رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عواطف عبد اللطيف

عواطف عبد اللطيف

مساحة إعلانية

مقالات

0

عواطف عبد اللطيف

قوافل الوفاء في قصر الوجبة

17 يوليو 2026 , 04:33ص

في بعض اللحظات لا يبكي الإنسان شخصًا، بل يبكي زمنًا كاملًا اختصره ذلك الشخص في سيرته. وحين يغيب الكبار، لا تفرغ المقاعد التي كانوا يجلسون عليها إنما يخيّم الصمت على الأمكنة التي اعتادت حضورهم. وكأن الطير والحجر والشجر والطرقات يعرفون معنى الفقد.

في طريقي لقصر الوجبة لتقديم واجب العزاء، لم تكن السيارات مجرد وسائل نقل، بل قوافل وفاء. الشوارع والجسور مكتظة على نحو لم أشهده من قبل، حتى خُيّل إليّ أن أشجار النخيل تنحني والعصافير تنوح، وأرصفة الشوارع تهمس، فالدوحة كلها التحفت أثواب الحداد.

مساء اليوم الأول للعزاء، خرجت بعد صلاة المغرب، لكن أفواج السيارات كانت كالسيل، فعُدت أدراجي دون أن أؤدي واجب العزاء. لم أشعر بالخيبة بقدر ما شعرت بأن هذا الزحام نفسه كان رسالة حب، وأن الأمم لا تخرج عن بكرة أبيها إلا لمن سكن قلبها قبل أن يسكن قصورها وأبراجها العالية.

وحين أتيح لي الدخول لمجلس العزاء، كانت هناك لحظة ستبقى محفورة في ذاكرتي رأيت أمامي صاحبة سمو تحمل فوق كتفيها ذاكرة وطن بأكمله كانت سمو الشيخة موزا تقف بصبر المؤمنين رغم الرهق وبثبات القادة، وبهيبة من يدرك أن الرجال العظام قد يرحلون، لكن الرسالة التي يحملونها لن ترحل معهم لانها كانت مجردة من الآنا.

وقبل أن أصافحها قرأت كلماتها التي نعت بها الأمير الوالد، فوجدتها تشبهها وتماثلها تماما كلمات لا تستعرض الحزن، وإنما تسمو به. كلمات يكتبها قلب عرف معنى الشراكة قبل أن يعرف معنى السلطة، والإيمان والتواضع قبل أن يعرف المجد.

فعلى امتداد سنوات النهضة، كان حضورها حضور العقل الذي آمن بأن الثروة الحقيقية ليست الغاز ولا النفط، وإنما الإنسان. ولذلك، لم يكن غريبًا أن تتحول المدارس والجامعات والمؤسسات الصحية ومراكز البحوث والطفولة، ومشروعات تمكين المرأة، ورعاية ذوي الإعاقة، لعلامات مضيئة في مسيرة قطر الحديثة. ولم يكن غريبًا أن يصبح اسمها مقترنًا بكل مشروع يزرع الأمل في الإنسان قبل أن يشيّد الحجر.

وحين صافحتها أدركت ان الأمير الوالد اسكنه الله الفردوس الاعلى لم يترك خلفه دولةً قوية فحسب، بل مدرسة كاملة في القيادة، من أعظم فصولها الشراكة التي جمعت بين قائدٍ صنع الرؤية، وصاحبة سمو حملت رسالة بناء الإنسان، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من هوية قطر الحديثة. ولم يفتني، وسط هذا المشهد الإنساني عميق الشأن، أن أحيي رجال ونساء المراسم، وأفراد الشرطة ولخويا الذين نظموا حركة ملايين المعزين باحترافية لافتة، في أداء امتزج فيه الانضباط بالإنسانية. كانت ملامح الحزن على وجوههم لا تقل صدقًا عن دموع الواقفين في الصفوف الطويلة، وكأن الجميع كانوا أهل بيت الفقيد.

إن الأوطان العظيمة لا يحفظها الحجر وحده، وإنما الوفاء. وربما لهذا السبب، لم أشعر وأنا أغادر قصر الوجبة أنني خرجت من مجلس عزاء، بل من درسٍ في فلسفة صناعة دولة وترسيخ ثقافة ترابط الشعوب وقيمة الوفاء، وقوة الشراكة التي تجعل المشروع الوطني أكبر من الأشخاص، وأبقى من الغياب.

رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لكن إرثه باقٍ في مؤسسات صنعت المستقبل، وبقيت في سجله الناصع في ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه، الرجال الكبار يرحلون، أما الأوطان التي بنوها، ستواصل السير بثقة نحو المستقبل.

مساحة إعلانية