رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
تعريف مصطلح "السياسة" (خطأٌ شائع)، أو بالأصح أو الأدق تعريف وظيفة السياسة بأنها "فن الحصول على الممكن" هي نظرية (لمكيافيلي) الذي ظهر في القرن السابع عشر. ولا تكتمل نظريته الفلسفية هذه إلا مع نظرية فلسفية أخرى مكملة لها وهي أن "الغاية تبرر الوسيلة" في ممارسة السياسة.
(2)
طبعاً كلتا النظريتين مطبقتان وبقوة في السياسة العالمية. لأن (مكيافيلي) اليهودي الصهيوني – حسب مصادر أمريكية وأوروبية - أصلاً ومن الأساس أنشأ النظرية للأقوى لتبرر أفعاله في العالم كما سيمر بنا (مثال: احتلال واغتصاب فلسطين). وقد لا يُلام (هتلر) الذي هاجر من بلده النمسا إلى ألمانيا وفي ذهنه تصفية الصهاينة من اليهود الذين يرون أنهم فوق العالم. وهو أيضاً دليلٌ على استيعاب (هتلر) لنوايا اليهود الصهاينة المبكرة في أوروبا والعالم.
(3)
إنه منذ نهاية الحرب الكونية الثانية أخذ الغرب (الطرف الأقوى) المنتصر هذه النظرية وصهاينة اليهود (نميزهم عن يهود آخرين معادين للصهيونية وهم كثر في العالم وفي بريطانيا وهم الحاخامات) طبعاً في الطليعة باعتبارهم أو باعتبار أسلافهم ضحايا للنازية الأوروبية للسيطرة على العالم وللانتقام والمتاجرة "بالهولوكوست".
(4)
النظرية عنصرية (وقطعاً الصهيونية شكل من أشكالها) بلا أدنى ريب (والريب هنا أوسع من مجرد الشك) ولا تقل عنصرية عن نظرية (داروين) "البقاء للأقوى" أي للعنصر الأبيض الأقوى التي برزت خلال القرن التاسع عشر. هنا أيضاً البصمة الصهيونية اليهودية واضحة فداروين يهودي صهيوني يؤمن بتفوق العنصر الأبيض اليهودي الأمريكي والأوروبي. وإلى حد ما النظرية الثانية هذه (لداروين) تكمل النظريتين الأوليين (لمكيافيلي)، وكل السلوكيات السياسية لأمريكا والغرب وإسرائيل في العالم العربي وغيره كما سيتضح ترجمة فعلية لهاتين المدرستين "المكيافيلية" و"الداروينية".
(5)
القاسم الأعظم المشترك بين نظريتي (مكيافيلي) ونظرية (داروين) هو القوة والتسلط وضمان نجاح تفوق اليهود على العالم باستخدام قوى منتصرة وغنية وهو ما حدث بالفعل ابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد حاول (هتلر) بدءاً من 1933 أن يقلص نفوذهم إلى حد ما. الأقوى وهو العنصر الأبيض اليهودي الصهيوني (في أمريكا والغرب بالتحديد وفي روسيا وأوروبا الشرقية) أذكى من سواه وبالنتيجة يستحق البقاء. وعليه أن يُفْني كل من هو ليس بأبيض أو يهودي لأنه أقل ذكاءً وبالتالي لا يستحق البقاء. وعليه؛ فإن العنصر الأبيض القوي هو من يحدد ما هو ممكن وما هو غير ممكن لأن في السياسة "الغاية تبرر الوسيلة".
(6)
لتكتمل الصورة هنا نعطي مثالاً على ماهية الممكن أمريكيا وهي قصة تاريخية مثيرة. فعندما اكتشف علماء (مدرسة فرانكفورت) الألمانية أسرار القنبلة النووية أو الذرية بعد مجيء (هتلر) للسلطة في ألمانيا أخفوا الخبر عنه؛ لأنهم افترضوا أنه مجنون وإن قدموا له القنبلة فسيحرق العالم. وعليه ارتأوا أن يهاجروا إلى أمريكا ففعلوا وافترضوا بالمقابل أن (هاري ترومان) الرئيس الأمريكي عاقل فقدموا له القنبلة، ولأنه تلميذ مدرسة "السياسة فن الممكن" ألقى القنبلة على هيروشيما ونجازاكي عام1945 وأحرق مئات آلاف اليابانيين منهيا الحرب لصالحه ولصالح الحلفاء وطبعاً نعرف جميعاً ما يعانيه اليابانيون من جراء ذلك إلى هذا اليوم نتيجة الإشعاعات.
(7)
"الغاية تبرر الوسيلة" تعني أن تصل في السياسة إلى غايتك بصرف النظر عن نوع الوسيلة؛ تسرق.. تعتدي.. تقتل.. تحتل.. تدمر.. مثال: (ترومان والقنبلة الذرية على اليابان) إلخ.. تحت مظلات مثل الحرية.. الديمقراطية.. وخلاص الشعوب وغيرها. وهي سياسة بدون أخلاق، ولم يسلم الفردُ الأمريكي والأوروبي منها فقد انتقلت عدوى حكوماته إليه. فكثير من الأفراد يتبناها أسلوب حياة وغدت حالة ذهنية مترسخة لديه. وهي أخلاق يهودية صهيونية بامتياز (انظر مسرحية "تاجر البندقية" مثلاً لشكسبير).
(8)
مثلاً؛ عندما يأتي الأمريكي أو الأوروبي الغربي ليعمل في أحد البلاد العربية أو غيره (يأتي على الأقل بحالة ذهنية متصهينة) مما أطلق عليها الغرب تسمية "العالم الثالث" ليهينها ويستغلها لأن شعوبها – كما يفترضون - أقل ذكاء منهم وغير قادرين على تسيير وإدارة بلدانهم (أي أنهم يُنظر إليهم على أنهم زومبيز) يستهينون بقدرات الشعوب الذين يأتون لبلدانهم للعمل وطلب لقمة العيش ورغم ذلك يتعاملون معم باستعلاء.
(9)
لما كان ذلك كذلك؛ فإن الأقوى هو من يحدد ماهية الممكن وعلى الضعفاء أن يذعنوا ويكتفوا بالإصغاء ويتحولوا إلى عبيد مأمورين. هذه الحقائق عن نظريتي (مكيافيلي) و(داروين) لا يفقهها الكثير ممن يمكن أن يوصفوا أو لا يوصفوا "بالنخبة" في العالم العربي.
(10)
في أحاديثهم غالباً ما يعرِّفون السياسة بأنها "فن الحصول على الممكن"، وكأنهم أتوا بما لم يأت به الأوائل، طبعاً هم في ظني لا يدركون أنهم مضللون في ذواتهم ومضللون لغيرهم في آنٍ واحد. مجرد انبهار بالعبارة حتى أن كثيراً منهم لا يعرفون من قائلها ومتى وما دوافع النظرية.
(11)
أذكر – فيما أذكر - أن مذيعاً في إحدى القنوات المرئية العربية العالمية الموصوفة "بالمستقلة" كان يستضيف شخصاً وصفه بالمفكر - ولا أدري ما المعايير التي على أساسها بني وصفه – في حصة أو حلقة تناقش ما يُعرف "بحل الدولتين" فإذا بالمفكر كسائر "مفكري النخبة العربية" يثير إعجاب المذيع بقوله: "السياسة في النهاية هي فن الممكن"، واعتقد المذيع أن تلك المقولة من بنات أفكار المفكر ولم يُخفِ انبهاره بها.
(12)
ربما أن كليهما لم يعرفا أن المقصود بالممكن هو الذي لا يحدده الجانب الفلسطيني ولا العربي لأنه طرف ضعيف، وإنما الذي يحدد الممكن هو إسرائيل ومعها ومن ورائها أمريكا والغرب لأنها الطرف الأقوى. ولذلك تجد الجانب الفلسطيني أو العربي يذعن على غرار قول المتنبي: "ومن نكدِ الدنيا على الحرِّ أن يرى عدواً له ما من صداقتِهِ بُد".
(13)
إسرائيل هي من تحدد أن القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وأن بناء ما يسمى بالمستوطنات أو المغتصبات في القدس الشرقية والضفة الغربية حق مشروع لها، وأن القتل والهدم والاعتقالات دفاع مشروع عن النفس، وكله يتنافى طبعاً مع القانون الدولي، ولكن من يحدد القانون الدولي؟ الأقوى، والأقوى أمريكا تقول إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها وكأن الفلسطينيين هم الذين يحتلون إسرائيل، إلى غير ذلك من الممكنات التي يحددها القوي والأقوى حسب النظرية.
(14)
إذن؛ إسرائيل وأمريكا والغرب ودول الكثافة اليهودية الصهيونية الأخرى كروسيا وأوروبا الشرقية تفرض على العالم تقريباً كل يوم أن "السياسة هي فن الحصول على الممكن" وأن "الغاية تبرر الوسيلة" وأن البقاء للأقوى وأنهم - من خلال السطور - لا يحترمون إلا القوي (تأملوا مثلاً كوريا الشمالية وإيران والصين)، وبالنتيجة يريدون أن يملوا علينا أنْ ليس في الإمكان أفضل أو أبدع مما كان، وهي مقولة يرددها كثير من العرب حكاماً ومحكومين. بمعنى ارضوا بالممكن الذي نحدده نحن الأقوياء الصهاينة ومن ورائهم وليس من أمامهم أمريكا وكل قوى الممكن المفترضة.
(15)
لكن هزيمة الأمريكيين ومعهم الناتو في فيتنام ولاوس والكوريتين وأمريكا اللاتينية وأفغانستان والعراق وجنوب لبنان وفلسطين – غزة (رغم قسوة الحصار) تدل على هزيمة الممكن.. عربيا مثلاً؛ لأول مرة في تاريخ الصراع يستطيع (حزب الله) – مع كل اختلافنا معه في الأزمة السورية – في 2006 أن يظل يطلق صواريخه على إسرائيل بكل قوة دول الممكن أمريكا والغرب وبعض دول العرب إلى آخر لحظة قبل عملية وقف الحرب. وكان انتصاره وفق معيارين: الأول؛ قدرته على شن إطلاق الصواريخ إلى آخر لحظة، والثاني؛ عدم تمكن الممكن الإسرائيلي ومعه كل قوى الممكن الأمريكية والغربية وغيرها من تحرير أسيريه، وقبلها في 2000 حرر "حزب الله" الجنوب ومعتقلي معتقل الخيام ودحر الممكن الصهيوني الأمريكي الغربي.
(16)
كذلك لأول مرة (مثال عربي آخر) في تاريخ الصراع (حماس) في غزة تفرض شروطها على إسرائيل خلال الحرب الصهيونية على غزة خلال السنة الوحيدة لولاية الرئيس المصري (محمد مرسي) المنتخب لأول مرة في تاريخ مصر الممتد لاثني عشر ألف سنة. هزيمة أخرى للممكن.. إذن لنخرج نحن العرب من نفق "أن السياسة هي فن الممكن" الصهيوني الأمريكي الأوروبي شرقيِّه وغربيِّه ونحدد نحن الممكن عربيا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8988
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4272
| 23 سبتمبر 2026