رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرض الأستاذ محمد حسنين هيكل للموقف في مصر والمحيط العربي، وخطط أمريكا والناتو واستراتيجية "الباب المفتوح" التي أقرها الناتو في نوفمبر 2010 واشترك في صياغتها لجنة أسموها لجنة الحكماء من 12 عضوا برئاسة مادلين أولبريت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، وأعدت اللجنة تصورها في ثمانية عشر شهرا، واستمعت إلى 1000 شخص حول أمر جنوب المتوسط، والعدو غير المحدد وكيفية التعامل معه.
وتداعت خلال الحديث (6 حلقات على مدى شهر ونصف)، الحقائق والوقائع والمعلومات لتؤكد طبيعة المواجهة العربية في اللحظة، ومدى التباين بين عشوائية المواقف العربية، والخطط التي تواجهها والمعدة سلفا وإن كان لحظة إعدادها لم تكن معالم ما تواجهه هذه الاستراتيجيات محددا كليا، ولكن مصدر الخطر محدد موقعه، وطبيعة المصالح محددة قطعيا حتى وأن تنوعت بين العناصر المكونة للناتو، ثم الفكر يسبق الفعل، والرؤية تتلوها المهام وبوضوح، والعناصر المكونة للإمكانات محددة قطعيا، والهدف المستقبل، ليس بالإغراق في الماضي، ولا هو ببناء أخلاقي أو ديني، غير إنهم يعلمون ماهية "أفيونه" المنطقة التي سيجري التعامل معها، وسبل استخدامها، وبين أيديهم درس أفغانستان وإعلان الجهاد ضد الجيش السوفييتي الملحد، هكذا في العصر يجري الإعداد للمواجهات لتحقيق المصالح.
كانت الحلقات تحت عنوان (مصر أين؟.. وإلى أين؟)، غير أن متابعة دقيقة لمحتوي الحلقات أضفي إلى عنوانها كلمة "للأسف"، وكأن العنوان قد تحول إلى "للأسف مصر أين؟ وللأسف مصر إلى أين؟".
لم يأسف الأستاذ هيكل على مصر الوطن والشعب، ولكن أسفه على متاهة ألمت بالعقل المصري، وأهدرت ثورة شعب سواء في تونس أو مصر، فاجأ العالم بحركته متجاوزا كل احتمالات حكماء الناتو، وكان الأسف موجها إلى حالة الانهيار الداخلي الذي اعتبر أن الثورة الشعبية فتحت الباب أمام كيانات لا تملك رؤية للمستقبل وتأبي إلا أن تظل صريعة فكر تكلس عند حالة النشوء منذ قرن، ولأنها لا تملك رؤية للمستقبل أو مقومات لهذه الرؤية، صارت بإرادتها أو بلا وعي أحد أدوات الناتو في تحقيق إستراتيجيته تجاه المنطقة، ورفعت عن الناتو في أكثر من قطر عربي عبء الاشتباك وتولت عنه تفكيك الإرادة الشعبية وتوجيهها لغير المستقبل. وكان الأسف علي حالة الوعي بما يجري من حولنا، وافتقاد الانحياز، ومن ثم إهدار قدرة التصدي والتعامل، وضياع الخطاب السياسي لغياب رؤية المستقبل، وتفكيك اللحمة بين الشعب، وإعمال مقومات الانقسام، دون أن يكون للناتو دورا أو يبذل لتحقيق الانقسام جهداً.
الأستاذ هيكل ليس في حاجة إلى شهادة من أحد، بل نحتاج منه أن يتجاوز الحكمة التي يلوذ بها أنه يقول كلمته ويمضي، وليكن أنه سيكتفي بكلمة يقولها ليمضي بعيدا عن مسؤوليات التنفيذ والدعوة، ولكنه مطالب بان يستكمل كلمته ولا يدع شيئا منها لقادم من أيام لأننا لا نملك ترف استنزاف الزمن ولا عبء غياب المعلومات. أن واحدا من أهم ما يتسم به هيكل هو انحيازه للقومية العربية، وللأبعاد الاجتماعية في دعوتها المعاصرة، ويملك غير ذلك بانوراما القرن العشرين ووقائع المواجهات العربية دون تزييف أو وهم، ومازال يحتفظ بتواصله مع عصره، وإمساكه على جمرة الانحياز لأمته.
عرض هيكل في حديثه لأمرين، كليهما يؤذن بمواجهات لا حد لها في المستقبل المنظور، الأمر الأول هو "دستور بالإكراه" بديلا عن "دستور بالتوافق"، والأمر الثاني أن "حل جماعة الإخوان" هو مستقبلها. كلا الأمرين يعني أن السلطة القائمة تحمل بذور فنائها في ذاتها، خاصة أنها افتقدت حس المسؤولية، واستطابت الاستحواذ على السلطة. وأكدت وقائع ما جري في دولة الإمارات وبعدها ما رشح من أخبار من الكويت أن انكشاف الجماعة تجاوز مصر للخليج العربي الذي كان مصدرا رئيسا لتمويلها، وكانت حالة الفزع لدى السلطة في مصر والتي كشفها إرسال مساعد للرئيس المصري بصحبة مدير المخابرات المصرية إلى دولة الإمارات لبحث هذا الأمر، هو في ذاته تأكيد بأن عصبا للتنظيم قد جرى المساس به، وله علاقة بالتنظيم في مصر، وزاد الأمر انكشافا أن التقرير الذي عرض على الرئيس المصري عرض أيضاً على مكتب إرشاد الجماعة، وهو ما يعني أن خللا جوهريا في شأن الأمن القومي المصري صار واقعا.
إن تراكم تصرفات الرئيس المنتخب والذي لم يستطع أن يتجاوز أنه عضو جماعة، وانه رئيس انتخب لمصر، والتصريحات والأفعال وصلت حدا من الوضوح يفرض تغييرا جوهريا في تقييمها ومدي القبول بها وأسلوب التعامل معها.
هذا التراكم لا يفرض أن يكون التغيير في مواجهة السلطة وحدها، ولكن أيضا التغيير مطلوب في كيفية بناء القوة الوطنية المصرية أيضا في مواجهة ما أطلق عليه المعارضة تحت مسمى جبهة الإنقاذ، والأمر يتجاوز الملاحظات علي الأشخاص، وهي موجودة، ولا انتهاج ما أطلق عليه المنهج الديمقراطي وبالصناديق، دون بذل جهد يجري به التحضير كي تكون الصناديق أداة يعوض عجز البدائل الأخرى، وعجز الإبداع.
إن هجمة تغييب الهوية المصرية، وهدم الدولة، وتغيير مفهوم الأمن القومي، يفرض إعادة بناء مقومات القوة الثالثة، فمجرد السعي لبناء القوة الثالثة من مجموع القوي الاجتماعية في المجتمع، يجب ربطه بقوى الدولة والهوية والفكر.
بناء القوة الثالثة في مصر لمواجهة حالة التشتت والوهم، تفترض إيجاد رابطا بين قوة المجتمع الصلبة المنوط بها الدفاع عن الأمن القومي، والتي تتمثل في القوات المسلحة المصرية وأجهزة مصر السيادية التي لا يجب أن ينحرف بها تغيير السلطة عن استراتيجية الأمن والعقيدة القتالية، وتفترض إيجاد رابطا جامعا ضمن هذا التكوين للأزهر والإعلام والقضاء ورجال الثقافة والفكر في المجتمع المصري، أن هذه القوي مطالبة أن تعبر عن نفسها بوضوح يواجه وضوح الاعتداء علي الهوية والدولة ومفهوم الأمن القومي.
السؤال الملح علي مصر وهي تسعي إلى استعادت شخصيتها، ماذا نرى في التطاحن مع مصر من الناتو وأميركا وإسرائيل، ومن تركيا، ومن إيران، ومما يدور من حولنا من تغييرات جوهرية في الجغرافيا السياسية، وطبيعة القوي الناشئة فوق الأرض العربية؟
إن اتجاه السؤال حائرا إلى خارج مصر عن كيف نواجه المخاطر ونحدد البوصلة، هو دلالة قاطعة عن حالة الاضطراب الداخلي والحركة فوق رمال متحركة.
ما يجري في شأن قانون الانتخابات الجديد مثال صارخ علي التشتت والوهم، فالذين يتجهون إلى خوض الانتخابات النيابية في أبريل القادم، لا رأي لهم في قانون الانتخابات الجديد، بل إن من تصدي لواحد من مواده والتي تفتح الباب لمن لم يؤدي الخدمة العسكرية للترشح هو ممثل الجيش، وكشف أن الحزب الوطني حاول من قبل أن يتجه ذات الاتجاه وأن رفض المؤسسة العسكرية لهذه المادة هو ما حال دون إقرارها.
الأمر يتجاوز الصراع السياسي على السلطة، الصراع الآن على وجود مصر ذاتها، وإبعاد هذا الوجود، إن أحداثا تجري تخرج فيها جماعات مسلحة لضرب المتظاهرين حول قصر الاتحادية للمرة الثانية وحرق الخيام هناك، تؤكد أن الصراع لم يعد كلمة ورأيا، ولكنه فعل وصل للدم يوم 5 ديسمبر عند الاتحادية، وقام باستخدام سلاح الحصار ليحول دون مؤسسات الدولة ومهامها.
والأمر يتجاوز محاولات من غير ذي علم ومعرفة لحل الأزمة الاقتصادية، ولم يعد مطلب "عيش" في نداءات الشعب يجد له لدى السلطة الحاكمة أذنا تسمع أو جهدا لتحقيقه، وصار معنى العيش أن تحل السلطة مشكلة الأزمة الاقتصادية بذات فكر النظام السابق، وادعاء أن سبب الأزمة هو سياسة الدعم، لتفقد بوصلتها، فتجري المصالحات مع من نهب ثروة الوطن، مصالحة مع الفساد، وغلاء وقهر للمواطنين، لتفتح الباب للصراع على لقمة العيش، وكأن عدم درايتهم بحاجات الشعب تنفي وجود عقول وأفكار غير تلك التي يدعونها لحل أزمة العيش في مصر. الفارق جوهري بين شعب يحتاج العيش ببناء اقتصادي مستقل، وبين سلطة تتسول من الداخل والخارج دون رؤية واضحة لمفهوم التنمية والعدالة الاجتماعية.
السلطة التي ترتعش يديها في شأن كل ما يحيق بمصر من مخاطر، لا تجد من يردعها في الاستيلاء علي مفاصل الدولة وإحالتها إلى دولة قاعدة لجماعة الإخوان المحكوم عليها بالتحلل، لاغترابها عن وطن وأمة وضرورات مستقبل.
ليس الحل في انتظار ما تمطر به السماء، ولكن الحل في تجمع للقوي التي تشكل الهوية المصرية، ومسؤولة عن أمنها القومي وتحمي الدولة والشخصية المميزة لها.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
871
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
625
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
525
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
3855
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1602
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
951
| 09 أغسطس 2026