رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

828

د. جاسم الجزاع

هل الوجاهة مطلب إنساني أم مرضٌ اجتماعي في ثقافتنا الخليجية؟

29 أكتوبر 2025 , 03:53ص

في نوادينا اليوم ودواويننا في الخليج العربي، نجد أنه أصبح لكلمة «برستيج» وجود في اللهجة الدارجة اليومية، فتُستخدم في المزاح أحيانًا، وفي الحكم على الناس أحيانًا أخرى، ولكن ما معنى البرستيج أصلًا؟ البرستيج كلمة فرنسية، وفي استخداماتها، تعني الصورة الاجتماعية التي يريد الإنسان أن يظهر بها أمام الآخرين: وهي تقابل معنى الوجاهة، والمهابة، والحضور، وهي محاولة لصياغة الانطباع عن النفس وصناعة الصورة الخارجية، ولكن هل من الممكن أن نعتبر أن الوجاهة هي البرستيج؟ إن بين المصطلحين فرقا مهما: فالوجاهة في معناها العربي القديم كانت مرتبطة بالاعتبار، بالمكانة الحقيقية، باحترام الناس للمرء لأنه يحمل في ذاته كشخص قيمة معنوية كالشرف والكرم وحسن الرأي، أما البرستيج اليوم فغالبًا ما يتعلق بالشكل الخارجي وحده: كالسيارة، والمكتب، والمنزل واللباس، وأسلوب الكلام ناهيك عن المضمون. 

وهنا يخرج السؤال: هل الوجاهة أو البرستيج مطلب؟ وهل من الخطأ أن يريد الإنسان أن يُحترم؟ من الطبيعي أن يبحث الإنسان عن مكانة له بين الناس، فهذا جزء من حاجته الاجتماعية للاعتراف والاعتبار، ولا حرج في أن يحب المرء أن يُنظر إليه بإعجاب أو احترام، بل في الثقافة العربية والإسلامية القديمة، كان وجود الوجهاء مطلباً حيوياً في المجتمع لأنه كان يعطي ضمانة أخلاقية، فوجود رجل له وجاهة كان يعني وجود شخص يستطيع أن يشفع، أن يحل المعضلات، أن يخدم الناس بسمعته، أي أن للوجاهة وظيفة اجتماعية، لا مجرد لفت نظر.

لكن المشكلة تبدأ عندما تنفصل الوجاهة عن القيمة، وتصبح مجرد عرض خارجي بلا جوهر داخلي، فأصبح هناك طريقان لكسب الوجاهة بين الناس، الطريق الأول هو الطريق الصعب المجهد، طريق أصيل بطيء في مكتسباته، ويقوم على العلم، والإتقان، والخلق، وخدمة الناس بصدق، واحترام النفس قبل طلب احترام الناس، فهذه الوجاهة التي تبنى ولا تُشترى، وهي التي تبقى حتى بعد الغياب، ويذكر صاحبها بخير حتى لو لم يعد حاضرًا في أذهان الناس، أما الطريق الثاني: فهو الطريق السريع، وهو طريق الاستعراض، والسعي الحثيث لإظهار ما ليس حقيقيًا، والمبالغة في تضخيم الذات ومن هنا يولد البرستيج الزائف. فالبرستيج الزائف ليس مجرد ذوق مرتفع أو حب للأناقة. لا ليس كذلك، إنما المشكلة هنا أعمق، فالمشكلة أنه يصبح بديلاً عن الإنجاز الحقيقي والتأثير الحقيقي، فبدل أن يتعب الإنسان ليكون مؤثرًا في واقعه، يختار أن يبدو مؤثرًا فقط ويتصنع ذلك، وتظهر خلالها أخطر أمراضنا الاجتماعية المعاصرة: الادعاء. حين يلبس شخص دور «الناجح»، و»المتميز»، قبل أن ينجح فعلاً، فتتحول حياته إلى مسرحية ترتدي الكذب والتزييف أمام الجمهور، ونجد أن الكذب في حياته يفتح على مصراعيه: كذب في السيرة الذاتية، وكذب في حجم العلاقات، وكذب في وصف المنجزات، وكذب في ما يملك وكذب في من يعرف، وهنا يصبح البرستيج سجنًا، لأن صاحبه لا يستطيع التراجع خطوة دون أن يسقط القناع كله.

فهذه الثقافة «ثقافة الوجاهة المزيفة أو البرستيج» هي ثقافة خطرة على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع معًا، ونحن يا أصدقائي لا أدعوكم إلى رفض الذوق الحسن أو المظهر المرتب، ولسنا ضد الأناقة، ولكننا مدعوون لإعادة تعريف معنى الوجاهة، كما كان يفهمها آباؤنا، هي أن تكون مصدر ثقة أخلاقيا وإنسانيا في محيطك المجتمعي، وأن يُشار إليك بالبنان لجهدك وقيمتك الذاتية وليس لشكلك وادعائك الصورة الخارجية، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس أن نلغي الوجاهة، بل أن ننتزع الوجاهة من يد الزيف ونردّها ونضعها في يد القيمة الحقيقية.

مساحة إعلانية