رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السكن هو من أبسط حقوق الإنسان أي بالتوازي مع التعليم والصحة والتغذية والحريات. غلاء أسعار العقارات يمنع عمليا على الطبقات الوسطى شراء أو حتى استئجار مسكن متواضع في المدن وضواحيها. الحلول المتوافرة في الدول النامية والناشئة تبقى غير كافية بسبب سؤ التناسب بين العرض والطلب. فالتمويل وأن توافر يبقى فوق إمكانات الطبقات الوسطى وما دون. من ناحية أخرى تتسع فجوة الدخل بين الدول الغنية والفقيرة بسبب الأزمات المالية والسياسات المعتمدة منذ عقود. ارتفعت الفجوة بين الدخل الفردي في الدول الغنية والدول النامية مثلا من 3 مرات في سنة 1820، إلى 11 في سنة 1913، إلى 35 في الخمسينيات، إلى 44 في السبعينات وإلى أكثر من 72 مرة مؤخرا. لا شك أن السياسات الاقتصادية المعتمدة على تطبيق الرأسمالية من دون حدود أسأت إلى الدور الاجتماعي للدولة وهيبتها مما يفرض اليوم إعادة النظر بها. لا أحد يطلب العودة إلى الماركسية بعد التجارب المرة في الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الشرقية، لكن هنالك دور للقطاع العام يجب أن يقوم به من نواحي القانون والإجراءات والسلامة العامة والتنظيم المدني والتمويل الميسر.
في لبنان وفي ظل الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية المتردية، يشير المنطق إلى حتمية نزول أسعار العقارات. هذا لم يحدث رغم أن الأسعار تدنت بالقيمة الحقيقية بسبب التضخم دون أن تنحدر بالقيمة الأسمية. في البداية، ما هي العوامل التي تدفع أسعار العقارات إلى البقاء أسميا مرتفعة رغم انحدار القوة الشرائية للأجور وزيادة المخاطر الخارجية وتعثر الحكم في الداخل؟ لا شك أن السياسات الإسكانية ليست اليوم من ضمن أولويات هذه الحكومة كما معظم التي سبقتها، وهنالك قوانين مطلوب تعديلها وتبقى في أدراج الحكومة أو مجلس النواب أو الاثنين معا. هنالك إهمال عام واضح لهذه المواضيع، في وقت تعطى الأولويات لأمور جدا ثانوية. ما الذي يحدد الطلب ويبقي السعر مرتفعا حتى في هذه الظروف التي يرتفع فيها العرض؟
أولا: عدد السكان الذي يرتفع سنويا بنسب عالية أي بحدود 1.2% مقارنة ب 0.7% في فرنسا و1.4% في الهند كما تشير إليه إحصاءات البنك الدولي. تشير الأرقام إلى زيادة عدد الأسر المستقلة، أي أن عدد الذين يسكنون في المنزل الواحد ينحدر سنويا. هنالك لبنانيون أكثر فأكثر يسعون إلى السكن خارج المنزل الأهلي حتى قبل الزواج بسبب الرغبة في الاستقلالية والحرية. هذا واضح في المدن خاصة في العاصمة.
ثانيا: هنالك ضغط كبير للسكن في المدن خاصة في بيروت بسبب رغبة المواطن في الاستفادة من منافع العاصمة رغم مساوئ التلوث وازدحام السير وتدني بعض الخدمات الأساسية. هذا يجعل تطور الأسعار مختلفا بين المدن وبيروت من جهة والريف من جهة أخرى. فالتكلم عن اتجاه واحد للأسعار خاطئ، إذ أن أوضاع بيروت العقارية مختلفة عن المناطق البعيدة. كلما ارتفعت نسبة الاكتظاظ السكاني، كلما ارتفعت الأسعار مما يشير إلى الفوائد المتزايدة للسكن خارج المدن شرط تحقيق وسائل النقل المناسبة. هنالك مشاريع طرق وجسور وأنفاق تنفذ ببطء لكنها ستسهل الحركة، إلا أن المطلوب أيضا وضع نظام للنقل العام يعتمد على الباصات الحديثة اللائقة يسهل تنفيذها بين المناطق وداخل المدن.
ثالثا: يحتاج الإنسان اليوم إلى مساحات متزايدة داخل البيت للعيش والحركة والراحة، وبالتالي لا يمكن للشقة الواحدة أن تستوعب طبيعيا نفس العدد الذي كانت تستوعبه منذ عقود. فالإنسان يتطور في عقليته وحاجاته واستهلاكه ورغبته في الاستفادة من نوعية حياة أفضل. تتغير معالم العيش بسبب وعي الإنسان لفوائد الآليات الحديثة كالحواسب والتجهيزات والسلع والخدمات التي تسهل الحياة وتطورها.
رابعا: تتغير عموما نوعية الإنشاء وبالتالي أصبحت التكلفة أكبر. ما شاهدناه من انهيار مساكن وتعرض أخرى لخطر السقوط خطير ومؤسف، وبالتالي يشير إلى الإهمال المتراكم على مستويات عدة منها تشريعية وتنظيمية وتمويلية. المؤسف أكثر هو أن أبنية جديدة تتصدع بسبب الفساد الذي يعشعش في زوايا القطاعين العام والخاص. المطلوب المحاسبة كي لا تتكرر هذه الكوارث ويتحمل كل شخص مسؤولياته، كان مالكا أو مستأجرا أو مسؤولا بلديا أو رسميا. إذا اعتبرنا أن الإهمال في الإنشاء استثناء وأن الأكثرية الساحقة من الأبنية الجديدة متينة، نستطيع أن نفهم أن تكلفة الإنشاءات الجديدة ترتفع بسبب أسعار الأرض والمواد الأولية والمحتويات.
خامسا: هنالك رغبة عند اللبناني في شراء شقة يسكن فيها ويورثها لأولاده. أنها طبيعة الإنسان القلق دائما على مستقبله، حيث يأتي المسكن في طليعة الحاجات الإنسانية والعائلية الأساسية. يمكن للإنسان أن يضحي في ملبسه وتغذيته ورفاهيته، ولا يقبل التضحية بشراء المسكن. فالإيجار دائما خطر بسبب إمكانية تغير القوانين من ناحيتي السعر والإخلاء، وبالتالي لا يمكن استئجار مسكن مدى الحياة بل لمدة قصيرة كي يتدبر الإنسان أمره. هنالك مقولة تشير إلى ضرورة شراء المنزل قبل الثلاثين من العمر بحيث تتسدد قيمته قبل الستين أي قبل التقاعد، علما أن العمر المرتقب للبناني يقدر ب 72 سنة. لا مانع من تغيير المسكن كل عشر سنوات بحيث تنتقل العائلة من مساحة إلى أخرى أكبر. يقول "مارك فيورنتينو" الخبير العقاري الفرنسي "أن المسنين هم شباب اشتروا مسكنهم وسددوا قيمته". لا ننسى أن فرص التمويل للشراء أصبحت متوافرة أكثر للبناني ذات القدرة الشرائية المتوسطة.
بالرغم مما ذكرنا، هل يمكن للأسعار أن تبقى جامدة أسميا في لبنان؟ لا نتوقع سقوطا سريعا وكبيرا للأسعار، إذ أن حصول ذلك يعتمد على رغبة كبيرة وعامة في البيع وهذا لحسن الحظ غير متوقع. لا بد من ذكر الوقائع التي تشير إلى احتمال بدء الانحدار قريبا وتدريجيا.
أولا: ارتفعت أسعار العقارات أكثر بكثير من ارتفاع معدل الدخل خاصة الأجور. الأوضاع الخارجية متردية وبالتالي الطلب الخارجي من لبنانيين وغيرهم ضعيف. العرض كبير وواضح رغم غياب الإحصاءات الدقيقة بشأن الشقق والمكاتب والمحلات الفارغة في العاصمة وخارجها. يشير هذان العاملان أولا إلى عدم إمكانية بقاء الأسعار مرتفعة وبالتالي إلى بدء الانحدار عاجلا أم آجلا. هنالك مصلحة عامة في انخفاض الأسعار أكثر كي يستطيع اللبناني العادي التملك فيتعلق أكثر بأرضه ويطمئن إلى مستقبله. هنالك ضرورة لإصدار قانون إيجارات جديد يحرك قيمة الإيجار سنويا تبعا للتضخم. لا يمكن ظلم المالك كما لا يمكن ظلم المستأجر. المطلوب قانون لا يوقع ضحايا ويسهل السكن للبناني.
ثانيا: لا مانع من إدخال ضريبة على المضاربات العقارية أي على العقارات التي تنتقل من مالك إلى آخر ضمن السنة. يجب تشجيع البناء والشراء ومحاربة المضاربة المضرة اقتصاديا والتي تقضي على الطبقات الوسطى وما دون. أضرت المضاربات كثيرا بالأسعار وجعلت تقلباتها تقوى، فساهمت في زيادة قلق المواطن بالنسبة للمستقبل.
ثالثا: المستقبل في لبنان هو للمساكن الصغيرة التي تقع ضمن إمكانات المواطن ذو الدخل المتوسط وما دون. الطلب اليوم هو على الشقق الصغيرة ذات المساحة بين 50 و150 مترا مربعا خارج العاصمة والمدن مع نوعية مقبولة تتيح تحقيق الربح للمستثمر وتقع ضمن إمكانات اللبناني ذو الدخل المتوسط. ليس هنالك شيء نهائي إذ يمكن للمواطن أن ينتقل من مسكن إلى آخر مثلا كل 10 سنوات عندما تتحسن أوضاعه المادية وتتوسع عائلته وتتغير حاجاته. المهم الشراء والتسديد تدريجيا وثم الراحة.
الاستقامة ركيزة الاقتصاد الناجح
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح... اقرأ المزيد
3305
| 24 سبتمبر 2014
الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية
تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية... اقرأ المزيد
871
| 21 سبتمبر 2014
قوة الدولار من قوة أمريكا
المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد... اقرأ المزيد
1289
| 17 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8934
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4155
| 23 سبتمبر 2026