة الاستقلال. وهكذا فشلت المنظمة في حل العديد من النزاعات التي قامت وما زالت قائمة بين دول مجاورة وبين قبائل متناحرة داخل نفس البلد. وما هو قائم بشأن الحدود مثلا بين الكثير من الدول الإفريقية ما هو إلا مثال على سلسلة الفشل المتكررة للمنظمة. من المشاكل الرئيسية التي يعاني منها الاتحاد كذلك المشكل المالي و الناجم بالدرجة الأولى عن عدم دفع العديد من الدول الإفريقية اشتراكها للاتحاد و هذا المشكل يعرقل بطبيعة الحال نشاط و عمل الاتحاد في المستقبل . هذا يجرنا لا محال للكلام عن الصعوبات المختلفة التي تواجهها أي منظمة قارية بحجم الاتحاد الإفريقي الذي يضم عددا كبيرا من الدول يتخبط معظمها في مشاكل الشرعية السياسية والأمن الاقتصادي ومشاكل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والرأي. وهنا نتساءل من هو الذي يموّل الاتحاد الإفريقي وأجهزته المختلفة؟
تعاني معظم الدول الإفريقية من انعدام الشرعية السياسية كما تعاني كذلك من انعدام مجتمع مدني و ممارسة سياسية شعبية واسعة، و النتيجة في نهاية المطاف هي انعدام الثقة بين القمة و القاعدة أي بين الحاكم والمحكوم و غياب القرار السياسي الرشيد و الناجح و هذا ينعكس بالسلب على الأداء العام في المجتمع. فالقارة السمراء تشتهر على المستوى العالمي بانقلاباتها العسكرية و بذلك بعدم استقرار أنظمة الحكم فيها، كما تشتهر كذلك بالرشوة و بضعف التسيير و الإدارة . فانعدام الثقة بين الحاكم و المحكوم و انعدام هيبة الدولة و انعدام المجتمع المدني و كذلك الثقافة المؤسساتية كل هذه الأمور تؤدي إلى انعدام الرشادة و انعدام الأداء المسؤول و الفعال و المستمر و المتطور. فالقارة السمراء تعتبر من أغنى القارات في العالم و من أفقرها في نفس الوقت، و هذا بطبيعة الحال لم يأت هكذا من العدم و إنما هناك أسباب و عوامل انتشرت و تجذرت وأصبحت ثقافة سائدة.
إفريقيا عانت الكثير من الأنظمة العسكرية الدكتاتورية التي حولت خيرات البلد إلى حسابات شخصية في البنوك السويسرية و الأوروبية و التي قدمت المصالح الشخصية لأفراد يحسبون على أصابع اليد الواحدة على مصالح أمة بأكملها، و هكذا فاقت ثرواتهم كل التوقعات و فاقت حتى الديون الخارجية المستحقة على بلدانهم. و هكذا فإن الزواج الفاشل بين العسكر و السياسة أدى إلى خسائر فادحة على مستوى الديمقراطية و المشاركة السياسية، كما أدى كذلك إلى خسائر فادحة على المستوى الاقتصادي. كيف إذا نتكلم عن الاتحاد الإفريقي والقارة لا تتوفر على أنظمة تقوم على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرية الفكر والرأي والتعبير وحرية الصحافة. كيف لنا أن نتكلم عن اتحاد إفريقي وبعض الدول الإفريقية لم تستطع أن توحد الأقليات العرقية والفصائل الموجودة داخل حدودها.
لا يمكن لأي دولة أن تفكر في الرشادة الاقتصادية والأداء الاقتصادي الجيد في غياب الشرعية السياسية والمجتمع المدني والمشاركة السياسية؛ القارة السمراء بعد موجة الاستقلال وبعد أربعة عقود لم تستطع أن توفر لنفسها مستلزمات الانطلاقة الاقتصادية السليمة ووجدت نفسها تدور في حلقة مفرغةوتعيش في دوامة التبعية الاقتصادية والتفكك الاجتماعي والانجراف الثقافي وإلى غير ذلك من المشاكل التي لا تنتهي والتي تولّد يوما بعد يوم مشاكل أخرى. إن التحدي الكبير الذي يواجه الاتحاد الإفريقي اليوم هو العامل الاقتصادي، وما يهم رجل الشارع الإفريقي بالدرجة الأولى هو توفير لقمة العيش اليومية. فالوحدة الحقيقية تقوم على أسس ثقافية، اجتماعية، سياسية واقتصادية ولا تعتمد على الشعارات الجوفاء والتوصيات والقرارات التي لا تخرج في غالب الأحيان من قاعات الاجتماعات. القارة الإفريقية اليوم تعاني من مشاكل لا تحصى ولا تعد، هذه المشاكل جميعها لا يستطيع أي اتحاد أو تكتل أو منظمة في العالم العمل على حلها بمجرد المؤتمرات واللقاءات الدورية ولا بمجرد التوصيات والقرارات، ما تحتاجه إفريقيا واتحادها الجديد هو ترتيب الدار من الداخل أي على مستوى كل دولة إفريقية وتفعيل الاتحاد بانطلاقة جديدة تعتمد على الواقعية و الفاعلية و التأقلم مع معطيات النظام الدولي الجديد و تحديات القرن الحادي و العشرين.
فكرة الاتحاد الإفريقي فكرة جيدة كان من ورائها الراحل العقيد القذافي في الاجتماع الاستثنائي للمنظمة في مدينة سيرت سنة 1999 و هذا يعني أن التحدي كبير و المسؤولية أكبر، فهل حان الوقت لمراجعة الذات و التعلم من الأخطاء و تصحيحها و إيجاد موقع للقارة السمراء في خريطة العالم المعولم ؟ الأمر يتعلق بتحرير الفرد الإفريقي و تكريس الديمقراطية في أرض الواقع والاستغلال الأمثل للخيرات والثروات و الإمكانيات التي تتمتع بها القارة السمراء. فمجرد استنساخ الاتحاد الأوروبي بمؤسساته و هيئاته و هياكله في كيان اسمه الاتحاد الإفريقي لا يؤهل القارة السمراء للتخلص من همومها و مشاكلها. هل تتحرر أفريقيا و هل ستستيقظ في ظل الاتحاد الإفريقي بأجهزته الجديدة و ببرلمانه ؟ هذا ما يتمناه أكثر من مليار و280 مليون نسمة يحلمون بحياة كريمة و شريفة و بديمقراطية و عدالة في توزيع الثروات و احترام حقوق الإنسان لا غير. في الختام نخلص إلى القول أن التحديات التي يواجهها الاتحاد الإفريقي كثيرة ومعقدة... من الفساد إلى الهجرة غير الشرعية، والإرهاب المنتشر في الساحل الأفريقي، إضافة إلى الخلافات الثنائية بين بلدانها، لتصبح هذه المنطقة من أكثر بؤر التوتر والفقر والفساد في العالم، وتتحوّل أزماتها إلى معضلات مستمرة منذ عقود من الزمن لم تفلح الجهود المبذولة في حلها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5448
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
3165
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2343
| 01 أغسطس 2026