رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

144

د. أحمد المحمدي

كل ابن آدم خطاء

15 ديسمبر 2025 , 05:00ص

ليس الخطأ طارئا على الإنسان، ولا استثناء في مسيرته، بل هو جزء أصيل من تكوينه، يرافقه ما دام يمشي على الأرض بقلب يخفق وعقل يجرب.

فالإنسان لا يتعلم إلا إذا تعثر، ولا ينضج إلا إذا ذاق مرارة الزلل، ولا يعرف قدر الاستقامة إلا بعد أن يبتعد عنها خطوة ثم يعود.

وفي لحظة الخطأ تنكشف المعادن: معادن القلوب، وصدق النيات، وعمق الوعي.

فهناك من يتخذ الخطأ ذريعة للانكسار، وهناك من يجعله سلما للارتقاء، وبين هذا وذاك تتشكل معاني القيم الحقة، حيث يكون الرجوع فضيلة، والتواضع قوة، والإصلاح طريقا مفتوحا لكل من أراد أن يسمو بنفسه قبل أن يحاكم غيره.

إن الخطأ لحظة كاشفة؛ يكشف فيها الإنسان حقيقة نفسه، ويختبر فيها صدق مبادئه، وقوة أخلاقه، وعمق وعيه، ومن أحسن قراءة خطئه، حوله من عثرة إلى درجة، ومن انكسار إلى نضج، ومن تجربة مؤلمة إلى درس لا ينسى. فالخطأ في ذاته ليس النهاية، وإنما قد يكون بداية وعي جديد، إذا أحسن الإنسان الوقوف عنده وتأمله بصدق وتجرد وهذه بعض ملامح التعامل الناضج معه:

1- الاعتراف: بداية الإصلاح وجسر العودة إلى الصدق

الاعتراف بالخطأ ليس ضعفا، بل شجاعة داخلية لا يملكها إلا الأقوياء.

هو مواجهة صادقة مع النفس قبل مواجهة الآخرين، وقطع لطريق التبرير الذي يفسد الضمير ويميت الإحساس بالمسؤولية.

من اعترف بخطئه تحرر من ثقل الإنكار، وفتح نافذة للحقيقة، وأعاد ترتيب داخله على أساس الصدق. فالإنسان حين يقر، لا يسقط هيبته، بل يستعيد إنسانيته، ويضع قدمه الأولى على طريق الإصلاح، ويبدأ رحلة تصالح مع ذاته قبل غيره.

2- الإصلاح السريع: إطفاء العواقب قبل اتساعها

التأخر في تصحيح الخطأ يضاعف أثره، ويمنحه زمنا لينمو ويتشعب، وقد يحوله من زلة محدودة إلى أزمة معقدة.

أما المبادرة السريعة، فهي كإطفاء شرارة قبل أن تتحول إلى حريق.

الإصلاح المبكر يحاصر الضرر، ويشعر الطرف الآخر بالجدية والاحترام، ويثبت أن الخطأ لم يكن استهانة، بل غفلة عابرة.

3- الابتسامة: كلمة طيبة بغير حروف:

الابتسامة ليست تصنعا ولا استخفافا، بل رسالة صامتة تحمل في طياتها الطمأنينة وحسن النية.

فحين تخطئ، ثم تقبل بوجه بشوش وقلب حاضر، فإنك تهيئ المناخ للصفح، وتخفف حدة التوتر، وتفتح باب الحوار الهادئ.

كثير من النفوس لا تحتاج إلى طول اعتذار بقدر حاجتها إلى دفء إنساني يشعرها بالاهتمام والتقدير. والابتسامة في موضعها قد تصلح ما لا تصلحه الجلسات والحوارات مهما بلغت دقتها.

4- الاعتذار: قوة المتواضعين ورفعة الأخلاق:

الاعتذار الصادق فعل أخلاقي عميق، لا ينطق به اللسان فقط، بل تشهد له النبرة، ويصدقه السلوك.

هو اعتراف بالحق، وإنصاف للآخر، وتواضع يرفع صاحبه في ميزان القلوب، فليس الاعتذار خضوعا ولا انكسارا، بل تحرر من الأنا، وكسر لحاجز العناد الذي يمنع الإصلاح.

ويكفي في الاعتذار أن يكون واضحا، مباشرا، خاليا من التبرير، مشبعا بالرغبة الصادقة في جبر الخاطر ورد الاعتبار.

5- إغلاق الحديث: صيانة للمودة وحماية للصفاء

إذا قبل الاعتذار، فالحكمة أن تغلق الصفحة بوعي، لا أن تطوى على مضض. إعادة فتح الحديث، أو استدعاء التفاصيل، أو التلميح المتكرر إلى الخطأ الماضي، كل ذلك يضعف الثقة ويهدد المودة، ويعيد النفوس إلى دائرة التوتر. الصفح الحقيقي لا يكتمل إلا بالنسيان النسبي، وبمنح العلاقة فرصة جديدة بعيدا عن ظلال الأمس. فالعلاقات السليمة تبنى على الاستمرار والتجاوز، لا على اجترار الأخطاء.

6- إبعاد مثيري الفتن: حماية للعلاقات من التشويه

ليس كل من يستمع ناصحا، ولا كل من يعلق محبا. هناك من يتغذى على تضخيم الزلات، ونفخ الخلافات، وبث الشكوك في النفوس.

وهؤلاء خطرهم خفي، إذ يفسدون القلوب باسم الحرص، والحكمة تقتضي أن تحاط العلاقات بسياج من الخصوصية، وأن يبعد عنها كل من لا يحسن إلا تأجيج النار. فصفاء القلوب لا يحتمل العبث، ولا ينمو في بيئة مسمومة.

بهذا الميزان يستقيم الطريق: وعي يعترف، وضمير يصلح، وأخلاق تعتذر، وحكمة تغلق أبواب الفتن؛ فلسنا معصومين من الخطأ، لكننا مسؤولون عن كيفية الرجوع بعده.

وكل رجوع صادق هو انتصار داخلي، وخطوة ثابتة نحو النضج، وسكينة تثمر سلاما مع النفس ومع الآخرين. ومن أدرك هذه الحقيقة، عاش أخف قلبا، وأصفى روحا، وأقرب إلى المعنى العميق للإنسانية.

مساحة إعلانية