رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن خبر وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، خبرًا عاديًا بالنسبة لي، بل كان لحظةً اختلط فيها الحزن بالامتنان، والدموع بالفخر. بكيت كما بكى كل محب لهذا الوطن، لكن دموعي كانت تحمل أيضًا ذاكرة سنوات طويلة عشتها بين الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، ورأيت خلالها كيف تغيّرت حياتهم بفضل رؤية قائد آمن بأن الإنسان هو أعظم ثروة، وأن التنمية لا تكتمل إلا إذا شملت الجميع.
في تلك اللحظة، مرّ أمام عيني شريط طويل من الذكريات؛ أطفال وجدوا فرصة للتعليم بعد أن كانت أبواب المدارس مغلقة أمامهم، وأسر شعرت لأول مرة أن أبناءها لهم مكان في هذا الوطن، ومراكز متخصصة أُنشئت لتقدم خدمات علمية وتأهيلية، ومتخصصون وجدوا الدعم ليواصلوا رسالتهم الإنسانية. لم تكن تلك مجرد مشاريع أو مبانٍ، بل كانت قصصًا حقيقية غيّرت حياة آلاف الأسر.
لقد كرّست أكثر من أربعة وعشرين عامًا من حياتي للعمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وكنت شاهدة على مرحلة مفصلية في تاريخ قطر، مرحلة انتقل فيها ملف الإعاقة من مفهوم الرعاية إلى مفهوم الحقوق والتمكين والدمج. لذلك، عندما رحل الأمير الوالد، شعرت أن من واجبي، وفاءً وعرفانًا، أن أكتب عن بعض ما قدمه لهذه الفئة التي كانت تحظى باهتمامه ودعمه.
لم ينظر الأمير الوالد إلى الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم فئة تحتاج إلى العطف، بل رأى فيهم مواطنين لهم حقوق كاملة، وقدرات تستحق أن تُكتشف، وطاقة يمكن أن تسهم في بناء الوطن متى ما أُتيحت لها الفرصة.
ومن أبرز الإنجازات التي تحققت في عهده:
أولًا: ترسيخ مفهوم الحقوق والدمج حيث شهدت قطر تحولًا حقيقيًا في النظرة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث انتقل الاهتمام من تقديم الرعاية التقليدية إلى ترسيخ مفهوم الحقوق، والمشاركة الفاعلة، والدمج في المجتمع والتعليم والعمل، بما يعكس احترام كرامة الإنسان وحقه في المشاركة الكاملة.
ثانيًا: دعم التشريعات الوطنية فقد حظي ملف الإعاقة بدعم واضح في تطوير التشريعات والسياسات الوطنية، بما يكفل حماية الحقوق، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص، وعدم التمييز، وتوفير الخدمات التي تضمن الحياة الكريمة للأشخاص ذوي الإعاقة.
ثالثًا: الانضمام إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة فمع اعتماد الأمم المتحدة لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2006، كانت دولة قطر، في عهد الأمير الوالد، من الدول التي سارعت إلى المصادقة عليها عام 2008، في خطوة جسدت التزام الدولة بالمعايير الدولية، وحرصها على تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف المجالات.
رابعًا: دعم المؤسسات الوطنية حيث شهدت تلك المرحلة توسعًا كبيرًا في إنشاء وتطوير المؤسسات والمراكز المتخصصة، وتوفير الإمكانات اللازمة للتأهيل والتعليم والتدخل المبكر والعلاج، بما أسهم في الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة.
خامسًا: تمكين القيادات الوطنية فمن المواقف التي ستظل راسخة في الذاكرة، ثقته في الكفاءات الوطنية، ومنحها الفرصة لقيادة هذا الملف الإنساني المهم. فقد حظيت الشيخة حصة بنت خليفة آل ثاني، رحمها الله، بثقته، وتولت مسؤوليات قيادية كان لها أثر كبير في متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حضور دولة قطر في المحافل الدولية، والمساهمة في تطوير السياسات الوطنية الخاصة بهذه الفئة.
سادسًا: دعم التعليم الدامج حيث شهد قطاع التعليم تطورًا كبيرًا في برامج التربية الخاصة، والتوسع في دمج الطلبة ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية، إلى جانب الاهتمام ببرامج التدخل المبكر التي أثبتت أهميتها في تحسين جودة حياة الأطفال.
سابعًا: تطوير الخدمات الصحية والتأهيلية فقد حظيت الخدمات الصحية والتأهيلية باهتمام كبير، من خلال تطوير مراكز العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، وعلاج النطق واللغة، وإدخال أحدث وسائل التشخيص والتأهيل وفق المعايير العالمية.
ثامنًا: دعم المجتمع المدني حيث فتح المجال أمام الجمعيات والمراكز الخاصة للعمل في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتشجيع المبادرات الوطنية، بما عزز الشراكة بين الدولة والمجتمع في تقديم الخدمات.
تاسعًا: دعم الأسرة فلم يقتصر الاهتمام على الشخص ذي الإعاقة، بل امتد ليشمل الأسرة، من خلال برامج الإرشاد والتوعية، والخدمات المساندة التي ساعدت الأسر على أداء دورها في الرعاية والتأهيل.
عاشرًا: الرياضة والثقافة حيث شهدت الرياضة البارالمبية والأنشطة الثقافية تطورًا ملحوظًا، وأصبح للأشخاص ذوي الإعاقة حضور مشرّف في المنافسات المحلية والدولية، في رسالة تؤكد أن الإعاقة لا تحد من الإبداع والتميز.
الحادي عشر: تهيئة البيئة العمرانية فقد أولت الدولة اهتمامًا بتوفير بيئة أكثر سهولة للوصول، وتطوير المرافق العامة بما يراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، تعزيزًا لاستقلاليتهم ومشاركتهم المجتمعية.
الثاني عشر: تعزيز الحضور الدولي حيث أصبحت قطر، خلال تلك المرحلة، نموذجًا يُحتذى به في دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال مشاركتها الفاعلة في المؤتمرات الدولية، والتزامها بتطبيق الاتفاقيات والمواثيق ذات الصلة.
لقد كان الأمير الوالد يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، ولذلك لم تكن إنجازاته في مجال الإعاقة مجرد قرارات إدارية، بل كانت جزءًا من مشروع وطني متكامل، جعل من الكرامة الإنسانية أساسًا للتنمية، ومن العدالة الاجتماعية ركيزة لبناء الدولة الحديثة.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها من موقع الباحثة أو المتخصصة فقط، بل من موقع الإنسان الذي عاش هذه المرحلة، وشهد أثرها في وجوه الأطفال، وفي ابتسامات الأمهات، وفي قصص النجاح التي خرجت من رحم التحديات. لذلك، فإن الحديث عن الأمير الوالد هو حديث عن مرحلة صنعت الأمل لآلاف الأسر، ورسخت ثقافة جديدة تؤمن بأن الأشخاص ذوي الإعاقة جزء أصيل من المجتمع، وشركاء في نهضته.
ختامًا
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقد كان قائدًا آمن بأن نهضة الأوطان تُقاس بكرامة الإنسان، وأن المجتمع الحقيقي هو الذي يحتضن جميع أبنائه دون استثناء. وفي عهده وُضعت اللبنات الأساسية لمسيرة تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حقوقهم، وفتح الأبواب أمامهم ليكونوا شركاء في بناء الوطن.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل ما قدمه لوطنه وللإنسانية في ميزان حسناته، واجزه خير الجزاء عن كل يدٍ امتدت بالعطاء، وكل حق أُعيد لأصحابه، وكل إنسان وجد في رؤيته فرصة لحياة أكثر كرامة وعدلًا.
ونحن، أبناء هذا الوطن، والعاملون في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، نعاهد الله ثم نعاهد وطننا أن نواصل هذه المسيرة بإخلاص وأمانة، وأن نحمل الرسالة التي آمن بها، فنستمر في الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير الخدمات المقدمة لهم، والعمل على تمكينهم وإبراز قدراتهم، حتى تبقى قطر كما أرادها وطنًا يحتضن الجميع.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه الفردوس الأعلى، وأن يجزيه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأن يوفقنا جميعًا لأن نكون أوفياء للمسيرة التي بدأها، وأن نكملها بإخلاص، حتى يبقى الإنسان دائمًا هو أغلى ثروات هذا الوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
3441
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1638
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1560
| 12 يوليو 2026