رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

372

د. عبد الله النعمة

التحول بلا قائد.. مشروع بلا عنوان

25 أغسطس 2026 , 11:19م

تُطلق مؤسسة حكومية مشروع تحول رقمي كبير: لجنة تُشكَّل، واستشاريون يُتعاقد معهم، وأنظمة تُشترى. وبعد عامين تعمل الأنظمة ولا أحد يستخدمها، والاستشاريون غادروا، واللجنة انتقلت إلى مشروع آخر. الميزانية أُنفقت، والواقع لم يتغيّر. وهذا ما يحدث كلّما ملك الجميع جزءًا من المسؤولية ولم يملكها أحدٌ كاملة.

خذ أنجح منصاتنا الرقمية: «هيا». وُلدت تحت ضغط موعد لا يُؤجَّل، وبقيت بعد البطولة قناةَ دخول قائمة. فمن يملكها اليوم؟ أنشأ قرار مجلس الوزراء رقم 12 لسنة 2024، المعدَّل بالقرار رقم 16 لسنة 2026، لجنةً دائمة بوزارة الداخلية لإدارة دخول الزوار، برئاسة ممثل عن الوزارة وعضوية جهات عدة، بينما تعمل المنصة تحت مظلة قطر للسياحة. والمنشور عنها اختصاصاتٌ وإجراءات، لا نسبةُ إنجازٍ ولا زمنُ معاملةٍ ولا رضا مستخدم.

وهذه حال ما نملكه من تطبيقات: «مطراش 2» في الداخلية سدّ ثغرة حقيقية وصار جزءًا من يوم الناس، و«عون» في البلدية يستقبل البلاغات وطلبات الخدمة، وللصحة تطبيقاتها. لكن ما يُنشر عنها خبر التدشين وقائمة الخدمات، أما كفاءتها ومردودها فيبقيان في تقارير داخلية. والاستثناء يكشف أن القدرة موجودة: ففي يناير 2018 أعلنت وزارة الداخلية أن معاملات «مطراش 2» بلغت نحو 2.394 مليون معاملة في سنة واحدة، وحركات الاستعلام 9.684 مليون، والمشتركون نحو 395 ألفًا، والخدمات 153. رقمٌ دقيقٌ قِيسَ ونُشر مرّة، لكنه لم يشمل رضا المستخدم، ولم يَصُر تقليدًا سنويًّا.

والفرق بين النشر مرّةً والنشر قاعدةً حسمته حكوماتٌ أخرى. ففي المملكة المتحدة فرض مجلس الوزراء منذ عام 2010 ضوابط إنفاق تمنع أيّ جهة من تجاوز 100 ألف جنيه إسترليني على خدمة رقمية دون موافقة دائرة الخدمات الرقمية الحكومية (Government Digital Service)، وأعلنت الدائرة عام 2018 أن المراجعة وفّرت أكثر من مليار جنيه في خمس سنوات. ثم جاءت الخطوة الأبعد أثرًا: إلزام كل جهة بنشر أربعة مؤشرات عن كل خدمة، هي نسبة الإقبال الرقمي ونسبة إتمام المعاملة ورضا المستخدم وكلفة المعاملة الواحدة. هنا تخرج المحاسبة من التقرير الداخلي إلى شاشة المواطن.

والنموذج أقرب من ذلك. فقد أنشأت السعودية بأمر سامٍ صدر عام 2016 مكاتب تحقيق الرؤية داخل الوزارات، وحدةً تتبع الوزير مباشرة وتقود التحول وتقيس إنجازه، وتُعلن هيئة الحكومة الرقمية سنويًّا نتائج مؤشر قياس التحول الرقمي للجهات، وقد بلغ 88.30% في دورة 2025. أما الإمارات فتصنّف خدماتها علنًا منذ 2011 من نجمتين إلى سبع نجوم بتدقيق مستقل، وتقيس دبي رضا المتعامل لحظةَ إنهاء الخدمة وتنشر النتيجة منسوبةً إلى كل جهة. فالفارق بيننا وبينهم ليس القياس، بل نشر النتيجة باسم الجهة.

وللمسألة اسمٌ في أدبيات الإدارة: «مسؤول التحول التنفيذي»، وهو ليس مديرًا تقنيًّا ولا مستشارًا خارجيًّا، بل قياديٌّ يتبع رأس المؤسسة مباشرة ومهمته أن يصل التغيير إلى الواقع.

وبيانات مجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) تُقدّر، في مارس 2026، فرصة نجاح التحول المؤسسي بنحو 30% فقط، وتُظهر أن تعيين مثل هذا المسؤول عند انطلاق المشروع يرفع احتمال النجاح 22 نقطة مئوية.

وقطر تملك المقوّمات كاملة: الأجندة الرقمية 2030 بركائزها الست و23 مبادرة، و«المصنع الرقمي» لدمج خدمات الجهات، وأكثر من 1650 خدمة رقمية متكاملة من نحو 2300 وفق بوابة «حكومي». فالسؤال ليس القدرة، بل موقع المساءلة. المركز الوطني قائم، والمفقود مالكٌ داخل كل جهة يُحاسَب على أثر التحول لا على تسليم النظام، ورقمٌ منشور يستطيع المواطن أن يحاسبه به.

والعلاج يبدأ بالبديل قبل الإلزام، وثلاث خطوات تكفي. أولاها أن تُعيّن كل جهة كبرى مسؤول تحول واحدًا يتبع رئيسها مباشرة، بقرار يحدّد صلاحيته ومدّته وما يُحاسَب عليه. والثانية ألّا يُعتمد أيّ مشروع تحول يتجاوز سقفًا ماليًّا محدَّدًا إلا بتوقيع هذا المسؤول، فهو المحاسَب عليه، كما تصنع بريطانيا بجهتها المركزية، فيصير للتوقيع معنى ولصاحبه اسم. والثالثة أن تنشر كل جهة على بوابة «حكومي» أرقامًا سنوية عن كل خدمة كبرى، منها نسبة من أنجزوها رقميًّا بعد عام من إطلاقها ودرجة رضا العملاء عنها.

لقد قِيست خدماتنا مرّةً ونُشرت أرقامها، فنستطيع أن نطوّر تلك الأرقام ونزيدها، ولا عذرَ تقنيًّا يعوق ذلك. والمطلوب أن يقف في كل جهة شخصٌ باسمه يتحمّل مسؤولية التحول الرقمي ويُحاسَب عليه.

مساحة إعلانية