رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أما العزيزُ فهو شعب هذه الثورة وأهلها الذين قدموا، ولا يزالون، للعالم دروساً في التضحية والعطاء وحب الوطن قلﱠ نظيرُها في التاريخ.
لا بأس في هذا المقام أن يَصف بعض (المثقفين) هذا الكلام بـ (العاطفي)، مع أننا نؤكد عليه انطلاقاً من قراءة قوانين وسُنن الاجتماع البشري. وحين نستخدمُ الكلمات المكتوبة أعلاه بشكلٍ يبدو فيه تكرارٌ لها، فلأن اللغة نفسَها باتت تعجز عن رفد المرء بمصطلحات تفي بالمقام.
لا مُشاحة هنا أيضاً في استذكار كل الأخطاء والمشكلات التي مرت وتمرﱡ بها الثورةُ وأهلها. لأن هذه الثورة تحديداً تُمثل بشكلٍ عام تجربةً بشريةً غير مسبوقة في التاريخ المعاصر على الأقل. نقول (بشكلٍ عام) لأن ثمة استثناءً وحيداً في الظاهرة، وهو استثناءٌ أقرب للمفارقة، ويتمثل في أن السوريين (البشر) يواجهون نظاماً يبدو أن نصيبه من البشرية، بمعناها الإيجابي، لا يتجاوز الوصف الاسمي.
يكفي القول إن الثورة أخرجت من السوريين في بداياتها أسمى ما يمكن أن يخرج من البشر، لكن هذا أخرجَ من النظام وأزلامه أخسﱠ ما يمكن أن يخرج من البشر.
كانت ممارسات السوريين في الأشهر الأولى من الثورة أقرب لممارسات الملائكة. ثم إنهم واجهوا، مما باتت الناسُ تعرفهُ، ما لا يُطيقهُ البشر ابتداءً. فكان طبيعياً جداً، ومتوقعاً جداً أن يعود السوريون ليكونوا بشراً.
لا تسكنُ الأرضَ ملائكة، ولا يقوم هؤلاء بثورات. وإنما يسكنُها البشر، وهؤلاء البشر هم من يجب أن يكملوا ثورتهم، حاملين على أكتافهم كل ما في البشر من ضعفٍ وقصورٍ من ناحية، وكل ما فيهم من قوةٍ وعزيمةٍ وقدرة على المراجعة والاستعادة والفعل وصناعة التاريخ من ناحيةٍ ثانية.
هذه هي العزﱠةُ الإنسانية في معناها الحقيقي، وهي العزة التي تكون دائماً مدخلاً للنصر، خاصةً حين يكون الخصم ذليلاً.
نعرفُ الكثير عن الذل الذي يتلبس أتباع النظام، نقرأ عن هذا ونشاهده ونسمعه في كل يومٍ بألف طريقةٍ وطريقة.
لكن هزيمة الذل القادمة قلما تكون واضحةً وصريحة كما هي الحال حين تعرفُ ممارسات وفد النظام في أجواء مؤتمر جنيف2.
ومن هنا تحديداً. تقرأ مُعطيات المؤتمر بكل ملابساتها المُعلنة والخفية، فلا تملك إلا أن تشعر بالتفاؤل.
لا يتعلق الأمر بمهارة وفد الائتلاف الوطني المعارض، مع الاحترام لجهوده. فقد أشرنا وأشار غيرنا لثغراتٍ كبيرةٍ في التحضير والأداء. وهي ثغراتٌ تتعلق بتقصيرٍ يعترف به بعض أعضاء الوفد بصراحةٍ ووضوح. والمرحلة القادمة تحتاج إلى مراجعات يحتاج إليها الائتلاف، كما تحتاج إليها كل القوى الفاعلة في الثورة.
ربما نحتاج لرؤية الصورة من زاويةٍ أخرى لفهمها وإدراك دلالاتها.
فنحن من ناحية بإزاء ثورةٍ طليقةٍ من كل قيد، فلا أسرَ لبطلٍ مُلهم، ولا اصطفاف وراء زعامةٍ تاريخية، ولا تقديس لرمزٍ لا يمسهُ النقد، ولا طاعة عمياء لقائدٍ لا يخطئ، ولا تأليه لإنسانٍ يحتاج في نهاية اليوم إلى إخراج فضلاته.
هذه هي ثورتنا اليوم، وهذا هو إنجازنا الكبير الذي سنرى نتائجه استراتيجياً رغم كل التضحيات والآلام الراهنة.
وهذا هو وفدُ الائتلاف، الذي اعترف به العالم ممثلاً للثورة، عرضةً لكل ألوان النقد والتوبيخ والاعتراض، بل والاتهام والتخوين.
ما من سوريٍ واحد، صغيرٍ أو كبير، يخشى اليوم من ممارسة النقد والتصريح برأيه في هذا المجال.
في مقابل هذا، ترى وفد النظام نموذجاً مثالياً على ذُلﱢ الإنسان في أبشع تجلياته.
كيف لا وكل فردٍ فيه يؤمن بأنه مأسورٌ لبطلٍ مُلهَم، يصطف جندياً مذعوراً وراء زعامةٍ تاريخية، ويُقدس رمزاً لا يجب أن يمسه النقد، ويُطيع بشكلٍ أعمى قائداً لا يمكن أن يخطئ، ويُؤلهُ فوق كل هذا إنسان جاء من التراب وسيعود إليه.
لهذا، يتحدث الجعفري رئيس الوفد خلال الجلسات وهو يحسب كلماته ورنة صوته خوفاً من (الإله) الذي يسمع كل ما يجري على الطرف الآخر من خط الهاتف.. فلا تخرج من فمه إلا البذاءة بمختلف أشكالها. لا يملك مثل هذا الإنسان فسحةً للتفكير بمحاذير ما يمكن أن يحصل تدريجياً وهو يحاول إضاعة الوقت بتوجيه الإهانات وكيل الاتهامات غالباً لوفد الائتلاف، وأحياناً للإبراهيمي.
ولهذا أيضاً، يجلس أعضاء وفد النظام كالأصنام دون أن يجرؤ واحدٌ منهم على الكلام. صحيحٌ أن قوانين الجلسات تنص على أن يكون الحديث للإبراهيمي ورئيس الوفدين يوجهان الخطاب إليه، لكن من حق رئيس الوفد أن يُعطي الكلمة لأي عضو. وفي حين يحصلُ هذا بين أعضاء وفد الائتلاف، لا يجرؤ الجعفري على ممارسة ذلك خوفاً من زلة لسانٍ قد تودي به وبصاحبها إلى مجاهل النسيان.
وهذا الذلﱡ هو الذي يدفع الوفد لعدم الإطالة في المباحثات خوفاً من هفوةٍ ما، ومن (إلهه) الذي تجب العودة إليه مراراً وتكراراً كل يوم. وهو الذي يجعل الحضور يرون أكثر من مرة المقداد وغيره يُنصتون بخوفٍ ورعب لهمسات أشخاص مجهولين يرافقونهم على الدوام.
وبما أن الذل كثيراً ما يأتي في لَبوس الكِبر، فقد كان من (بركات الثورة) وتوفيق المقادير أن يتكبر وليد المعلم على رئاسة الوفد، ليرأسها أكثرهم غلظةً وفظاظةً وبذاءةً في اللسان والتصرفات. في محفلٍ دولي يجب أن يكون حضورهُ أمثلةً للتهذيب والاحترام.
لن تتوقف روسيا في محاولاتها لكسب الوقت والتلاعب بالمسار السياسي بكل الطرق الممكنة.
ولا تبدو في الأفق علاماتٌ أكيدة على جدية موقف (أصدقاء سوريا)، خاصة الإدارة الأمريكية في البحث عن مخرجٍ بديل. بل إن أعضاء الوفد الأمريكي أنفسهم يُعبرون في جلسات خاصة عن تبرمهم وضيقهم من موقف الإدارة، وثمة أقاويل بأن روبرت فورد رئيس الوفد سيستقيل عن قريب، ربما ليقينه بأنه لن يتمكن من إنهاء خدمته الدبلوماسية بشكلٍ إيجابي.
لكن الدروس العامة من أجواء جنيف تدعو إلى تفاؤلٍ حذر، يمكن أن يكون كبيراً في حال توافر بضعة شروط تتعلق كلها بالسوريين الذين يجب أن تكون الأوراق القوية بأيديهم في نهاية المطاف.
فالائتلاف الوطني مُطالبٌ بالقيام بمراجعات كبيرة لا تقف عند الأداء في جنيف والتحضيرات له ولما قد يليه في المسار السياسي، بل وتتجاوز ذلك إلى تعزيز لُحمته الداخلية عبر مزيدٍ من المشاركة والشفافية والشراكة الحقيقية بين مختلف مكوناته.
وأهم ما في الموضوع أن الأوان آن لإبداع تصورٍ سياسي يكون فيه اعتبارٌ حقيقي وكبير لفصائل الثورة العسكرية الفاعلة على الأرض السورية. فهؤلاء الرابضون على الثغور ليسوا بدورهم ملائكةً منزهين، لكن ممارساتهم العملية والفكرية المتطورة باستمرار تُثبت تمسكهم بقيم الثورة الأصيلة وأهدافها، وتؤكد بالتالي الحاجة الماسة لترتيبات سياسية وعملية يكون لرأيهم ورؤيتهم فيها وزنٌ مُعتبر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2127
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
1617
| 10 يونيو 2026
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.
1569
| 04 يونيو 2026