رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشكل دبلوماسية الوساطة ضمن مفاهيم وممارسة الدبلوماسية آلية مهمة لتقريب وجهات النظر وحل النزاعات بين قوى متصارعة وذلك للمساهمة بخفض التصعيد وإحلال السلام والأمن وفي أضعف حالاته خفض التصعيد ومنع تفاقم الصراع أو الحرب، حتى إن الاستراتيجي الغربي الشهير كلازوتز وصف الحرب بأنها دبلوماسية بطرق أخرى. ولا تتمتع أي دولة أو طرف بقدرات لأن يكون وسيطا نزيها ومقبولا، ويُنظر إلى الوسيط من أطراف الصراع بأنه محايد ويقف على مسافة واحدة من الأطراف المشتبكة ويملك قدرة مميزة وسجلا حافلا بحل النزاعات.
وقد برزت الكويت وسيطا ناجحا ومميزا في حل الخلافات الخليجية-الخليجية-والعربية وحتى على المستوى الدولي. وتبرز منذ العقدين السابقين كل من قطر والسعودية والإمارات كلاعبين مؤثرين وتسعى وتطلب الدول المتصارعة وساطتهم وتدخلهم لحل النزاعات كما نشهد في أكثر من ملف وعلى أكثر من صعيد.
* اكتسبت دول مجلس التعاون تميزا وقدرات غير مسبوقة في النظام العربي. أؤكد في كتابتي ومحاضرتي أننا في حقبة صعود وقيادة دول مجلس التعاون للنظام العربي، في مجالات الأمن الناعم والقدرات المالية والاستثمارات، واستضافة القمم والمؤتمرات العربية والدولية، وقادة الدول الفاعلة: أوباما وترامب وبايدن وقريبا ترامب ثانية، والرئيسان الروسي والصيني والأسبوع الماضي الرئيس الأوكراني وغيرهم من قادة الدول من الشرق والغرب.
وتقود دول مجلس التعاون النظام العربي منذ ثورات الربيع العربي وانكفاء الجمهوريات العربية المركزية التقليدية- بعد قيادتها النظام العربي منذ خمسينيات القرن الماضي. ونشهد تصاعد نفوذ دول المجلس خليجيا وإقليميا ودوليا في نظام عالمي وإقليمي يتجه للتعددية القطبية.
* تتميز دول مجلس التعاون بإنجازات كبيرة في مجالات التنمية والتطوير ومراكز الدراسات والأبحاث وأفرع الجامعات الرئيسية والمستشفيات العالمية، والبطولات الرياضية وعلى رأسها تميز استضافة دولة قطر أول دولة خليجية وعربية وإسلامية كأس العالم لكرة القدم 2022 ودبي أكسبو 2022-وتتحضر السعودية لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2034 وأكسبو 2030-وستستضيف للمرة الأولى دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029 في نيوم، ودورة الألعاب الآسيوية 2034.
* ونجحت الوساطة القطرية في تحقيق اختراق غير مسبوق بين الولايات المتحدة وحركة حماس باجتماع قياديين من حماس ومبعوث الرئيس ترامب لشؤون الأسرى أدم بوهلر في الدوحة. أغضب ذلك التواصل المباشر إسرائيل وخاصة اليمين المتطرف، دون علم إسرائيل، وكسر محرمات ونسف سردية إسرائيل التي نجحت بشيطنة حماس المصنفة إرهابية أمريكيا وإسرائيليا منذ عام 1997.!! ونجحت إسرائيل بإقصاء بوهلر بدفعه للتنحي بعد شن حملة انتقادات منسقة وخاصة بعد تصريحه: "أتفهم غضب الإسرائيليين، ولكن نحن الولايات المتحدة لسنا عملاء لإسرائيل، ولدينا مصالحنا الخاصة"...وسألتقي (بالإسرائيليين) وسأقول لهم: ليس لدى (حماس) قرون تنمو على رؤوسهم، في الواقع إنهم رجال مثلنا، ولطيفون". ما ينسف سردية إسرائيل التي تشيطن حماس.
* وسجلت وساطات دول مجلس التعاون إنجازات مميزة، بنجاحها في امتهان دبلوماسية الوساطة وحل النزاعات. بدءاً بوساطة الكويت في حقبة السبعينيات والثمانينيات-وآخرها بحل الأزمة الخليجية (2017-2021). وتسجيل دبلوماسية الوساطة القطرية بجمعها الأضداد تحت سقف واحد-وبطلب من الدول المعنية وخاصة الولايات المتحدة بين واشنطن وإيران وبين واشنطن وطالبان-وبين حماس وإسرائيل.
* ونجحت دولة قطر في لم شمل دفعات من الأطفال في أوكرانيا وروسيا مع عائلاتهم، في إطار جهودها المستمرة بغرض لم شمل الأسر المشتتة بسبب النزاع بين روسيا وأوكرانيا.
ووساطة السعودية بين روسيا وأوكرانيا وللمرة الأولى استضافة وزيري الخارجية الأمريكي الجديد روبيو ووزير الخارجية الروسي لافروف لبدء مفاوضات مضنية بوساطة أمريكية واستضافة سعودية للمفاوضات وصولاً لحضور الرئيس الأوكراني زيلنسكي إلى السعودية الأسبوع الماضي.
* كما يبرز نجاح وساطات سلطنة عُمان في استضافة مفاوضات الاتفاق النووي السرية بين وفدين امريكي وإيراني في عمان منذ عام 2012 حول الاتفاق النووي وخلال الأزمة اليمنية مع الحوثيين والإفراج عن رهائن أطقم سفن محتجزين وآخرهم نهاية يناير الماضي، الإفراج عن طواقم بحرية محتجزين لدى الحوثيين إثر هجماتهم في البحر الأحمر. وكذلك نجحت وساطة عُمان بالافراج عن معتقلين أمريكيين في إيران.
ويبرز نجاح وساطات الإمارات والسعودية بتبادل أسرى والإفراج عن مئات الأسرى منذ حرب روسيا على أوكرانيا عام 2022.. أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية نجاح وساطتها بالإفراج في 12 عملية وساطة إماراتية عن 2,883 أسيراً بين الطرفين. كما نجحت الوساطات السعودية منذ عام 2022 بالإفراج عن عدد من السجناء بين روسيا وأكرانيا ومواطني دول أخرى.
* أما أبرز نجاح للوساطة السعودية فهو في استضافة الوفدين الروسي والأوكراني بحضور الولايات المتحدة ومناقشة التوصل لهدنة لمدة شهر لوقف حرب أوكرانيا وتبادل الأسرى. وسبق أن تقدم الرئيسان الروسي والأوكراني بالشكر لولي العهد الأمير محمد بن سلمان على دور ووساطة السعودية بين روسيا وأوكرانيا.
وكان لافتا نقل أنور قرقاش مستشار رئيس دولة الإمارات للشؤون الدبلوماسية رسالة من الرئيس ترامب إلى المرشد الأعلى علي خامنئي الأسبوع الماضي بمقترح التفاوض على برنامج إيران النووي. وأكد ترامب، إرسال الرسالة يحثّ على إجراء محادثات نووية، ويحذر من احتمال اللجوء إلى عمل عسكري في حال رفض إيران. وكان الرئيس ترامب في رئاسته الأولى انسحب من الاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس أوباما ومجموعة (5+1)-مع إيران عام 2018. ورد المرشد على رسالة ترامب بأنها تهدف لتضليل الرأي العالمي، ولن تؤدي لرفع العقوبات على إيران بل ستزيدها تعقيداً.
* وهكذا يبرز وبشكل واضح دور ومكانة دول مجلس التعاون فرادى وجماعات حرصها على حل الأزمات واتقان دبلوماسية الوساطة وزيادة رصيد قوتنا الناعمة.
في دراسة حديثة عن ترتيب قوة الدول الناعمة: تصدرتها الولايات المتحدة فالصين، وجاء ترتيب الإمارات 10-السعودية 20-قطر 22 والكويت 40. لكن أكرر المطلوب حشد قوانا الناعمة وتوظيفها لتعزيز قوانا الخليجية الجماعية العسكرية-الصلبة بتوازن مطلوب لتفعيل وانضاج مشروع خليجي-عربي جامع يوازن ويتصدى ويردع الخصوم الحاليين والمحتملين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31221
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
18090
| 16 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
3528
| 21 يونيو 2026