رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد انهيار الخلافة العثمانية، تأسست تركيا كدولة حديثة على النمط الغربي تقوم على القومية العلمانية. حاول المؤسسون الحد من دور الإسلام بقطع كل الروابط تقريبًا مع الماضي. بسبب استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية لزم إعادة كتابة كل النصوص الدينية لتعليم الجمهور التركي بالدين. تم تقليص دور الإسلام بشكل كبير بالتحول من الخلافة إلى مديرية الشؤون الدينية (Diyanet İşleri) ولكن العلماء والشعب بذلوا جهوداً كبيرة للحفاظ على دينهم.
على الرغم من دورها التابع للسلطة، لم تخدم مؤسسة الديانة في إضفاء الشرعية على السياسات العلمانية للنظام الجديد ولكنها حاولت تعليم الإسلام قدر الإمكان. ظهر العديد من المديرين البارزين لمؤسسات الديانة ذوي المعرفة والكاريزما في 100 عام. كان طيار ألتيقولاتش أحد أولئك الذين تركوا إرثًا كبيرًا أثناء خدمتهم في فترة صعبة بعد الانقلاب العسكري عام 1980. بالتعاون مع حكومة تورغوت أوزال المدنية، استفاد من تراخي الدولة فيما يتعلق بالإسلام في مواجهة التهديد المتزايد للشيوعية ومطالب الجمهور القادمين من المناطق الريفية.
كان مشروعه الرئيسي هو إنشاء مركز إسام للدراسات الإسلامية (ISAM) بتمويل من مؤسسة الديانة في عام 1983. أصبح مركز إسام مركزًا للدراسات والبحوث الإسلامية جنبًا إلى جنب مع مشاريعه الرئيسية الأخرى: (أ) موسوعة الإسلام، (ب) مكتبة كبيرة ومركز توثيق، (ج) إرسال طلاب الدراسات العليا إلى الخارج، (د) تقديم المؤسسة لخدمات دينية للمسلمين في أوروبا و(هـ) جامعة 29 مايو. حقق كل من هذه المشاريع نجاحًا كبيرًا ومن المحتمل أن يكون لها تأثيرات دائمة في الحياة الفكرية والدينية في تركيا.
كان أهم مشروع للمركز هو إنتاج موسوعة الإسلام التي نشرت أول مجلد لها عام 1988 واكتملت بـ 46 مجلدًا في عام 2016. ساهم أكثر من ألفين باحث في كتابة المقالات من جميع أنحاء العالم. تضمنت الموسوعة حوالي عشرين ألف موضوع متعلق بالإسلام والتاريخ والحضارة الإسلامية وكذلك المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم وهي مفتوحة للجميع مجانا عبر الإنترنت منذ عام 2014. يحتوي موقعها الإلكتروني الجديد على واجهة بسيطة مع إمكانيات بحث متقدمة. وكذلك نُشرت الموسوعة المختصرة للإسلام باللغة الإنجليزية في ثمانية مجلدات (2019). تُرجمت إلى اللغة الروسية وستتبعها لغات أخرى. كما أنتج المركز موسوعة إسطنبول في 10 مجلدات تحتوي على 363 مقالاً و4000 مادة بصرية عالية الجودة، مثل الخرائط والمنمنمات والنقوش واللوحات والوثائق الأرشيفية. بالإضافة إلى ذلك، أنتج مركز إسام ما يقرب من 260 كتابًا مرجعيًا.
ويعمل المركز حالياً على مشروع الموسوعات الموضوعية بمشاركة 18 لجنة أكاديمية تضم 130 خبيراً. وستغطي الموسوعات الموضوعية مثل الاقتصاد والتمويل الإسلامي، والموسيقى الدينية في العالم الإسلامي، والحج، والأديان العالمية، والفقه، والتاريخ الإسلامي الكلاسيكي للعلوم، وأفريقيا، والحديث، والفكر السياسي الإسلامي، والدول والمجتمعات الإسلامية المعاصرة، والأخلاقيات الحيوية الإسلامية وأدب العالم الإسلامي، والمذاهب الإسلامية، والتصوف. وقد أطلق المركز مؤخراً قاعدة بيانات عن العلماء المسلمين.
تأسس مركز أبحاث إسام بالتزامن مع مشروع الموسوعة، ولكنه لا يزال يخدم النشاط العلمي حتى بعد اكتمال الموسوعة. وقد أُنشئت مكتبته الضخمة في عام 1984 لجمع المنشورات اللازمة لإعداد موسوعة ديانت للإسلام. وتستضيف المكتبة 347.000 كتاب، و237.000 إصدار من 4.253 مجلة، و23.670 سجلاً للمحكمة العثمانية، كما تم التبرع بالعديد من المكتبات الخاصة. وتجذب صالات الدراسة المريحة الباحثين وخاصة طلاب الدراسات العليا حيث يفضل بعض الأساتذة البحث في المركز عن مكاتبهم في الجامعة. ويسمح فقط لطلاب الدراسات العليا والأكاديميين والباحثين المستقلين باستخدام المكتبة التي تفتح أبوابها من الساعة 9.00 صباحًا حتى 11.00 مساءً كل يوم.
قدم المركز الدعم الأكاديمي والمالي لطلاب الدراسات العليا والبحوث في الخارج. واستفاد من المنح الدراسية 149 طالبًا حيث أكمل 62 درجة دكتوراه حتى الآن. ويدعم المركز بعض برامج التدريب الجامعي والصيفي في الداخل. ينتشر معظم الأكاديميين والباحثين في جامعات البلاد بينما يعمل آخرون في المركز كباحثين. وباعتباره مشروعًا فريدًا من نوعه للنشر الإسلامي ومرافق البحث، فإن مركز إسام هو مشروع حضاري وفكري ضخم يخدم الحفاظ على التراث الإسلامي في تركيا والخارج. أخيراً أود أن أقول إن كل المدن الإسلامية تحتاج إلى مكتبات وإمكانيات بحثية مثل إسام.
الحرب الروسية الأوكرانية في عام الحسم.. التصعيد أم الدبلوماسية؟
دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس وهي تشهد في هذه المرحلة تصعيدًا متجددًا، مع تكثيف الطرفين هجماتهما العسكرية... اقرأ المزيد
447
| 07 سبتمبر 2026
الاحتباس الحراري وتزايد الكوارث الطبيعية
يُعدّ الاحتباس الحراري من أخطر التحديات التي يواجهها العالم المعاصر، وتبرز آثاره بوضوح في المنطقة العربية التي تعاني... اقرأ المزيد
732
| 30 أغسطس 2026
لماذا تشعر إسرائيل بالقلق من تركيا؟
بلغ التوتر بين تركيا وإسرائيل في الأيام الأخيرة مستويات غير مسبوقة، إذ سبق لمسؤولين إسرائيليين أن أطلقوا تصريحات... اقرأ المزيد
426
| 23 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3201
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026