رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن الحق سبحانه وتعالى قيض للمؤمن قوارب للنجاة من المهالك؛ فإن استجاب إليها المرء المسلم حملته إلى شاطئ الأمان، وكانت سببا في نجاته من الضياع والهلاك، فمعرفة الله تعالى وطاعته أول طريق السائرين في دروب الصالحين يبتغون الجنان عند رب العالمين، ويخشون لهيب النيران، وبداية الخطى على الحق المبين والطريق المستقيم والحصانة من كل سوء والأمان من كل زيغ، فالعبادة والطاعة والامتثال لأمر الله تعالى والسير على منهج النبي صلى الله عليه وسلم لهي قارب النجاة من الغرق في بحر الضلالات، وسبيل النجاة من الآفات والانحرافات، فقلوب العباد أوعية وتحتاج هذه الأوعية لمن يتقن أن يضع فيها ما يكون مكسباً لها، وهذا ما يسمى بفن كسب القلوب، فإن المسلم الحر الذي يتخلق بأخلاق الإسلام وآدابه يتجنب النقاش الطويل والجدل والمراء، حتى لا تسوء صدور إخوانه وتضيق قلوبهم، ومن أجل أن يكون الحوار في أفضل صوره الفعلية، فعلى المسلم أن يلتزم الحسنى من القول والمجادلة بالتي هي أحسن وأن يقول لعباد الله التي هي أحسن، لذلك تصبح إجادة فن كسب القلوب أكثر ضرورة، حتى نستطيع ان يتعلم الناس ونوجههم نحو الهدف المراد تحقيقه، فالقلب يكون صالحاً إذا كان منوراً بنور الله عز وجل ومكسوّاً بلباس التقوى والورع، فتظهر عليه حينئذ علامات الرقة والصلاح، فلا ترى صاحبه إلا رحيماً رقيقاً خاشعاً خاضعاً سباقاً للخير والفضل، تواقاً لكل بر ومعروف مشتاقاً للقاء الله سبحانه وتعالى، فالقلب ما هو إلا وعاء الأعمال يحملها وينطبع بآثارها؛ فيكون صلاحه وفساده بحسب صلاح الأعمال وفسادها، وبتقلب سلوك العبد وأخلاقه تتقلب ظواهر القلب وحالاته بين السلامة والمرض، والسعادة والشقاء، وبحسب موافقة الأعمال لشرع الله تعالى وكثرتها وقلتها وإخلاصها تكون رقته أو قسوته. فإن للحوار الهادف ثماره الطيبة إذا كان بالجدية والاهتمام بالحلول الناجحة للمشاكل، وتكون له قيمة لا يستهان بها، فهو يقوم بدور بنّاء في سبيل إعداد العقول للتفكير الهادئ في الثوابت الإيمانية والعقيدة الراسخة فيما يتأسس عليها من العمل والنشاط، للحد من المنكر والرذائل والإشادة بالمعروف والقيم الإنسانية الفاضلة، فإن من ثمرة الحوار هو الوصول إلى الحق، فمن كان طلبه الحق، وغرضه الحق، وصل إليه بأقرب الطرق، وألطفها، فهو الطريق الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر من ربه يقول الله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" النحل:125. فالسلوك الحسن في الدعوة وسيلة تعين على كسب وجمع القلوب حول المتحدث أو الناصح أو المربي أو الداعية، وهي إخلاص النية وحسن الصلة بالله تعالى فإنها أول الوسائل التي تساعد المتحدث على جمع وكسب قلوب الناس، وهي إخلاص نيته لله وتنقيتها من كل شوائب.. وحسن الصلة بالله عز وجل فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلاناً فأحبَّه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله تعالى يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبْغِض فلاناً فأبغضْه فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض" رواه مسلم، فحب الله للعبد يتبعه حب الناس، لذا.. فعليه أن يجيد فن الإصغاء، فلتكن منصتاً جيداً حتى تكون متحدثاً جيداً، فحسن الإنصات للناس وهم يتحدثون سلوكٌ يعطي انطباعاً للمتحدث بأنه محل الاهتمام، فيطمئن قلبه، ونقصد هنا الاستماع والإصغاء الحقيقي الذي يصاحبه التفكير والتدبير، فيما يقوله المتحدث، ولا تنسَ مقابلة المتحدث بالابتسامة الصافية الصادقة، فهي عنوان للحب والود بين الإخوة، وكثير ما يملك المتحدث قلوب إخوانه بابتسامة يرسلها لهم قبل ان يتكلم ولو بكلمة واحدة، فيمحو ويزيل كثيراً من الحواجز، بعكس الوجه العابس فهو يبنى ويرسخ الحواجز بين الناس، فإن تجنب أسلوب التحدي والتسعف في الحديث وإيقاع الخصم في الإحراج، يكسبك محبة الخصم ويكون على استعداد للإقتناع والعمل بالأصوب والأحوط، فإن كسْب القلوب مقدم على كسب المواقف، ويا حبذا لو يحسن العلماء والدعاة ذلك، ويعلموا أن العبرة ليست بإظهار قوة الحجة، وإنما العبرة بكسب القلوب، فالأخذ بآداب الحوار يجعل للحوار قيمته العلمية، وانعدامها يقلل من الفائدة المرجوة منه، فإن المحاور الذي يتأدب بأدب الحوار هو الذي يعمل على تحقيق المنفعة والاستفادة من حواره، أما الذي يُغلظ القول ويرفع الصوت وينفخ الأوداج، فإنه لا يخلف إلا غيظاً وحقداً، بل ينبغي عليه أن يكون معتدلاً هنياً ليناً منفذاً لشرع الله، مبيناً يُسْرَ الدين وسماحتَه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1929
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
807
| 03 مايو 2026