رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

207

موزا محمد الكواري

متلازمة مانشهاوزن.. عندما يصبح المرض لغة لطلب الاهتمام

18 أغسطس 2026 , 11:14م

هناك أشخاص لا يبحثون عن المرض بقدر ما يبحثون عن الاهتمام الذي يأتي معه.

قد يبدو الأمر في البداية مجرد مبالغة في وصف الأعراض، أو شكوى متكررة من المرض، أو رغبة زائدة في زيارة الأطباء. لكن في حالات معينة قد يكون خلف هذا السلوك اضطراب نفسي معقد يُعرف تاريخيًا باسم متلازمة مانشهاوزن، ويُسمى طبيًا اليوم الاضطراب المفتعل.

في هذه الحالة، يتعمد الشخص اختلاق أعراض مرضية أو المبالغة فيها، وقد يصل الأمر إلى إحداث المرض أو إيذاء نفسه، بهدف أن يعيش دور المريض ويحصل على الرعاية والاهتمام والتعاطف، وليس بالضرورة من أجل منفعة مادية أو مكسب واضح.

عندما يصبح المرض مصدرًا للاهتمام

قد يكون الإنسان في حياته العادية غير قادر على التعبير عن احتياجاته العاطفية بصورة مباشرة.

لا يعرف كيف يقول:

«أحتاج أن تهتموا بي»

أو:

«أحتاج أن أشعر أنني مهم»

أو:

«أخاف أن تتركوني عندما لا أكون بحاجة إليكم»

فتتحول هذه الاحتياجات أحيانًا إلى سلوك آخر؛ يصبح المرض هو الطريق الذي يحصل من خلاله الإنسان على ما يفتقده من اهتمام ورعاية.

كلما مرض، اقترب منه الآخرون.

كلما اشتكى، استمعوا إليه.

كلما دخل المستشفى، أصبح محور اهتمام من حوله.

وبمرور الوقت، قد تتكون علاقة نفسية خطرة بين المرض والاهتمام.

ليست مجرد كذبة

من السهل أن نحكم على الشخص ونقول: «إنه كاذب».

لكن الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك.

الشخص المصاب بالاضطراب المفتعل يعرف غالبًا أنه يختلق الأعراض أو يتسبب فيها، لكنه قد لا يكون قادرًا على فهم الدافع النفسي العميق وراء سلوكه. وقد تكون لديه معرفة واسعة بالأمراض والمصطلحات الطبية، وقد تكون قصته مقنعة إلى درجة تجعل اكتشاف الحقيقة أمرًا صعبًا حتى على المختصين.

وهنا تكمن خطورة الحالة؛ لأن البحث عن الاهتمام قد يدفع الإنسان إلى إجراءات طبية غير ضرورية، أو إلى إيذاء نفسه، وقد تصل المضاعفات في بعض الحالات إلى إصابات خطيرة أو الوفاة.

كيف يمكن أن نلاحظها؟

قد تظهر مجموعة من الأنماط المتكررة، مثل كثرة الانتقال بين الأطباء والمستشفيات، أو تقديم تاريخ مرضي طويل وغير متناسق، أو وجود أعراض لا تتطابق مع نتائج الفحوصات، أو استمرار المشكلة بطريقة غير معتادة رغم العلاج.

لكن وجود هذه العلامات لا يعني أن الشخص مصاب بمتلازمة مانشهاوزن.

فالتشخيص ليس أمرًا يمكن أن يقوم به أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء، بل يحتاج إلى تقييم طبي ونفسي دقيق، خصوصًا أن بعض الأمراض الحقيقية قد تكون صعبة التشخيص أو تتغير أعراضها من وقت لآخر.

الفرق بين مانشهاوزن والتظاهر بالمرض

وهنا يوجد فرق مهم جدًا.

الشخص الذي يتظاهر بالمرض من أجل الحصول على المال، أو تجنب العمل، أو الحصول على دواء، أو الهروب من مسؤولية، لديه هدف خارجي واضح.

أما في الاضطراب المفتعل، فلا يكون هناك مكسب خارجي واضح؛ وإنما يكون الدافع مرتبطًا بالحاجة إلى دور المريض والرعاية والاهتمام.

الأخطر عندما يكون المريض شخصًا آخر

هناك صورة أكثر خطورة تُعرف باسم الاضطراب المفتعل المفروض على الغير، وكانت تُسمى سابقًا «مانشهاوزن بالوكالة».

هنا لا يختلق الشخص المرض لنفسه، وإنما يدعي أن شخصًا آخر، غالبًا طفل أو شخص تحت رعايته، يعاني من أعراض أو مرض، وقد يصل الأمر إلى التسبب له بالأذى أو إخضاعه لعلاجات وفحوصات لا يحتاج إليها. وهذه ليست مجرد مشكلة نفسية، بل قد تتحول إلى إساءة خطيرة للضحية.

لماذا يصعب علاجها؟

لأن الإنسان قد لا يرى نفسه باعتباره الشخص الذي يحتاج إلى علاج.

هو يذهب إلى الطبيب فعلًا، لكنه يريد علاج المرض الذي يفتعله، وليس علاج السبب النفسي الذي يقف خلف سلوكه.

ولهذا فإن المواجهة القاسية، والاتهام المباشر، والسخرية من الشخص قد تزيد المشكلة تعقيدًا وتدفعه إلى الإنكار أو البحث عن طبيب آخر. ويحتاج التعامل معه إلى نهج هادئ وغير تصادمي، مع توجيهه إلى التقييم النفسي المناسب.

وربما السؤال الأهم…

خلف بعض السلوكيات الغريبة توجد أحيانًا حاجة إنسانية لم تجد طريقًا صحيًا للتعبير عن نفسها.

إنسان لم يتعلم أن يطلب الحب، فيطلبه من خلال الألم.

إنسان لم يشعر بأهميته، فيجدها عندما يقلق الآخرون عليه.

إنسان يخاف أن يُنسى، فيصبح المرض وسيلته للبقاء حاضرًا في حياة الآخرين.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الألم الطريق الوحيد للحصول على الاهتمام.

فالحب الذي يحتاج إلى مرض كي يستمر، ليس حبًا آمنًا.

والاهتمام الذي لا يأتي إلا عندما نتألم، يجعلنا نخاف من العافية.

لذلك ربما لا يكون السؤال دائمًا:

«لماذا يكذب هذا الشخص بشأن مرضه؟»

بل:

«ما الاحتياج الذي لم يعرف كيف يعبّر عنه إلا من خلال المرض؟»

فبعض الناس لا يحتاجون إلى مزيد من الاتهام.

بل يحتاجون إلى أن يتعلموا للمرة الأولى أن بإمكانهم أن يقولوا:

«أنا أحتاجكم دون أن أكون مريضًا»

مساحة إعلانية