رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا تُسمع صفارات إنذار. يحدث ما هو أبسط وأشد قلقاً: تختفي الإشارات. الهواتف تبحث عبثاً عن شبكة، الإنترنت يتلاشى فجأة، أنظمة الملاحة تفقد اتجاهها، والبث يتوقف دون تفسير. يتسلل الصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية كأنه خلل عابر، قبل أن يتحول إلى إدراك ثقيل: البنية التي كانت تحمل العالم لم تعد تعمل. لا أحد يعرف ما الذي حدث، ولا من يقف خلفه، لكن الحقيقة الوحيدة الواضحة أن الاعتماد الكامل على شبكة غير مرئية يمكن أن ينقلب في لحظة إلى هشاشة مطلقة.
قد يبدو المشهد سينمائياً، لكنه أقرب إلينا مما نتصور. تخيّل أنك تستيقظ في صباحٍ عادي من صباحات القرن الحادي والعشرين. تمتد يدك إلى الهاتف كالمعتاد… لا إشعار يصل. تفتح التطبيق، فلا يستجيب. تحاول الاتصال، فتظهر عبارة "لا توجد شبكة". في البداية يبدو الأمر عطلاً عابراً. تمرّ ثوانٍ ثقيلة، ثم دقائق. تتجمد التطبيقات، تتأخر الرسائل، يتباطأ النظام، ويتسلل قلق غير مفهوم إلى داخلك.
هنا، يكفي أن يتعطل الاتصال لثوانٍ حتى نشعر باضطراب لا نستطيع تفسيره. فنكتشف، ولو للحظة، أننا لا نستخدم الشبكة فحسب، بل نعيش داخلها. غير أن السؤال الأكثر إزعاجاً ليس ماذا لو تعطّل التطبيق، بل ماذا لو صمتت الشبكة نفسها؟ ماذا لو انقطع الإنترنت عن العالم انقطاعاً واسع النطاق لأيام أو أسابيع؟
عندها لن يكون الحدث تقنياً، بل بنيوياً؛ لن يكون خللاً في الخدمة، بل اختباراً للنظام الدولي الذي أعاد الاتصال الرقمي تشكيله جذرياً.
تُقدَّر المعطيات عدد مستخدمي الإنترنت عالميًا بنحو 6 مليارات شخص، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان الأرض. هذا يعني أن الاتصال لم يعد امتيازاً، بل أصبح شرطاً هيكلياً للحياة المعاصرة. والأهم أن وسائل التواصل الاجتماعي تجاوزت عتبة 5.24 إلى 5.66 مليار مستخدم نشط، وهو ما يمثل أكثر من ثلثي البشرية تقريباً.
هذه الأرقام لا تعكس انتشارًا تقنيًا فحسب، بل تشير إلى تحول حضاري عميق؛ فالمجال العام، والاقتصاد، وأنماط العمل، والتعليم، وحتى الهوية الاجتماعية، باتت متشابكة مع بنية رقمية تعمل بلا توقف. وبالتالي فإن انقطاعاً واسع النطاق لا يعني اختفاء منصات التواصل فحسب، بل اهتزاز منظومة الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فالمعاملات المالية العابرة للحدود، التي تمر يوميًا بتريليونات الدولارات، تعتمد على الاتصال الفوري. أنظمة الحجز والنقل البحري والجوي مرتبطة بسيرفرات موزعة عالمياً. حتى إدارة شبكات الطاقة والمياه أصبحت مؤتمتة عبر أنظمة رقمية. وعندما تتوقف البيانات، تتوقف معها القدرة على التحقق، والمصادقة، وإدارة المخاطر.
المعروف أن الإنترنت صُمِّم في بداياته بوصفه شبكة لامركزية قادرة على الصمود أمام الأعطال والاضطرابات، بحيث لا يؤدي سقوط جزء منها إلى انهيارها بالكامل. غير أن هذه المرونة التقنية تخفي مفارقة بنيوية واضحة: فالبنية المادية التي يحملها الفضاء الرقمي ليست موزعة بالقدر نفسه من التوازن. إذ تمرّ أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية عبر كابلات بحرية تمتد في قاع المحيطات لمسافات تتجاوز مليون كيلومتر، تملكها أو تشارك في تمويلها وتشغيلها شركات تكنولوجية كبرى وتحالفات تجارية عابرة للحدود. كما يدير نظام أسماء النطاقات عددٌ محدود من خوادم الجذر التي تمثل نقطة ارتكاز حيوية في توجيه حركة الإنترنت عالمياً، في حين تتركز مراكز البيانات العملاقة في مناطق جغرافية بعينها، غالباً داخل نطاقات نفوذ اقتصادي وتقني محددة.
هذه الحقائق تعني أن "الفضاء السيبراني" ليس كياناً افتراضياً طليقاً في الفراغ، بل منظومة مادية كثيفة ومتموضعة، يمكن — نظرياً — أن تتعرض لتعطيل متزامن بفعل هجوم سيبراني منسق، أو تخريب مادي يستهدف نقاط الاختناق الحيوية، أو حتى حدث طبيعي استثنائي كعاصفة شمسية فائقة. وهنا تنكشف المفارقة: شبكة وُلدت لتقاوم الضربات، لكنها تقوم على بنية مادية مركّزة تجعلها، في لحظات معينة، أكثر هشاشة مما تبدو عليه.
عند وقوع انقطاع واسع، ستظهر فجأة الفوارق بين الدول. الدول التي استثمرت في مراكز بيانات وطنية وبنى تحتية سيادية قد تتمكن من تشغيل شبكات داخلية محدودة. أما الدول التي اعتمدت بالكامل على الخدمات السحابية العابرة للحدود، فستجد نفسها أمام فراغ إداري وتشغيلي. هنا يتحول مفهوم "السيادة الرقمية" من شعار سياسي إلى متغير حاسم في إدارة الاستقرار الداخلي.
الأخطر من الانقطاع ذاته هو ما قد يعقبه. فالصدمة قد تدفع الدول إلى تقليص اعتمادها على الشبكة العالمية وتعزيز شبكات وطنية أو إقليمية مغلقة نسبياً. قد تتوسع مشاريع "وطننة الإنترنت"، ويتعزز منطق الأمننة على حساب الانفتاح. وهنا يصبح احتمال تجزئة الإنترنت العالمي أكثر واقعية، لا بوصفه خياراً أيديولوجياً، بل استجابة استراتيجية لمخاطر كشفتها الأزمة.
إنّ مجرد إدراك أن ستة مليارات إنسان قد يجدون أنفسهم خارج الشبكة في لحظة ما يكفي لفهم حجم التحول الذي نعيشه. انقطاع الإنترنت اليوم يعادل، من حيث الأثر البنيوي، تعطّل شبكات الكهرباء في القرن العشرين أو إغلاق الممرات البحرية في القرون السابقة. إنه ليس توقف خدمة، بل اختبار لصلابة النظام الدولي الرقمي.
ومع ذلك، فإن السؤال الأعمق لا يتوقف عند احتمال انقطاع الشبكة، ولا عند حجم الخسائر التي قد تترتب عليه. فربما يكون الانقطاع — مهما بدا كارثياً — مجرد لحظة كاشفة لطبقات أعمق من الواقع الرقمي. إذ إن التركيز على هشاشة الاتصال يقودنا، بالضرورة، إلى سؤال أكثر جذرية: من يملك هذه الشبكة أصلاً؟ ومن يتحكم في مفاتيحها؟ من يضع قواعدها التقنية، ويدير بنيتها التحتية، ويملك الكابلات، ويشرف على بروتوكولاتها، ويحدد من يدخل إليها ومن يُستبعد منها؟
فالإنترنت الذي نتصوره فضاءً مفتوحاً وعابراً للحدود، يقوم في الحقيقة على توازن دقيق بين دول، وشركات عابرة للقوميات، وهيئات تنظيمية، وتحالفات تقنية. إنه ليس "ملكية عامة" بالمعنى الرومانسي، ولا "أرضاً بلا سيادة"، بل شبكة معقدة من الامتيازات والهيمنات والاحتكارات الناعمة. وإذا كان انقطاعه المحتمل يكشف هشاشته، فإن استمرار عمله اليومي يكشف بدوره بنية السلطة التي تنظمه بصمت. وهنا يبدأ سؤال آخر، يتجاوز سيناريو الانقطاع إلى فلسفة الملكية والهيمنة في العصر الرقمي… وهو سؤال يستحق مقالاً مستقلاً.
الأسرة في مواجهة الأزمات
في ظل الظروف الإقليمية التي تعيشها المنطقة هذه الأيام، وحرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران. ومع استمرار الضربات العسكرية... اقرأ المزيد
6
| 20 مارس 2026
عشرة أعوام في قطر أجمل أيام حياتي
عشرة أعوام عشتها في قطر أعتبرها أجمل أيام حياتي التي شارف عقدها السادس على الغروب. بلد طيب رائع... اقرأ المزيد
9
| 20 مارس 2026
لقد مررنا من هنا
ليست كل المحطات في حياتنا صالحة للبقاء، لكنّها جميعًا صالحة للتعلّم. نمرّ من الطرق الوعرة كما نمرّ من... اقرأ المزيد
9
| 20 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
9087
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1194
| 18 مارس 2026
نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في جميع القطاعات المفصلية على السعي الدؤوب والمستمر لتوفير كافة احتياجات السكان والتحسين الدائم لكل ما يخص الخدمات وتوفير المستلزمات الضرورية من خدمات أمنية وصحية ومن دواء وغذاء مما يضمن طمأنة وراحة الجميع. نشيد خاصةً بالدور الفعال والمُشرف لرجالنا البواسل في القوات المسلحة القطرية في إدارة هذه الأزمة بشكل يدعو إلى الاعتزاز والفخر في ظل قيادة وتوجيه صاحب السمو أمير البلاد المفدى حفظه الله، ونسأل الله العظيم أن تتكلل هذه الجهود النبيلة بالنصر والظفر ويعم السلام على دولنا الخليجية ومحيطنا العربي. من هذا المنطلق ندعو الجميع للتعامل مع الأزمة بكل حكمة ووعي مع تطبيق الإرشادات الصادرة من جميع الجهات المختصة وعلى رأسهم التحديثات والتنبيهات الصادرة من وزارة الداخلية، والتي تختص بأهم التوصيات والتحذيرات لتجنب أي مخاطر ناجمة من آثار رد الاعتداءات على أجواء وأراضي دولتنا الحبيبة. ونحمد الله أنه على صعيد الأمن الغذائي والمائي والدوائي لا تزال الأمور مستقرة والمخزون متوافر بشكل كافٍ بتصريح من الجهات المختصة، بحيث لا يستدعي أي قلق أو هلع لشراء المواد الغذائية وتخزينها بدون ضرورة، وأن يشتري الشخص على قدر حاجته. فالشراء الزائد عن الحد والنفقات المبالغ فيها نتيجة الهلع من نقص السلع يؤدي إلى إضعاف السيولة النقدية الشخصية وقد يرفع الأسعار ويضر المجتمع ككل. الحرب لها تكلفتها وتتطلب إعادة ضبط الحسابات ومعرفة الأولويات، فقد تتغير طريقة الإنفاق ومصادره ونسبته بتغير الظروف والأحوال لأن القدرة الشرائية دون وجود التسهيلات والظروف التي تخدمها تضعف في ظل الظروف المتوترة، فلا يعود للقوة الشرائية طاقة ولا ضرورة تناسبية أو عاجلة على مستوى الكماليات وخدمات الرفاهية وأحياناً بعض الضروريات التي يمكن تأجيلها حتى تستقر الأوضاع. وبقراءة الوضع الاقتصادي الحالي، فأسعار النفط والغاز ومشتقاتهما سترتفع قليلاً على المستوى المحلي بنسب طفيفة جداً وتماشياً مع سياسة الدولة في ربط أسعار الوقود المحلية بالأسعار العالمية، وتزداد نسبة الارتفاع بالأضعاف على مستوى العالم بسبب الايقاف المؤقت لإنتاج النفط والغاز نتيجة القوة القاهرة المرافقة لأوضاع الحرب الراهنة واستهداف المرافق الحيوية الخاصة بإنتاج المشتقات البترولية. هذا بالإضافة إلى التخوف من نقص الكمية التي تطلبها الدول المستوردة بانتظام من الدول الأخرى المصدرة للنفط والغاز مما أدى إلى اضطراب في الأسواق العالمية ورفع أسعار الطاقة عالمياً بنسبة تتجاوز ٣٠ بالمائة منذ بدء الأزمة، وفي شهر مارس الجاري شهدت أسعار الطاقة قفزات حادة نتيجة القلق من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز وهو الممر المائي الأهم لتجارة الطاقة، فعلى سبيل المثال ارتفعت أسعار النفط الخام ( برنت وتكساس) بنسبة تتراوح بين ٢٥-٤٠٪ حيث تجاوز سعر برميل نفط برنت حاجز ١٢٠ دولاراً، ومع استمرار النزاع سيدفع الأسعار إلى ١٥٠ دولارا للبرميل في حالة الإغلاق الكامل للممرات المائية. أما على صعيد البورصات ومستوى الأداء، فقد شهدت البورصة المحلية تراجعاً ملحوظاً في شهر مارس الجاري نتيجة التأثر بظروف البيع وشملت معظم القطاعات الرئيسية خاصة النقل والصناعة والخدمات المالية لتأثر الأسواق الإقليمية بالتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط بالإضافة إلى تعطيل انتاج الغاز أو تأخر تصديره بشكل رئيسي وهو العامل الأكبر والمؤثر على الاستثمارات. في حين يشهد الدولار الأمريكي ارتفاعاً ملحوظاً عقب الضربات العسكرية المتبادلة بين أمريكا وإيران في أوائل الشهر الجاري، حيث وصل مؤشر الدولار إلى أعلى مستوياته باعتباره ملاذا آمنا للسيولة النقدية أولاً وبسبب ارتفاع أسعار الطاقة ومواجهة معدلات التضخم ثانياً، ثم بدأ في الانخفاض تدريجياً مع ظهور تنبؤات بانتهاء أو قصر أمد الحرب. ستبقى أسعار الذهب في وضع متذبذب بين الارتفاع ثم الانخفاض على الصعيد العالمي، يعزى الأمر إلى لجوء البعض لبيع الذهب للحصول على الأموال النقدية لتغطية المصروفات الطارئة خاصةً أن قوة الدولار الحالية رفعت سعر الذهب وجعلته باهظ الثمن بالنسبة للمشترين الدوليين، أما بالنسبة للحكومات فتميل عادةً لشراء كميات أكبر من الذهب من باب التحوط ضد التضخم وانهيار العملات، ما سيرفع أسعار الذهب على المدى الطويل خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية الحالية. أما الفضة فمن المتوقع أن تتراجع أسعارها بسبب التخوف العالمي من الركود الاقتصادي وقلة الطلب على المصانع الذي يدخل فيها معدن الفضة بسبب التوقف المؤقت. وبالنسبة للواردات القطرية، قد ترتفع الأسعار على المدى الطويل بسبب زيادة تكلفة الشحن والتوصيل وتأمين المسارات البديلة للتجارة، أما الصادرات فستحقق العائدات المالية الأكبر مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال وتأمين طرق تصديره للخارج، مما سيحقق نتائج إيجابية على مستوى الميزان التجاري للدولة. ويقصد بمصطلح (اقتصاد الحرب) وهو الظرف الراهن الذي يشهده العالم حالياً، النظام الذي يختص بتعبئة وتخفيض الموارد الوطنية لدعم المجهود العسكري مع تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان ويرتكز على زيادة التدخل الحكومي لضبط وتوزيع السلع ومراقبة الأسعار، وقد يؤدي إلى حدوث تغييرات جذرية في السياسات المالية والنقدية، وإعادة توجيه الإنتاج نحو الأغراض العسكرية. هذا وتمضي دولة قطر قدماً في طموحاتها الخضراء التي تعتبر أولوية استراتيجية والالتزام بتقليل انبعاثاتها الكربونية بنسبة ٢٥٪ بحلول عام ٢٠٣٠ وذلك بالاستمرار في مشاريعها الخاصة بانتاج الغاز الطبيعي والهيدروجين الأزرق والأخضر والتوسع الضخم في الطاقة الشمسية المتجددة.
1032
| 14 مارس 2026