رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

261

د. خالد وليد محمود

ماذا لو صمتت الشبكة؟

10 مارس 2026 , 03:04ص

في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا تُسمع صفارات إنذار. يحدث ما هو أبسط وأشد قلقاً: تختفي الإشارات. الهواتف تبحث عبثاً عن شبكة، الإنترنت يتلاشى فجأة، أنظمة الملاحة تفقد اتجاهها، والبث يتوقف دون تفسير. يتسلل الصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية كأنه خلل عابر، قبل أن يتحول إلى إدراك ثقيل: البنية التي كانت تحمل العالم لم تعد تعمل. لا أحد يعرف ما الذي حدث، ولا من يقف خلفه، لكن الحقيقة الوحيدة الواضحة أن الاعتماد الكامل على شبكة غير مرئية يمكن أن ينقلب في لحظة إلى هشاشة مطلقة.

قد يبدو المشهد سينمائياً، لكنه أقرب إلينا مما نتصور. تخيّل أنك تستيقظ في صباحٍ عادي من صباحات القرن الحادي والعشرين. تمتد يدك إلى الهاتف كالمعتاد… لا إشعار يصل. تفتح التطبيق، فلا يستجيب. تحاول الاتصال، فتظهر عبارة "لا توجد شبكة". في البداية يبدو الأمر عطلاً عابراً. تمرّ ثوانٍ ثقيلة، ثم دقائق. تتجمد التطبيقات، تتأخر الرسائل، يتباطأ النظام، ويتسلل قلق غير مفهوم إلى داخلك.

هنا، يكفي أن يتعطل الاتصال لثوانٍ حتى نشعر باضطراب لا نستطيع تفسيره. فنكتشف، ولو للحظة، أننا لا نستخدم الشبكة فحسب، بل نعيش داخلها. غير أن السؤال الأكثر إزعاجاً ليس ماذا لو تعطّل التطبيق، بل ماذا لو صمتت الشبكة نفسها؟ ماذا لو انقطع الإنترنت عن العالم انقطاعاً واسع النطاق لأيام أو أسابيع؟

عندها لن يكون الحدث تقنياً، بل بنيوياً؛ لن يكون خللاً في الخدمة، بل اختباراً للنظام الدولي الذي أعاد الاتصال الرقمي تشكيله جذرياً.

تُقدَّر المعطيات عدد مستخدمي الإنترنت عالميًا بنحو 6 مليارات شخص، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان الأرض. هذا يعني أن الاتصال لم يعد امتيازاً، بل أصبح شرطاً هيكلياً للحياة المعاصرة. والأهم أن وسائل التواصل الاجتماعي تجاوزت عتبة 5.24 إلى 5.66 مليار مستخدم نشط، وهو ما يمثل أكثر من ثلثي البشرية تقريباً.

هذه الأرقام لا تعكس انتشارًا تقنيًا فحسب، بل تشير إلى تحول حضاري عميق؛ فالمجال العام، والاقتصاد، وأنماط العمل، والتعليم، وحتى الهوية الاجتماعية، باتت متشابكة مع بنية رقمية تعمل بلا توقف. وبالتالي فإن انقطاعاً واسع النطاق لا يعني اختفاء منصات التواصل فحسب، بل اهتزاز منظومة الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فالمعاملات المالية العابرة للحدود، التي تمر يوميًا بتريليونات الدولارات، تعتمد على الاتصال الفوري. أنظمة الحجز والنقل البحري والجوي مرتبطة بسيرفرات موزعة عالمياً. حتى إدارة شبكات الطاقة والمياه أصبحت مؤتمتة عبر أنظمة رقمية. وعندما تتوقف البيانات، تتوقف معها القدرة على التحقق، والمصادقة، وإدارة المخاطر.

المعروف أن الإنترنت صُمِّم في بداياته بوصفه شبكة لامركزية قادرة على الصمود أمام الأعطال والاضطرابات، بحيث لا يؤدي سقوط جزء منها إلى انهيارها بالكامل. غير أن هذه المرونة التقنية تخفي مفارقة بنيوية واضحة: فالبنية المادية التي يحملها الفضاء الرقمي ليست موزعة بالقدر نفسه من التوازن. إذ تمرّ أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية عبر كابلات بحرية تمتد في قاع المحيطات لمسافات تتجاوز مليون كيلومتر، تملكها أو تشارك في تمويلها وتشغيلها شركات تكنولوجية كبرى وتحالفات تجارية عابرة للحدود. كما يدير نظام أسماء النطاقات عددٌ محدود من خوادم الجذر التي تمثل نقطة ارتكاز حيوية في توجيه حركة الإنترنت عالمياً، في حين تتركز مراكز البيانات العملاقة في مناطق جغرافية بعينها، غالباً داخل نطاقات نفوذ اقتصادي وتقني محددة.

هذه الحقائق تعني أن "الفضاء السيبراني" ليس كياناً افتراضياً طليقاً في الفراغ، بل منظومة مادية كثيفة ومتموضعة، يمكن — نظرياً — أن تتعرض لتعطيل متزامن بفعل هجوم سيبراني منسق، أو تخريب مادي يستهدف نقاط الاختناق الحيوية، أو حتى حدث طبيعي استثنائي كعاصفة شمسية فائقة. وهنا تنكشف المفارقة: شبكة وُلدت لتقاوم الضربات، لكنها تقوم على بنية مادية مركّزة تجعلها، في لحظات معينة، أكثر هشاشة مما تبدو عليه.

عند وقوع انقطاع واسع، ستظهر فجأة الفوارق بين الدول. الدول التي استثمرت في مراكز بيانات وطنية وبنى تحتية سيادية قد تتمكن من تشغيل شبكات داخلية محدودة. أما الدول التي اعتمدت بالكامل على الخدمات السحابية العابرة للحدود، فستجد نفسها أمام فراغ إداري وتشغيلي. هنا يتحول مفهوم "السيادة الرقمية" من شعار سياسي إلى متغير حاسم في إدارة الاستقرار الداخلي.

الأخطر من الانقطاع ذاته هو ما قد يعقبه. فالصدمة قد تدفع الدول إلى تقليص اعتمادها على الشبكة العالمية وتعزيز شبكات وطنية أو إقليمية مغلقة نسبياً. قد تتوسع مشاريع "وطننة الإنترنت"، ويتعزز منطق الأمننة على حساب الانفتاح. وهنا يصبح احتمال تجزئة الإنترنت العالمي أكثر واقعية، لا بوصفه خياراً أيديولوجياً، بل استجابة استراتيجية لمخاطر كشفتها الأزمة.

إنّ مجرد إدراك أن ستة مليارات إنسان قد يجدون أنفسهم خارج الشبكة في لحظة ما يكفي لفهم حجم التحول الذي نعيشه. انقطاع الإنترنت اليوم يعادل، من حيث الأثر البنيوي، تعطّل شبكات الكهرباء في القرن العشرين أو إغلاق الممرات البحرية في القرون السابقة. إنه ليس توقف خدمة، بل اختبار لصلابة النظام الدولي الرقمي.

ومع ذلك، فإن السؤال الأعمق لا يتوقف عند احتمال انقطاع الشبكة، ولا عند حجم الخسائر التي قد تترتب عليه. فربما يكون الانقطاع — مهما بدا كارثياً — مجرد لحظة كاشفة لطبقات أعمق من الواقع الرقمي. إذ إن التركيز على هشاشة الاتصال يقودنا، بالضرورة، إلى سؤال أكثر جذرية: من يملك هذه الشبكة أصلاً؟ ومن يتحكم في مفاتيحها؟ من يضع قواعدها التقنية، ويدير بنيتها التحتية، ويملك الكابلات، ويشرف على بروتوكولاتها، ويحدد من يدخل إليها ومن يُستبعد منها؟

فالإنترنت الذي نتصوره فضاءً مفتوحاً وعابراً للحدود، يقوم في الحقيقة على توازن دقيق بين دول، وشركات عابرة للقوميات، وهيئات تنظيمية، وتحالفات تقنية. إنه ليس "ملكية عامة" بالمعنى الرومانسي، ولا "أرضاً بلا سيادة"، بل شبكة معقدة من الامتيازات والهيمنات والاحتكارات الناعمة. وإذا كان انقطاعه المحتمل يكشف هشاشته، فإن استمرار عمله اليومي يكشف بدوره بنية السلطة التي تنظمه بصمت. وهنا يبدأ سؤال آخر، يتجاوز سيناريو الانقطاع إلى فلسفة الملكية والهيمنة في العصر الرقمي… وهو سؤال يستحق مقالاً مستقلاً.

اقرأ المزيد

alsharq الأسرة في مواجهة الأزمات

في ظل الظروف الإقليمية التي تعيشها المنطقة هذه الأيام، وحرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران. ومع استمرار الضربات العسكرية... اقرأ المزيد

6

| 20 مارس 2026

alsharq عشرة أعوام في قطر أجمل أيام حياتي

عشرة أعوام عشتها في قطر أعتبرها أجمل أيام حياتي التي شارف عقدها السادس على الغروب. بلد طيب رائع... اقرأ المزيد

9

| 20 مارس 2026

alsharq لقد مررنا من هنا

ليست كل المحطات في حياتنا صالحة للبقاء، لكنّها جميعًا صالحة للتعلّم. نمرّ من الطرق الوعرة كما نمرّ من... اقرأ المزيد

9

| 20 مارس 2026

مساحة إعلانية