رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

213

موزا محمد الكواري

حين تصنع المنصات صورة الدول.. من يملك تشكيل الانطباع؟

16 أغسطس 2026 , 11:15م

لم تعد صورة الدولة تُبنى فقط من خلال ما تقوله في بياناتها الرسمية، أو ما تنقله عنها وسائل الإعلام التقليدية. في زمن المنصات الرقمية، أصبحت صورة الدول تُصنع كل يوم، وكل ساعة، وأحيانًا في ثوانٍ معدودة.

صورة دولة كاملة قد تبدأ من مقطع قصير، أو تغريدة، أو صورة التقطها شخص عابر، ثم تنتشر عبر آلاف الحسابات، وتدخل في دائرة النقاش والتعليق وإعادة النشر، حتى تصبح في ذهن المتلقي «حقيقة» يصعب فصلها عن الانطباع الذي تكوّن لديه.

وهنا يبرز السؤال الأهم: من يملك تشكيل صورة الدول اليوم؟

في السابق، كانت الدولة تمتلك إلى حد كبير أدوات روايتها؛ عبر الإعلام الرسمي، والبيانات، والمؤتمرات الصحفية، والسفارات، والمراسلين. أما اليوم، فقد أصبحت الرواية موزعة بين الدولة، والإعلام، والمواطن، والمؤثر، والخوارزمية، وحتى المستخدم العابر الذي قد يمتلك هاتفًا ويصل محتواه إلى ملايين الأشخاص.

لقد تغيّرت قواعد اللعبة.

لم يعد الجمهور ينتظر نشرة الأخبار ليعرف ماذا يحدث في دولة ما، بل قد يصنع له هاتفه صورة كاملة عن تلك الدولة خلال دقائق. يرى مشهدًا من شوارعها، ومقطعًا من فعالية فيها، وتعليقًا من أحد مواطنيها، وتحليلًا من مؤثر، ثم تنتقل إليه آلاف الانطباعات التي تتشكل في ذهنه دون أن يشعر.

وهنا تكمن قوة الإعلام الرقمي وخطورته في الوقت نفسه.

فالانطباع لا يحتاج دائمًا إلى معلومات كثيرة… أحيانًا يحتاج إلى صورة واحدة فقط.

قد تختصر صورة سياحية جميلة بلدًا كاملًا في ذهن المتلقي باعتباره وجهة آمنة وجذابة. وقد يصنع مقطع عن أزمة أو حادثة انطباعًا معاكسًا تمامًا. وفي الحالتين، لا يتعامل الجمهور بالضرورة مع الصورة باعتبارها جزءًا من الحقيقة، بل قد يتعامل معها باعتبارها الحقيقة نفسها.

وهذا ما يجعل الصورة الذهنية للدول اليوم أكثر هشاشة، وأكثر سرعة في التشكّل والتغير.

من الدبلوماسية التقليدية إلى الدبلوماسية الرقمية

لم تعد السفارة اليوم تكتفي بتمثيل دولتها في المناسبات الرسمية، بل أصبحت حساباتها الرقمية جزءًا من حضور الدولة وصوتها أمام الجمهور.

السفير لم يعد يخاطب المسؤولين فقط، والدولة لم تعد تتحدث إلى الحكومات وحدها؛ بل أصبحت تتحدث مباشرة إلى الشعوب.

وهنا ظهرت الدبلوماسية الرقمية باعتبارها مساحة جديدة لبناء العلاقات والتواصل والتأثير.

الحساب الرسمي لدولة ما يستطيع أن يقدم صورة عن ثقافتها، وإنجازاتها، ومواقفها السياسية، ومجتمعها، وحتى تفاصيل الحياة اليومية فيها. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الحساب، بل في امتلاك القدرة على صناعة رواية رقمية مقنعة ومستمرة.

فالجمهور الرقمي لا يكتفي بأن يسمع ما تقوله الدولة عن نفسها، بل يقارن، ويبحث، ويشاهد روايات أخرى، ويكوّن موقفه الخاص.

لذلك، لم تعد المعركة الإعلامية اليوم معركة «من يتحدث؟»، وإنما أصبحت معركة من يستطيع أن يكون أكثر حضورًا وتأثيرًا وإقناعًا؟

لكن هناك لاعبًا آخر… الخوارزمية

ربما كنا في الماضي نسأل: ماذا تريد الدولة أن تقول؟

أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا آخر:

ماذا ستسمح الخوارزمية للجمهور بأن يرى؟

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.

فالمنصات الرقمية لا تعرض كل المحتوى للجميع بالطريقة نفسها. هناك خوارزميات تراقب تفاعلنا، وتتعلم من اهتماماتنا، ثم تقترح علينا المزيد مما يشبه ما شاهدناه سابقًا.

وبذلك قد يعيش شخصان في اليوم نفسه، وفي المدينة نفسها، لكنهما يريان صورتين مختلفتين تمامًا عن الدولة أو القضية أو الحدث نفسه.

أحدهما يرى الإنجازات والاستقرار والسياحة، والآخر يرى الأزمات والانتقادات والمشكلات.

الحقيقة واحدة، لكن النوافذ التي نطل منها عليها ليست واحدة.

وهنا يصبح تأثير الخوارزميات جزءًا من صناعة الصورة الذهنية، حتى وإن لم تكن طرفًا سياسيًا مباشرًا فيها.

المؤثرون… السلطة الجديدة

ومن أكثر التحولات اللافتة في الإعلام الرقمي صعود المؤثرين.

فقد أصبح بعض المؤثرين قادرين على الوصول إلى جمهور أكبر من مؤسسات إعلامية كاملة. والأهم أن الجمهور قد يثق في تجربة شخص يتابعه يوميًا أكثر مما يثق في إعلان رسمي.

حين يزور مؤثر دولة ما ويشارك تجربته، فإنه لا ينقل معلومات فقط؛ بل ينقل شعورًا وانطباعًا وتجربة شخصية.

وهذه العناصر الثلاثة قد تكون أكثر تأثيرًا في بناء الصورة الذهنية من عشرات البيانات الرسمية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التجربة الفردية إلى حكم عام.

فزيارة شخص لمدينة لا تعني أنه عرف الدولة كلها، وتجربة سلبية في مكان معين لا تعني أن المجتمع بأكمله كذلك.

ومع ذلك، يستطيع المحتوى الرقمي أحيانًا أن يحول التجربة الفردية إلى صورة جماعية.

وهنا تظهر مسؤولية الإعلام الرقمي: ألا تتحول القصة الشخصية إلى حقيقة عامة دون سياق.

من يملك الرواية؟

ربما لم يعد السؤال الصحيح: من يملك الإعلام؟

لأن الإعلام لم يعد مؤسسة واحدة.

السؤال الأهم هو:

من يملك القدرة على تشكيل الرواية التي تصل إلى الجمهور؟

الدولة تملك روايتها.

الإعلام يملك روايته.

المواطن يملك روايته.

المؤثر يملك روايته.

والمنصة نفسها تملك القدرة على تحديد مدى انتشار هذه الروايات.

ولهذا أصبحت الصورة الذهنية للدول نتيجة تفاعل معقد بين أطراف متعددة، وليس نتاج رسالة رسمية واحدة.

الدولة التي تدرك هذا التحول لن تتعامل مع المنصات باعتبارها مجرد أدوات لنشر الأخبار، بل باعتبارها مساحات إستراتيجية لبناء الثقة والحضور والتأثير.

أما الدولة التي تتجاهلها، فقد تكتشف أن الآخرين أصبحوا يروون قصتها بالنيابة عنها.

الصورة ليست دائمًا الحقيقة

أخطر ما في الإعلام الرقمي أن الصورة قد تصبح أقوى من الحقيقة.

المتلقي لا يمتلك دائمًا الوقت أو الرغبة للتحقق من كل ما يراه، لذلك قد تتحول كثافة التكرار إلى شعور بالمصداقية.

إذا رأى الإنسان الفكرة نفسها عشرات المرات، ومن حسابات مختلفة، فقد يبدأ في الاعتقاد بأنها صحيحة لمجرد أنها أصبحت مألوفة.

وهنا تظهر أهمية الإعلام المسؤول.

فالقوة الرقمية لا تقاس فقط بعدد المشاهدات، وإنما بقدرتنا على استخدام هذه القوة دون تضليل أو تشويه أو اختزال للمجتمعات والدول في صورة واحدة.

في النهاية…

لم تعد صورة الدول تُلتقط بالكاميرا فقط، بل أصبحت تُبنى داخل شاشاتنا.

منشور، صورة، فيديو، تعليق، هاشتاق، حساب رسمي، أو تجربة شخصية… كلها أجزاء صغيرة من صورة أكبر تتشكل في ذهن الجمهور.

ولهذا فإن صناعة الصورة الذهنية في العصر الرقمي لم تعد مسؤولية الإعلام وحده، ولا مسؤولية الحكومات وحدها، بل أصبحت مسؤولية كل من يملك القدرة على صناعة المحتوى ونشره.

فالمنصات لم تعد مجرد مرآة للعالم؛ إنها أصبحت شريكًا في تشكيل الطريقة التي نرى بها العالم.

ومن يملك القدرة على رواية قصته بصدق ووعي واستمرارية، لا يملك فقط فرصة لأن يُرى… بل يملك فرصة لأن يُفهم.

وفي عالم تتسابق فيه الروايات قبل الحقائق، قد لا يكون السؤال: كيف يرانا العالم؟

بل السؤال الأهم:

من الذي علّم العالم كيف يرانا؟

اقرأ المزيد

الحياة التي نؤجلها ونحن ننتظر الوقت المناسب الحياة التي نؤجلها ونحن ننتظر الوقت المناسب

كم مرة قلنا لأنفسنا: «مو الحين… بعدين.» بعد ما أرتاح. بعد ما تتحسن ظروفي. بعد ما أنتهي من... اقرأ المزيد

282

| 11 أغسطس 2026

لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟ لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟

منذ طفولتنا، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن الحب يأتي مصحوبًا بشيءٍ ما؛ أن نكون لطفاء كي نُحب، متفوقين... اقرأ المزيد

717

| 09 أغسطس 2026

فنّ الثبات في زمن التقلّب فنّ الثبات في زمن التقلّب

ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء... اقرأ المزيد

327

| 06 أغسطس 2026

مساحة إعلانية