رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

372

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

من وحي خطاب سمو الأمير

14 أكتوبر 2026 , 12:00ص

حين تتغير الظروف... تتغير المسؤوليات

من وحي خطاب سمو الأمير

لا تأتي المؤسسات الوطنية في كل مرة لتؤدي أدوارها في الظروف ذاتها؛ فهناك مراحل تسير فيها الأمور وفق ما هو مخطط لها، وتبدو فيها الأولويات واضحة، وهناك مراحل تتغير فيها المعطيات بصورة تفرض إعادة النظر في كثير من الافتراضات، وتستدعي قدرًا أكبر من الاستعداد والقراءة المتأنية للمستقبل.

وقد جاء خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد الخامس والخمسين لمجلس الشورى، ليضع هذه المسؤوليات في سياقها الفعلي، مستعرضًا ما واجهته البلاد من أحداث استثنائية، وما أظهرته من قدرة على التعامل معها، وما تفرضه المرحلة المقبلة من متطلبات.

ونحن أمام مرحلة من هذا النوع؛ فالحرب الدائرة في المنطقة، وما ترتب عليها من اضطرابات في الملاحة الدولية، ولا سيما عبر مضيق هرمز، والأضرار التي طالت منشآت الطاقة، تضع دول المنطقة أمام تحديات لا تقتصر على الجانب الأمني والسياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار، وقد تصل آثارها، إذا طال أمدها، إلى تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات.

وقد أشار سمو الأمير إلى أن قطر واجهت هذه الأزمة بثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة، كما أكد أن إرادة الدولة في بناء وطنها وصون مكتسبات شعبها صلبة لا تنكسر، وأن ما تحقق من صمود لم يكن وليد لحظة الأزمة، بل حصيلة التخطيط والاستعداد والتدريب والتجهيز، وهنا تبرز حقيقة تستحق التوقف عندها: فامتلاك القدرة على التعامل مع الأزمات لا يلغي الحاجة إلى الاستعداد لها، كما أن قوة الاقتصاد لا تعني أنه بمنأى عن آثار المتغيرات الخارجية.

ولعل الجانب الاقتصادي من أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها في هذه المرحلة، فقد كشف الخطاب عن انخفاض إجمالي الإيرادات العامة خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية، وهي أرقام تعكس حجم التحدي الذي واجهته المالية العامة، كما تفتح المجال للتأمل في كيفية إدارة الموارد والالتزامات في ظروف استثنائية.

لقد أكد سمو الأمير أن الدولة فضّلت عدم تقليص الخدمات الأساسية أو تغيير الأولويات التنموية، مستندة إلى سياسات سبقت الأزمة، شملت تعزيز الاحتياطيات، وخفض الدين العام، وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة، وتنمية الإيرادات غير النفطية، لكنه أكد في الوقت نفسه ضرورة مواصلة الانضباط المالي، ورفع كفاءة الإنفاق، ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد، وهذه النقطة بالذات تطرح سؤالًا يتجاوز التعامل مع الأزمة الراهنة: كيف نضمن أن تكون السياسات المالية والاقتصادية قادرة على الاستجابة للظروف غير المتوقعة، من دون أن تتحول المحافظة على الاستقرار إلى سبب لتباطؤ التنمية، أو أن تتحول المحافظة على وتيرة الإنفاق إلى عبء على الموارد العامة؟

إن التخطيط المالي الرشيد لا يقوم على توقع واحد، مهما بدا مرجحًا، بل على الاستعداد لمجموعة من الاحتمالات، ومعرفة الخيارات المتاحة للتعامل مع كل منها، كما أن تنويع الاقتصاد لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى نمو الأنشطة غير الهيدروكربونية في الظروف العادية، بل بقدرتها على المحافظة على نشاطها عندما تتعرض التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد لاضطرابات واسعة.

وقد أشار سمو الأمير إلى أن مساهمة القطاعات غير الهيدروكربونية بلغت نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو مؤشر مهم على اتساع قاعدة الاقتصاد الوطني، غير أن أهمية التنويع لا تتوقف عند حجم مساهمة هذه القطاعات، بل تمتد إلى مدى قدرتها على توليد النشاط والفرص، والحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى بقية الاقتصاد والمجتمع.

ولعل أبرز ما يستوقفني في الخطاب أن سمو الأمير لم يجعل العودة إلى ما قبل الأزمة هدفًا بحد ذاته، بل أكد أن المطلوب هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية، وأشار في هذا السياق إلى حزمة من المشاريع والفرص الاستثمارية تقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة.

وهذا توجه يضع أمام مؤسسات الدولة مسؤولية لا تقل أهمية عن إدارة الأزمة نفسها؛ فالتحدي ليس في تجاوز الظروف الاستثنائية فحسب، بل في تحويل ما تكشفه من مواطن قوة أو جوانب تحتاج إلى تطوير إلى سياسات ومبادرات تعزز قدرة الاقتصاد على التكيف والاستمرار.

وقد دعا سمو الأمير مجلس الشورى إلى مواكبة هذه المرحلة بتشريعات تعزز دور القطاع الخاص وجاذبية بيئة الاستثمار، وهي دعوة تضع أمام المجلس مجالًا مهمًا للعمل، لا يقتصر على مناقشة القضايا المطروحة، بل يمتد إلى دراسة ما تحتاج إليه البيئة التشريعية من تطوير، بما يدعم الاستثمار والإنتاجية والتنويع الاقتصادي، ويساعد على تعزيز قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يقتصر دور المؤسسة التشريعية على مناقشة القضايا المطروحة أمامها في إطارها الآني، أم يمتد إلى استشراف آثارها المستقبلية، وطرح الأسئلة التي تساعد على كشف المخاطر مبكرًا، وتقديم المقترحات التي تعزز الاستعداد لها؟ فحين تتغير الظروف، لا يكفي أن نعيد قراءة الواقع، ولا أن ننتظر حتى تتضح جميع نتائجه، إن المسؤولية الحقيقية تبدأ حين نطرح الأسئلة الصعبة في الوقت المناسب، ونبحث عن البدائل قبل أن نضطر إليها، ونراجع افتراضاتنا قبل أن تفرض علينا الوقائع مراجعتها.

ولعل تأكيد سمو الأمير ضرورة ربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، ومساءلة القيادات الإدارية عن النتائج، يضيف بُعدًا آخر لهذه المسؤولية، فالتحدي لا يكمن في وضع الأنظمة والسياسات وحدها، بل في ضمان تطبيقها بأمانة وفاعلية، وألا تتحول إلى إجراءات شكلية لا تغيّر واقع الأداء، فالمؤسسات القادرة على الصمود هي تلك التي تتعلم من التجارب، وتقيس نتائج أعمالها، وتراجع أداءها، وتصحح مسارها حين تقتضي الحاجة.

وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه التحديات لا يقع على عاتق مجلس الشورى وحده؛ فلكل مؤسسة دورها ومسؤولياتها، والتكامل بينها هو ما يمنح الاستجابة الوطنية قوتها، وقد أكد الخطاب أن صمود الدولة يقوم على الاستعداد، وتنوع الاقتصاد، وكفاءة المؤسسات، وتكافل المجتمع، ومسؤولية الأفراد، وهي معادلة تذكّرنا بأن المحافظة على المكتسبات الوطنية مسؤولية مشتركة، تتطلب إتقان العمل، وصون المال العام، وتغليب الواجب والمصلحة العامة، فالمؤسسات لا تُختبر فقط بما تفعله حين تقع الأزمات، بل أيضًا بما تستعد له قبل وقوعها، وبقدرتها على تحويل دروسها إلى سياسات أكثر كفاءة ومرونة، تحفظ المكتسبات وتفتح الطريق أمام المستقبل.

مساحة إعلانية