رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد بن عوض المشيخي

أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

مساحة إعلانية

مقالات

1092

د. محمد بن عوض المشيخي

الحرس القديم

15 مارس 2025 , 12:13ص

الحرس القديم مصطلح كثر استخدامه في السنوات الأخيرة في الوطن العربي من جيل الشباب، ويشير هذا المفهوم إلى علية القوم من كبار المسؤولين في الدولة الذين احتفظوا بمناصبهم عقوداً عديدة على الرغم من إخفاقاتهم الكثيرة، ولكن هناك إصرار يتمثل في حبهم الشديد وتمسكهم بالكرسي أو المنصب الوزاري إلى ما لا نهاية، فهؤلاء المسؤولون يعتقدون بل يجزمون بأحقيتهم بأن يتخلدوا في أماكنهم، فلا يوجد شخص في هذا الكون يستطيع أن يقوم بالواجبات اليومية لتلك الشخوص الطرزانية من وجهة نظر الجهات العليا التي سمحت لهم وعينتهم باعتبارهم أفرادا أتوا من عالم آخر؛ وبأن الوظيفة هنا تشريف وليس تكليفاً، والأهم من ذلك كله، بأن هناك شعوراً بأن حياتهم لا يمكن أن تستمر بتركهم المنصب؛ بل هم مثل السمك الذي يموت بخروجه من محيط الوظيفة الحكومية. من هنا تأتي المعضلة الكبيرة في معارضتهم للإصلاحات الجديدة التي يفرضها واقع المتغيرات الجديدة وبالدرجة الأولى مصلحة الوطن والمواطن، وذلك انطلاقا من القاعدة الصحيحة التي تقول "لكل زمن دولة ورجال"، ذلك الكون إن الإنسان له سنوات معينة في الإنتاج والعطاء بل وحتى في الإبداع يمكن أن تمتد العقد من الزمن كحد أقصى.

* صحيح أن مفهوم "الحرس القديم" يعود لقرون مضت وتحديدا عصر الإمبراطور الفرنسي (نابليون بونابرت) الذي كان له مقاييس ومواصفات في حرسه القديم من القادة والشخصيات السياسية في بلاطه، إلا أن الوجود الحقيقي لهم في معظم بلداننا العربية ودول العالم الثالث مزروع من دول أجنبية بهدف المحافظة على مصالح الدول الاستعمارية التي خرجت من الأبواب بسبب الثورات الوطنية، ثم رجعت من النوافذ الخلفية من خلال هؤلاء العملاء، فالكل هنا في منظومة الحرس القديم يحارب الأفكار الجديدة وينغلق على نفسه؛ فالخطر الأكبر الذي لا يمكن تحمله وقبوله هو الدماء الجديدة من الجيل الصاعد الذين يفترض لهم أن يحملوا الراية نحو الغد المشرق وهذه سُنَّة الحياة، انطلاقا من المبدأ المتعارف عليه في الدول التي تحارب الفساد وتحقق العدالة الاجتماعية بتخصيص سنوات معينة للمسؤول الحكومي لا تتجاوز الخمس سنوات ثم يخضع للتقييم الذي يحدد مدى استمراريته في منصبه من عدمه.

* فلكل مرحلة يحتاج الوطن إلى أصحاب المبتكرات والمشاريع الإصلاحية، فهناك تجارب عالمية ناجحة كان لها الدور الأكبر في انتشال تلك المجتمعات الفقيرة من شظف العيش والانطلاق بالوطن نحو حجز مكان بارز في مصاف الدول المتقدمة على الرغم من قلة الموارد الطبيعية واستبدال ذلك بما يعرف بالاقتصاد المعرفي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على عقول الأبناء الذين يحولون إبداعاتهم العلمية والبحثية إلى مشاريع إنتاجية واعدة تصدر إلى مختلف دول العالم. وهنا أتذكر تجارب آسيوية وأفريقية من دول شبيهة لنا مثل ماليزيا التي نجح فيها المرحوم مهاتير محمد في عقد الستينيات لتصبح ماليزيا درة التاج لدول شرق آسيا من حيث التنمية الاجتماعية والاقتصادية، بينما يقود مؤسس سنغافورة (لي كوان يو) تلك الجزيرة التي تفتقد إلى النفط والغاز والمعادن إلى واحدة من أفضل اقتصاديات العالم قاطبة معتمدا في بداية عمله على تطوير التعليم ومحاربة الفساد من الأعلى أو ما أصبح يعرف بتكنيس الدرج من الأعلى أي التخلص من فساد الحرس القديم ومحاسبتهم وطردهم من مفاصل الدولة.

* أما التجربة الثالثة فأتت من قلب القارة السمراء التي ينخر فيها الفساد، إذ كانت جمهورية (رواندا) لا تملك ثروات طبيعية، ولا منفذًا على البحر، لكن تهيأ لها قائدٌ أمين عمل جاهدًا على اجتثاث الفساد والمفسدين، ويُدعَى (بول كاغامه) الذي تولى الرئاسة في مطلع هذه الألفية، فقد أصدر قانونًا إجباريًّا يتم تطبيقه ميدانيًّا على خمسة آلاف مسؤول رواندي وعائلاتهم، بما فيهم رئيس الجمهورية نفسه؛ وذلك بهدف الكشف عن حساباتهم البنكية وأملاكهم في الداخل والخارج، وتطبيق مبدأ من أين لك هذا؟ وبالفعل ذهب إلى حبل المشنقة بعض المسؤولين الذين نهبوا المال العام. ومن المفارقات العجيبة أن رواندا خرجت من أسوأ حرب أهلية في التاريخ؛ قتل فيها مليون مواطن رواندي في تسعينيات القرن الماضي، لكنها نهضت من مستنقع الإبادة الجماعية لتتحول إلى أفضل سوق مفتوح في أفريقيا، وبنموٍّ سنوي تجاوز أفضل الاقتصاديات في العالم.

* في الختام، من المؤسف حقا أن دولنا التي تملك الثروات المعدنية والنفط والغاز والزراعة والثروات السمكية الطائلة وتعجز عن انتشال مواطنيها من الفقر والجهل والأمية، وتحولت العديد من الدول العربية إلى دول فاشلة بسبب نهب الأموال وتحويلها للخارج في البنوك الغربية وقد لا ترجع يوما ما للذين أودعوها كما أعلن الرئيس الأمريكي عن نيته مصادرة المليارات التي أودعها رموز الفساد في العراق إبان الاحتلال الأمريكي وسقوط بغداد في العقد الأول من الألفية الثالثة.

 

أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

اقرأ المزيد

alsharq ماذا لو تحولت تصريحات «مزراحي» إلى واقع؟

قرار سلطات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى منذ بدء التصعيد العسكري في المنطقة تحت ذريعة الإجراءات الاحترازية لا يبدو... اقرأ المزيد

177

| 18 مارس 2026

alsharq الأزمات.. واختبار الأصدقاء

قبل أسابيع وصلتني رسالة قصيرة من صديقة عربية لم تكتب الكثير، اكتفت بكلمتين «انا معك». كلمتان لكنهما كانتا... اقرأ المزيد

150

| 18 مارس 2026

alsharq هل غيرت الحرب وعي الشعوب الخليجية؟

وصل شهر رمضان لهذا العام الى نهايته والخليج يقف على تخوم لحظة سياسية حازمة، حيث تقاطعت روحانية الشهر... اقرأ المزيد

165

| 18 مارس 2026

مساحة إعلانية