رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعددت المبادرات الشعبية لمساندة القطاعات المتضررة بالاقتصاد المصري. وأبرزها البورصة وسعر صرف الجنيه المصري والسياحة والعمالة غير المنتظمة. من خلال حملات شعبية للمصريين بالداخل وفي بعض الدول العربية للمساهمة بمبالغ رمزية لمساندة الاقتصاد في قطاعات متنوعة.
أبرز تلك المبادرات كانت لمساندة الجنيه المصري من خلال دعوة المصريين العاملين بالسعودية والإمارات وغيرها. لإرسال كل منهم ما قيمته ألف جنيه مصري بالعملة الأجنبية. لتعزيز أرصدة البنوك المصرية من تلك العملات لمقابلة الطلب المحلي على الدولار. خاصة في ظل تراجع إيرادات السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر. ونزوح كميات من العملات الأجنبية بسبب تسييل الأجانب جانبا من محافظهم بالبورصة وفي أذون الخزانة المصرية وتحويل جانب من إيداعاتهم بالبنوك المصرية.
وفي الداخل كانت هناك حملة لحث المصريين على إيداع فوائضهم لدى البنوك لتوفير سيولة لديها لمقابلة طلبات السحب. مع التأكيد على السحب من البنوك سواء بالجنيه أو بالعملات الأجنبية على قدر الضرورة. والابتعاد عن المضاربة بالعملة الأجنبية. نظرا لما يسببه ذلك من أضرار على سعر الصرف للجنيه المصري الأمر الذي ينعكس على ارتفاع قيمة الواردات السلعية وارتفاع نسبة التضخم. بما يؤثر على مستوى معيشة المواطنين.
دعوة أخرى يتبناها أحد النشطاء بجمع تبرعات من رجال الأعمال لإعادة بناء المنشآت التي تضررت بالأحداث. والتي تستهدف جمع مائة مليار جنيه يتم توجيه جزء منها لأسر الشهداء والمصابين. وكانت باكورة التبرعات لأحد رجال الأعمال بنحو مليار جنيه مصري.
اقتراح آخر تبناه البعض بإنشاء صندوق تودع به الأموال المنهوبة التي يتم استردادها من المسؤولين ورجال الأعمال الفاسدين. ويتم توجيهها لأغراض التنمية. وقد تكررت بلاغات من شخصيات عامة للنائب العام للتحقيق مع عدد من المسؤولين السابقين. كما تكونت لجنة أخرى من عدد من كبار القانونيين لبحث كيفية استرداد الأموال المنهوبة بالبنوك الخارجية. مع الاتصال بالمكاتب الخارجية المتخصصة في استرداد الأموال.
كما تنوعت المبادرات من بعض التجار لإعداد حقيبة تضم عددا من السلع الغذائية على غرار حقيبة مأكولات شهر رمضان. لتوزيعها على الأسر الفقيرة والعمالة غير المنتظمة التي تضررت بشدة من تعطل الأعمال. كما ذهب آخرون لمساعدة الأسر الفقيرة بالمعونات المادية بسبب تعطل أربابها عن العمل لأكثر من أسبوعين. ولحق بتلك المبادرات توجيه البعض تبرعاتهم في شكل مساعدات مادية للأسر الفقيرة.
كما أسهم عشرات الشباب في عمليات رفع مخلفات ما بعد الأحداث بالشوارع وتجميل الشوارع سواء بالقاهرة أو الإسكندرية أو غيرها من المحافظات. إلى جانب المساهمة في عمليات تنظيم المرور في عدد من الشوارع مع غياب رجال الشرطة.
ودعا آخرون المصريين بالخارج لقضاء إجازاتهم بمصر لتقليل حجم الضرر الذي أصيبت به السياحة المصرية. إلى جانب تعزيز السياحة الداخلية لإيجاد نسبة إشغال تقلل من معدلات التخلص من العمالة داخل المنشآت السياحية.
وكان من أبرز تلك المبادرات دعوة الشباب من خلال مواقع الاتصال الاجتماعي على الإنترنت للاكتتاب في البورصة المصرية عند افتتاحها. ولو بنحو مائة جنيه لمساندة البورصة وتقليل معدلات التراجع المتوقعة بعد إغلاق البورصة حوالي ثلاثة أسابيع واتجاه الكثيرين لبيع أسهمهم بسبب المخاطر السياسية المتولدة عن الأحداث وتولي مجلس عسكري حكم البلاد.
وسارعت البنوك لتلقف الدعوة بالإعلان عن صناديق الاستثمار التي تتبعها لتكون الوعاء الأنسب لتلقى اكتتابات هؤلاء الشباب خاصة مع قلة خبرتهم بأمور البورصة. على أن يحتفظوا بتلك الأسهم لمدة عام حتى تكون استثمارات وليست أقرب للمضاربة. كما سارعت شركات الوساطة لتعلن استعدادها تلقي اكتتاباتهم من دون عمولات شراء. ورحبت إدارة البورصة بالفكرة وأبدت استعدادها لتسهيل الاكتتابات من حيث سرعة تكويد أصحابها.
إلا أن تلك الدعوة قد واجهت اعتراضا من آخرين في إطار أن المبالغ التي سيتم جمعها ستكون قليلة بالقياس إلى حجم تعاملات البورصة. مما يجعلها غير مؤثرة في توجيه بوصلة مؤشر أسعار السوق. خاصة وأن البنوك الحكومية بما لديها من سيولة ضخمة تقوم بدور مساندة السوق ورغم ذلك لم تستطع إيقاف نزيف الأسعار نظرا لشدة الاتجاه الهبوطي نتيجة البيع المكثف من الأجانب والعرب والمصريين الأفراد قبيل إغلاق البورصة.
ويرى هؤلاء المعترضون أن سوق التداول الذي ستتجه إليه تلك الأموال والذي بلغ مجموع تعاملاته بالعام الماضي نحو 321 مليار جنيه لا يضيف للناتج المحلي الإجمالي شيئا. على العكس من سوق الإصدار الذي بلغت تعاملاته خلال العام الماضي 165 مليار جنيه. والتي توزع ما بين 12 مليار جنيه أسهمت في تأسيس 2220 شركة جديدة. و138 مليار جنيه في صورة زيادات لرؤوس أموال 1219 شركة. و15 مليار جنيه في صورة تسع إصدارات للسندات الحكومية وللشركات الخاصة.
واقترح هؤلاء تأسيس الشباب شركة أو أكثر بحيث تحدث إضافة للاقتصاد المصري تساهم في زيادة إنتاج السلع والخدمات. كما تستوعب جانبا من البطالة المتفشية في المجتمع المصري. خاصة مع كبر حجم العجز التجاري المصري البالغ 25 مليار دولار بالعام المالي السابق والذي يشمل كثيرا من السلع الغذائية.
واقترح هؤلاء أن يتم إنشاء شركات بالمحافظات لتكون الاستفادة محلية. وبما يفيد في الاستفادة من الخامات المحلية بتلك المحافظات. خاصة أن الحد الأدنى لتأسيس شركات مساهمة ذو قيمة زهيدة. كما يسهل تأسيس الشركة من خلال مكتب محاسبة أو مكتب محاماة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5019
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2343
| 01 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
2190
| 05 أغسطس 2026