رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.

732

| 04 فبراير 2026

«السنع».. ذكاؤنا العاطفي الذي لا يُدرّس في هارفارد

تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.

2220

| 28 يناير 2026

كنوزنا المتقاعدة.. كيف يداوي الأجداد جرح الهوية في مدارسنا؟

لا يختلف اثنان على أننا في دول الخليج نسعى بشغف لنمنح أبناءنا أفضل تعليم ممكن. ولهذا، أصبحت المدارس الأجنبية، بأنظمتها التعليمية ذات الكفاءة العالية، خيارًا للكثيرين ممن يقدرون على تكلفتها، ولا بأس في ذلك أبدًا. حين أرى أبناءنا في هذه الصروح، يتسابقون في التعلم ويمارسون الأنشطة بحيوية، يغمرني شعور بالفخر. ولكن، وبكل صدق، يتسلل إلى هذا الفخر شعور آخر بالقلق، شعور دفين بوجود غربة ما. أشعر بأن هذا الجيل يكبر وتتسع الفجوة بيني وبينه يومًا بعد يوم. فالتعليم، كما نعلم، ليس مجرد تلقين للمعلومات؛ إنه وعاءٌ ثقافي كامل. واللغة التي يتعلم بها أبناؤنا، والقصص التي يقرأونها، والتاريخ الذي يدرسونه، كلها تشكل وجدانهم وتصنع هويتهم. وهنا تحديدًا يتبدى التحدي الأكبر في تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية دون أن يكون ذلك على حساب جودة التعليم أو الانفتاح على العالم. ولكن، بدلًا من اللطم والبكاء على ما قد نفقد، ماذا لو بحثنا عن بلسمٍ شافٍ في قلب مجتمعاتنا؟ ماذا لو نظرنا إلى كنز مهمل، قادر على تضميد هذا الجرح، نسبيا، بحكمته وحنانه؟ تمتلئ مدننا وعواصمنا الخليجية، والحمد لله، بثروة حقيقية لا تقدر بثمن: جيل الآباء والأجداد الذين أنهوا مسيرتهم الوظيفية وآلت بهم الظروف إلى «التقاعد». هؤلاء ليسوا مجرد كبار في السن، بل هم «مكتبات حية» تمشي على الأرض. هم أهل حكمة وخبرة، وأصحاب هوية أصيلة لم تتلوث بضجيج العولمة. يمكن أن يكونوا ركيزة صلبة في مشروع تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية. الكثير منهم يجلس اليوم في بيته، يحمل في قلبه نفس الحزن الذي يحزنني، ويشاركونني ذات القلق على مستقبل ثقافتنا. هم يمتلكون القصة، والخبرة، والوقت، والأهم من ذلك، يمتلكون الحب الصادق والرغبة في العطاء. وهنا تكمن فكرتي المتواضعة، وهي دعوة صادقة أوجهها إلى ملاك المدارس الأجنبية والخاصة، ولا أزايد على حبهم لوطنهم وثقافتهم فهم من وجهاء مجتمعاتنا. الدعوة هي: افتحوا أبواب مدارسكم لكنوزنا المتقاعدة. واجعلوهم جزءًا حيًا من منظومة تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية. لنتخيل معًا إنشاء برنامج منظم اسمه «مجلس الأجداد» أو «جسور الأجيال». برنامج يتم من خلاله دعوة هؤلاء الكبار، بطريقة منظمة ومُكرّمة، ليحضروا إلى المدارس بشكل دوري. لا ليلقوا محاضرات، بل ليجلسوا مع الأبناء والطلبة في حلقات دافئة، ويحكوا لهم عن هويتهم بطريقة تحببهم إليها. • يحكون لهم عن حياة البحر والصحراء قبل النفط. • يشرحون لهم معنى «السنع» وآداب الضيافة. • يروون لهم القصص والأمثال الشعبية التي تختزل حكمة السنين. • يعلمونهم ألعابًا قديمة، ويجيبون عن أسئلتهم بعفوية وحب. إن هذا اللقاء المباشر يفعل ما لا تستطيعه آلاف الكتب والمناهج. إنه ينقل الثقافة من كونها «معلومة» مجردة إلى «تجربة حية» دافئة. إن هذا المشروع ليس مجرد نشاط ثقافي، بل هو مشروع «تنموي» بامتياز، يحقق مكاسب لجميع الأطراف إنها دعوة لنعيد لكبارنا دورهم الطبيعي كحكماء للأمة ومعلمين لأجيالها. دعوتنا هي أن نستخدم بلسم الحكمة والحنان الذي يملكونه، لنضمد به جرح الهوية في قلوب أبنائنا، ولنبني جيلًا قوي الجذور، واثق الهوية، وقادرًا في نفس الوقت على التحليق في آفاق العالمية.

366

| 21 يناير 2026

حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر تلك «القرى التراثية» التي شيدناها مؤخراً. المشهد ساحر بلا شك. الجدران الطينية الملساء، الفوانيس المعلقة بدقة، ورائحة البخور التي تعبّق المكان المكيف. نلتقط الصور، ونشرب الشاي في أكواب «غضار»، ونشعر بزهوة الانتماء لهذا التاريخ العريق. ولكن، مهلاً.. هل هذا هو «التاريخ» حقاً؟ إن ما نعيشه اليوم في علاقتنا مع الماضي يضعنا أمام سؤال عميق عن التراث بين الاستهلاك والهوية؛ سؤال يكشف أن علاقتنا بالتراث أصبحت تشبه إلى حد كبير علاقتنا بـ «الأطعمة المعلبة». نأخذ منها ألذّ ما فيها، جاهزاً ونظيفاً، ونترك الباقي. لقد قمنا بـ «فلترة» الماضي؛ أخذنا جمال العمارة ودفء المجالس، وتركنا خلف الكواليس الحَر القاتل، والجوع الذي كان يقرص البطون، وتعب الغوص الذي أكل أجساد الأجداد، وقسوة الصحراء التي لا ترحم. نحن اليوم نعيش حالة من «النوستالجيا السياحية». لقد حولنا كفاح آبائنا وأجدادنا إلى «ديكور» جميل، وإلى خلفية مثالية لصورنا في «إنستغرام». وهنا يتجلى الخلل في فهم التراث بين الاستهلاك والهوية؛ أصبح التراث «سلعة» نشتريها، مكاناً نزوره لنقضي وقتاً ممتعاً، ثم نعود لبيوتنا المكيفة وسياراتنا الفارهة دون أن نحمل معنا شيئاً من روح ذلك الزمن. الخطر ليس في ترميم المباني، فحي على الفلاح من يحفظ ذاكرة المكان. الخطر الحقيقي هو أن نظن أن «التراث» هو الحجر، وننسى «البشر». التراث الحقيقي ليس في «البشت» الذي نلبسه في المناسبات فقط، ولا في «الدلّة» التي نضعها زينة في المجالس. التراث الحقيقي هو «القيم» التي جعلت أجدادنا يبنون هذه الحضارة من العدم، قبل أن يتفجر النفط تحت أقدامهم. تراثنا الحقيقي هو «الصبر» الجميل على الشدائد، وهو «القناعة» التي تجعل التمرة والماء وليمة. هو «الفزعة» التي لا تنتظر مقابلاً، و»الستر» على الجار، و»الكلمة» التي كانت عقداً ملزماً دون أوراق ومحامين. هو ذلك « السنع» الذي يزين النفس. هل نستطيع اليوم، ونحن في قمة حداثتنا، أن نعيد التوازن في معادلة التراث بين الاستهلاك والهوية؟ ونعيد هذه «القيم» لا «الأشكال» فقط؟ أن نكون «أصيلين» لا يعني أن نرفض التطور ونعود لبيوت الطين. بل يعني أن نعيش في أبراجنا الحديثة، ولكن بقلوب تحمل «سنع» الأولين. أن نربي أبناءنا على أن «المرجلة» ليست في السيارة الفارهة، ولا اعوجاج اللسان. بل في احترام الكبير وخدمة الضعيف، و»ذرابة» الكلمة، والعمل بجد واجتهاد. إن التنمية الثقافية الحقيقية ليست أن نبني متحفاً يضم أدوات الغوص، بل أن نبني جيلاً يملك «عزيمة» الغواصين، جيلاً لا ينكسر أمام أول موجة تغيير، ولا يضيع هويته في زحام العولمة. فلنحذر أن يتحول تاريخنا إلى مجرد «فلكلور» نتسلى به. تراثنا «روح» تسري فينا، وليس «ثوباً» نلبسه ثم نخلعه عند باب الخروج. لنعش تراثنا بأخلاقنا وسلوكنا اليومي، بدلاً من أن نكتفي بشرائه وتصويره.

600

| 14 يناير 2026

«الكشخة» ليست في السعر.. فخ الاستعراض الذي أهلكنا

امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.

1440

| 07 يناير 2026

بين «دلّة» المجلس و«لاتيه» المقهى: أين تذهب روحنا؟

أغمض عينيك للحظة وتخيل الرائحة. في المشهد الأول: عبق «العود « يمتزج برائحة «الهيل» الفواحة من دلّة صفراء لا تتوقف عن الدوران. أصوات الترحيب تتعالى: «يا هلا»، «مرحبا»، «حياكم الله». الأبواب مشرعة، والمكان يضج بالحياة وبأحاديث تمتد من حكمة الشيوخ إلى حماس الشباب. في المشهد الثاني: رائحة القهوة المحمصة بعناية، وصوت خافت لموسيقى الجاز أو هدوء المكيفات المركزية. الإضاءة خافتة ومدروسة، والديكور أنيق يشبه صور المجلات. الجميع يجلسون في حلقات صغيرة ومنفصلة، أو خلف شاشات أجهزتهم، والهدوء هو سيد الموقف. نحن نعيش اليوم هذا الانتقال الصامت والملموس؛ من دفء «المجلس» التقليدي إلى أناقة «المقاهي المختصة». وهذا ليس مجرد تغيير في «المكان»، بل هو تحول عميق في «الروح». في ثقافتنا، لم يكن المجلس مجرد غرفة لاستقبال الضيوف. كان «مدرسة». فيه يتعلم الصغير «السنع» وآداب الحديث قبل أن يتعلم الحروف. فيه تذوب الفوارق، فالكل يجلس في دائرة واحدة. والأهم من ذلك، كان المجلس يقوم على قيمة «الواجب» و»الوصل». أنت لا تذهب للمجلس لأنك «تشعر برغبة» في ذلك فقط، بل لأن هناك واجباً اجتماعياً، وحقاً للجار والقريب. أما اليوم، فقد صعد نجم «الفضاء الثالث»؛ المقهى الحديث. إنه مكان جميل، ومريح، ويقدم لنا «تجربة» استهلاكية مذهلة. لكنه مكان محكوم بقيم مختلفة تماماً. نحن نذهب إليه بحثاً عن «الجو» (The Vibe)، وعن «الخصوصية»، وعن صورة جميلة نشاركها في العالم الافتراضي. في المقهى، العلاقات «منسقة» و»مختارة». نجلس مع من يشبهنا فقط. وتتحول القهوة من «رمز للكرم» يُقدم لك بيمين المضيف، إلى «منتج» تشتريه لتدلل به نفسك. لا أحد يقول إن علينا مقاطعة المقاهي، فهي جزء من إيقاع عصرنا، ومساحة للتنفس والعمل. ولكن الخطر الحقيقي يكمن في أن نسمح لـ «اللاتيه و الفلات لايت» بأن يحل محل «الدلّة» في قلوبنا. الخطر هو أن نستبدل «علاقات الواجب» العميقة بـ «علاقات المزاج» العابرة. أن نكتفي بـ «البرستيج» وننسى «السنع». المجلس كان يعلمنا كيف نستمع لمن يخالفنا الرأي، وكيف نحترم الكبير، وكيف نتحمل مسؤولية الجماعة. المقهى يعلمنا كيف نستمتع بوقتنا الخاص، وكيف ننعزل بأناقة، و نعيش فرادى. وكانوا يقولون «المجالس مدارس». نحن بحاجة للاثنين معاً، ولكن بترتيب صحيح. لنستمتع بقهوتنا المختصة، ولنعش حداثتنا، لكن لا نجعلها تنسينا طريق المجلس. فالمقهى قد يمنحك «تعديل مزاج»، لكن المجلس هو الذي يمنحك «الجذور» و»الانتماء». وفي زمن العواصف، الجذور هي ما يبقينا واقفين.

207

| 31 ديسمبر 2025

حارس الذاكرة: حين يصبح «المعجم» مشروع تنمية وأمن قومي

في زحمة مشاريع البنية التحتية العملاقة، وبينما نرفع رؤوسنا لنطالع ناطحات السحاب التي تعانق الغيم، وبينما تضج الأخبار بصفقات الغاز والطاقة، مرّ علينا حدث جلل بهدوء الواثقين، حدث قد لا يُرى بالعين المجردة كالجسر أو الملعب، لكنه في ميزان الحضارات أثقل وأبقى. أتحدث عن اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية». قد يتساءل البعض باستغراب: «معجم؟ هل نحن بحاجة لكتاب جديد يشرح معاني الكلمات؟ وهل هذا وقت المعاجم ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي؟». وهنا تكمن الإشكالية الكبرى في فهمنا لـ «التنمية». نحن نظن أن التنمية هي «الحجر» و»التقنية» فقط، ونسينا أن التنمية الحقيقية تبدأ من «الإنسان»، والإنسان لا يقوم إلا بـ «لسان» و»هوية». هذا المشروع ليس مجرد قاموس. إنه «أرشيف الأمة» وذاكرتها الحية. هو الذي يخبرنا كيف تطور عقلنا العربي عبر عشرين قرناً. هو الذي يمسك بيد الكلمة منذ ولادتها في الصحراء، ويتبع رحلتها وهي تبني الحضارة في بغداد والأندلس، وصولاً إلى عصرنا هذا. وفي زمن نشكو فيه -بمرارة- من «اللسان المكسر» لأبنائنا، ومن طغيان اللغة الإنجليزية في مدارسنا وجامعاتنا حتى كدنا نتحول إلى «مسخ» ثقافي لا لون له؛ يأتي هذا المشروع كـ «وتد» يثبت الخيمة قبل أن تقتلعها رياح العولمة. لقد كتبنا سابقاً ونزفنا ألماً على جيل يدرس العلوم والطب والهندسة بلسان غيره، معتقداً أن «العربية» لغة شعر وأدب فقط، وليست لغة علم وحضارة. وكنا نسمع الحجة المكررة: «العربية لا تواكب». اليوم، يأتي هذا المعجم التاريخي ليرد بالبرهان الساطع: هذه لغة وسعت علوم الأولين والآخرين، لغة كانت وعاءً لـ «الجبر» و»الفلك» و»الطب» حين كان العالم يغرق في الظلام. فالعيب ليس فيها، العيب فينا نحن الذين هجرناها. إن أهمية هذا المشروع تتجاوز «اللغة» لتصب في صلب «منظومة القيم» التي نخشى عليها من الاندثار. كيف سنفهم معنى «المروءة» إذا فقدنا جذر الكلمة؟ وكيف سنشرح لأحفادنا معنى «الفزعة» و»النجدة» و»الإيثار» إذا انقطع الحبل السري الذي يربطهم بتاريخ هذه المفردات؟ اللغة هي «وعاء القيم». إذا انكسر الوعاء، انسكبت القيم وضاعت. والمجتمع الذي يفقد لغته، يفقد بالضرورة منظومته الأخلاقية، ويصبح مجرد «سوق» استهلاكي بلا روح، يستورد قيمه كما يستورد بضائعه. إن الأمم الحية لا تنهض بتقليد غيرها. انظروا للصين، لليابان، لكوريا.. هل تخلوا عن لغتهم وتاريخهم ليصعدوا للقمر أو ليصنعوا الرقائق الإلكترونية؟ كلا. لقد جعلوا لغتهم «أساس» التنمية، وبنوا نهضتهم على جذورهم الخاصة. فما من أمة هجرت تاريخها وتنكرت للسانها إلا وأصبحت تابعة، ذليلة، ومسوخاً مشوهة لا هي بقيت على أصالتها، ولا هي لحقت بركب غيرها. لذلك، فإن الاحتفاء بهذا الإنجاز المعرفي الأصيل هو واجب وطني. نحن بحاجة لأن نكثر من هذه المشاريع «النوعية» التي تستثمر في «العقل» و»الهوية». نحتاج أن نقول «شكراً» بحجم السماء لكل من سهر وبذل ودعم هذا الصرح العظيم. فهذا هو «الاستثمار» الذي لا يخسر أبداً. هذا المعجم رسالة مبطنة لكل مسؤول عن التعليم والتخطيط: «الأرضية صلبة، والتراث عظيم، واللغة قادرة.. فلا عذر لكم في التغريب». عودوا إلى لسانكم، تعود لكم عزتكم. فالمستقبل لا يبنيه من يقطع جذوره، بل يبنيه من يضرب بها في أعماق الأرض، ليطاول برأسه عنان السماء. هنيئاً لنا بـ «دوحة» تحرس «الضاد»، وهنيئاً للعربية بحراسها. أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

153

| 24 ديسمبر 2025

كيف نصنع التوازن في مجتمعنا.. أربع ركائز لا غنى عنها

لكل مجتمع عقد اجتماعي، وهو اتفاق ضمني غير مكتوب يحدد علاقة الفرد بالمجتمع والدولة. في مجتمعاتنا، قامت عقودنا السابقة على أسس مثل الدولة الراعية التي توفر الرزق والأمان مقابل الولاء والانتماء. لكن تحديات القرن الواحد والعشرين، من عولمة ثقافية، وثورات تقنية، وأزمات بيئية، جعلت هذه العقود القديمة غير كافية لمواجهة تعقيدات الحاضر والمستقبل. لقد حان الوقت لنفكر بوعي في صياغة عقد اجتماعي جديد، لا يلغي ما قبله، بل يبني عليه ويتجاوزه. عقد لا نكون فيه مجرد متلقين، بل مشاركين فاعلين في صناعته. ولا يمكن لأي تنمية أن تكون مستدامة إذا بُنيت على أساس ثقافي هش أو مستورد. أساس عقدنا الجديد يجب أن يكون ثقافتنا الأصيلة بعد تفعيلها وتنشيطها لمواجهة تحديات العصر. وهذا العقد الاجتماعي الجديد له أعمدة رئيسية استعرضناها في رحلتنا: •عمود المبادرة الفردية: ينتقل فيه الفرد من دور الشاكي السلبي إلى دور المبادر الفاعل، مدركًا أنه "راعٍ" ومسؤول في دائرته. •عمود التكافل المجتمعي: تتطور فيه الفزعة العفوية لتصبح عملاً مؤسسيًا منظمًا، يشارك فيه الرجل والمرأة في نسج شبكات الأمان الاجتماعي. •عمود الضمير الاقتصادي: يتحول فيه السوق من ساحة للمنافسة الشرسة إلى فضاء لـ “اقتصاد الإحسان"، حيث إن البركة والسمعة الطيبة هما رأس المال الحقيقي في ظل العقد الاجتماعي الجديد. •عمود الثقة المتبادلة: تُبنى فيه العلاقة بين المؤسسات والمجتمع على الشورى والوضوح وحفظ الكرامة، فتصبح المشاريع مشروعنا جميعًا. هذه الأعمدة الثقافية هي التربة الخصبة التي إن صلحت صلح كل ما يُبنى فوقها. هذا العقد العظيم ليس مهمة شخص واحد أو جهة واحدة. إنه مسؤولية تكاملية، يشارك في صناعتها كل فرد في المجتمع. خاتمة: صناعة لا تنتهي في الختام، ندرك أن التوازن الذي يسعى إليه العقد الاجتماعي ليس حالة نهائية نصل إليها ثم نرتاح. بل هو جهد يومي دؤوب يتطلب وعيًا وصبرًا وحكمة، تمامًا كالصانع الماهر الذي يظل يراقب ميزانه ويعدّل أوزانه مع كل تغيير يطرأ. لقد وهبنا الله ثقافة غنية وقيمًا خالدة، ومنحنا القدرة على الاختيار والفعل. المستقبل ليس قدرًا محتومًا ينتظرنا، بل هو بناء نصنعه بأيدينا اليوم. وهذا العقد الاجتماعي، الذي ثقافته أساسه وتنميته بنيانه، هو دعوتنا المفتوحة لنكون جميعًا، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيبًا، صنّاعًا ماهرين لمستقبل أكثر توازنًا وعدلًا وجمالًا. مستقبل يشبهنا، ونفخر بأن نورثه لمن سيأتي بعدنا.

282

| 16 ديسمبر 2025

مرآة الروح.. لماذا تخلد أغنية شعبية وتموت ألف صيحة عابرة؟

تخيل نفسك تقود سيارتك في أحد شوارع المنامة أو الكويت مثلا، على يمينك ويسارك، ترتفع أبراج زجاجية تناطح السحاب، ولوحات إعلانية تصرخ بأحدث الصيحات العالمية. وفجأة، عبر أثير الراديو، يتسلل إلى مسامعك لحنٌ قديم، وصوتٌ دافئ تعرفه جيدًا. قد يكون صوت محمد زويّد يروي قصة، أو عوض دوخي أو ناظم الغزالي يصف شعورًا، أو نهمة بحّار تروي حنين الموج. في تلك اللحظة، يحدث شيءٌ يشبه السحر. يذوب زجاج الأبراج للحظة، ويخفت ضجيج المدينة، وتشعر بارتباط عميق، بلمسة حنان تداعب روحك. فتسأل نفسك: ما سر هذه القوة؟ لماذا أغنية بسيطة، بآلاتها القليلة وكلماتها الصادقة، قادرة على أن تهز وجداني أكثر من مائة أغنية صاخبة سمعتها هذا الأسبوع ونسيتها بالفعل؟ هنا يظهر معنى الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية بوصفه رابطًا روحيًا ولغويًا وحسيًا يتجاوز الزمن. الجواب يكمن في الفرق الجوهري بين «الجمال الأصيل» الذي هو مرآة لأرواحنا، و»الضجيج العابر» الذي هو مجرد صدى فارغ لصيحات الآخرين. إن قصة خلود أغنية شعبية وموت ألف صيحة عابرة، هي قصة الصدق في مواجهة الزيف، وقصة الثقافة في مواجهة الاستهلاك. إن الفن الذي يبقى ويخلد، سواء كان أغنية أو قصيدة أو حتى تصميما عمرانيا كـ «سوق واقف» و»سوق القيصرية»، يمتلك مكونات سرية مشتركة. إنه ليس مجرد فن جميل، بل هو فن صادق: 1. إنه يتحدث لغة الروح: الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية ينبع من بيئتنا نحن. حين يغني فنان خليجي عن «الدلة» و»الهيل»، أو «البحر» و»عين المها»، فهو لا يستخدم مجرد كلمات، بل يستدعي مفاتيح تفتح خزائن الذاكرة والشعور المشترك في داخل كل واحد منا. هذه المفردات مشبعة برائحة أرضنا وحكايات أجدادنا. هكذا يتحوّل الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية إلى تجربة وجدانية لا يمكن استنساخها. 2. إنه يجسد الصدق الفني: الكثير من أعمالنا الخالدة وُلدت من تجارب حقيقية. قصائد كُتبت في مجالس حقيقية، وأغانٍ لحنت على عود يروي قصة صاحبه. هذا الصدق يخترق دفاعاتنا ويتسلل مباشرة إلى القلب، لأنه يفتقر إلى التصنع وبرودة الآلات التي تميز الكثير من الإنتاج الفني التجاري اليوم. 3. إنه صناعة جماعية: فالفن الأصيل غالبًا ما يكون نتاج «تشكيلة» متكاملة. الشاعر يلتقط همس المجتمع، والملحن يترجمه إلى نغم، والمغني يمنحه صوته، والجماعة (أنتَ وأنتِ) تحتضنه وتحفظه، فيتحول الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية من عمل فردي إلى ملكية جماعية وجزء من الوجدان العام. في المقابل، تأتي «الصيحات العابرة». قد تكون مبهرة في شكلها، جذابة في إيقاعها، فاقعة في ألوانها.. لكنها غالبًا ما تكون كنخلة بلاستيكية طويلة جميلة، لا روح فيها ولا عبق. إنها تتحدث لغة بصرية وسمعية لا جذور لها في تربتنا. قد نستمتع بها كما نستمتع بوجبة سريعة، لكنها لا تغذي الروح ولا تترك أثرًا. والأهم، أنها مصممة لهدف واحد: أن تُستهلك بسرعة، وتُنسى بسرعة، لتفسح المجال للصيحة التي تليها. وهنا يكمن الخطر التنموي. حين يغرق مجتمع ما في استهلاك الجمال المستورد فقط، فإنه يفقد تدريجيًا «حاسة الذوق» الخاصة به، ثم يفقد «القدرة على الإنتاج» الإبداعي الأصيل. وهذه حالة من الفقر الثقافي، قد تتزامن مع الثراء المادي، ولكنها تترك الأرواح جائعة وفارغة. إن تمسكنا بالفن والجمال النابع من ثقافتنا ليس مجرد حنين للماضي، بل هو ضرورة تنموية للمستقبل: فهو مرساة لهويتنا في عالم معولم يسعى لتنميط كل شيء. وهو غذاء لأرواحنا ويقلل القلق في وجداننا. وهو وقود لإبداعنا فهو “المكتبة» والغيمة الماطرة التي يجب أن ننهل منها لنستلهم أفكارًا جديدة لمستقبلنا. وأخيرا لنكن صانعي جمالنا، فهذه رسالة بأن ثقافتنا ولّادة وقادرة على إنتاج جمال خالد. ودعوة لك، أنتَ وأنتِ، ألا تكتفوا بدور المستهلك السلبي للضجيج العابر. ابحثوا عن الجمال الأصيل في الأغنية الشعبية، استمعوا إليه، زوروا أماكنه، تحدثوا عنه. لا كهروب إلى الماضي، بل كزادٍ نستقوي به لبناء مستقبلٍ لا يكون مجرد نسخة باهتة من عوالم أخرى، بل يكون تعبيرًا صادقًا وجميلًا عن أرواحنا نحن.

339

| 10 ديسمبر 2025

«الوصفة السحرية» التي لا تناسبنا

كم مرة كنت في اجتماع، وقدم لك أحدهم «الوصفة السحرية» للنجاح؟ تأتي هذه الوصفة عادةً بغلاف لامع، ويطلقون عليها اسم: «أفضل الممارسات» (Best Practices). تُقدَّم لنا وكأنها آخر ما توصلت إليه البشرية، الحل النهائي الذي لا يأتيه الباطل، وعلينا فقط أن نطبقها «نسخ لصق» لتزدهر أعمالنا وتتطور مجتمعاتنا. نشعر جميعنا بهذا، نرى أنظمتنا تُبنى على هذه القوالب المستوردة، سواء في الإدارة، أو التعليم، أو حتى في تخطيط مدننا، تُكتب اللوائح، وتُعلق على الحائط، وتبدو مثالية على الورق، لكن في العمق، نشعر بأن شيئًا ما خطأ، نشعر بأن هذه «الوصفة» لا «نكهة» لها، أو الأسوأ، أن «طعمها» غريب لا يشبهنا. السؤال الذي نخاف أن نسأله المشكلة في هذه «الوصفة» ليست أنها سيئة، بل في أننا لم نجرؤ على طرح السؤال الأهم والأبسط: «أفضل الممارسات.. ولكن لأي مجتمع؟» إن إطلاق هذا المفهوم وكأنه حقيقة كونية صالحة لكل مكان وزمان، فيه «تبسيط» شديد لتعقيدات الإنسان، وغموض متعمد يخفي خلفه حقيقة جوهرية: ما هو «أفضل» لمجتمع ما، قد يكون «مدمراً» لروح مجتمع آخر. لماذا؟ لأن هذه الممارسات لم تنشأ في فراغ. لقد نبتت من تربة ثقافة معينة، وتشربت قيم ومعاني تلك الثقافة. وحين نأخذها نحن، ونزرعها في تربتنا المختلفة، نصاب بالصدمة حين لا تثمر. حين يصطدم «الأفضل» بـ «الأجدر» في سياقنا الخليجي، نحن لا نُدار فقط باللوائح. نحن نُدار بشبكة دافئة من «المعاني» غير المكتوبة: «الاحترام»، «حفظ ماء الوجه»، وقوة «العلاقات الشخصية». • قد تأتي «أفضل الممارسات» بنظام تقييم صارم يفترض «سوء النية» في الموظف مسبقًا. هذا النظام يصطدم مباشرة بقيم «الأمانة» و»الثقة» التي هي أساس العمل عندنا. • قد تفرض «أفضل الممارسات» نظامًا «شفافًا» ينشر كل شيء علنًا، فيصطدم بقيمتنا العميقة في «حفظ ماء الوجوه» وعدم التشهير. عندما يحدث هذا التصادم، لا يفشل الناس في تطبيق النظام، بل يفشل النظام في فهم الناس. والنتيجة؟ تتحول هذه الأنظمة اللامعة إلى مجرد «أوراق حبيسة الأدراج»، ويبدأ الناس في التحايل عليها، ليس لرفضهم التطوير، بل دفاعًا عن «المعنى» و»الروح» التي يعرفونها. من «أفضل الممارسات» إلى «أفضل ما يناسبنا» التنمية ليست استنساخًا. الفوضى ليست خيارًا، ولكن «النسخ الأعمى» هو انتحار ثقافي. نحن لا نحتاج إلى التخلص من الحداثة، بل نحتاج إلى «نموذج ثالث» ؛ نموذج يمتلك الشجاعة ليسأل: «ما الذي يناسبنا؟». الحل هو الانتقال من «حوكمة الإجراءات» الباردة إلى «حوكمة المعنى» التي تشبهنا. أن ندرس تجارب العالم، لا لننسخها، بل لنفهم «الحكمة» من ورائها، ثم نعود إلى قيمنا ونصمم أنظمتنا الخاصة التي تحمل روحنا. نريد أنظمة تستلهم «الثقة» من مجالسنا، و»الأمانة» من قيمنا، و»البركة» من نوايانا. النظام الذي لا يحترم «المعنى» الذي نعيش من أجله، هو نظام سيفشل حتمًا، مهما بدا «أفضل» في عيون الآخرين.

321

| 03 ديسمبر 2025

لماذا نخسر «روح» مجتمعاتنا؟

سر «السلام» المفقود بين «المبنى» و»المعنى» .. نشعر به جميعاً في مجتمعاتنا الخليجية. إنه ذلك «التدافع» الصامت، و»الصراع» الخفي الذي نعيشه بين ما كنا عليه وما نحن مقبلون عليه. ثقافات تصطدم، وقيم تتضارب. نلمسه بوضوح حين تتزحزح القيم؛ نرى «الوجاهة» التي كانت تُبنى على «الخلق والاحترام» تتحول إلى سباق على «المظاهر». ونرى «الكرم» الذي كان «عطاءً صادقاً» يصارع «الاستعراض» و»التصوير». هذا ليس مجرد «تفاوت بين الأجيال»، بل هو الأثر العميق لسباق التنمية الذي نخوضه. ففي سعينا لبناء أحدث المدن، نتعرض، شئنا أم أبينا، لـ «ثقافات ذات أمواج عالية «.. إن «طبيعة هذه الموجة الثقافية الطاغية»، بتركيزها على الفردانية والسرعة والاستهلاك، «تسعى بقوة لأن تكون هناك فجوة بين الأجيال». هي تغذي هذا التباين، وتجعل كل جيل يشعر بأنه يتحدث لغة مختلفة. و»شأننا شأن أغلب المجتمعات»، لا يمكننا «الوقوف في وجهها» بجدار منيع، فالانغلاق يعني «النكوص» الحضاري. وفي الوقت نفسه، لا يمكننا الاستسلام والذوبان، فذلك يعني أن نفقد «روحنا» و»أصالتنا»، ونبني «تنمية ضخمة بلا روح». أمام هذا الواقع، نحن لا نبحث عن «الصدام»، بل يجب أن نبحث عن «السلام» لمجتمعاتنا. هنا يأتي دور «الحكمة». «فإن حكماء مجتمعاتنا»، من آباء ومربين ومسؤولين وأصحاب رأي، «عليهم التفهم لهذا الأمر». عليهم أن يدركوا أن هذه الفجوة ليست شراً مطلقاً، بل هي «تحدي نمو» طبيعي في عصرنا. الحل ليس في المقاومة العمياء ولا في اللوم. الحل يكمن في «المزيد من التواصل، والحوار،. وأيضاً الحوار». إننا بحاجة ماسة لأن «نتجنب ما يعمق هذه الفجوة». يجب أن نحذر من «الألفاظ» الجارحة، و»الازدراء» للجيل الجديد، أو «التصنيفات» و»الإقصاءات» التي تمارسها بعض الأجيال ضد بعضها. قد تبدو هذه «سلوكيات فردية»، لكن «أثرها قد يتسع» ويتحول إلى شرخ مجتمعي يصعب رأبه. كل كلمة «تصنيف» هي مسمار في جسر التواصل، وكل نظرة «ازدراء» هي هدم لأساس الثقة. إن التنمية الحقيقية التي نبتغيها لـ «مجتمعاتنا الخليجية» ليست مجرد أرقام، بل هي «تنمية متزنة» تحفظ «السلام» المجتمعي. وهذا يتطلب «الحكمة» في «فلترة» هذا الموج العاتي.أن نأخذ «المبنى» المتمثل في (التقنية، الكفاءة، التطور)، ونُصِر على أن نملأه بـ «المعنى» (الروح، القيم، الأصالة). وهذا «الاتزان» لن يتحقق إلا بمد جسور الحوار، لنبني مستقبلاً يشبهنا في «أصالته» ويرتقي بنا نحو الأفضل.

144

| 20 نوفمبر 2025

لماذا تفشل أنظمتنا؟ البحث عن «البركة» في أوراق الحوكمة

هل سبق لك أن جلست في اجتماع عمل، ونظرت إلى اللوائح المعقدة المعلقة على الحائط، أو التقارير الدورية التي يطلبها النظام، وشعرت بأن كل هذا «حبر على ورق»؟ كثيرون منا يشعرون بهذا. نرى مؤسساتنا، سواء كانت خاصة أو حتى حكومية، تستثمر الملايين في استيراد أحدث النظم الإدارية وبرامج «الحوكمة الرشيدة». يُكتب كل شيء بدقة: إجراءات التوظيف، آليات التقييم، نماذج الإفصاح عن تضارب المصالح، ومؤشرات الأداء (KPIs). ومع ذلك، بعد فترة قصيرة، تتحول هذه النظم اللامعة إلى مجرد «أوراق حبيسة الأدراج». لماذا يحدث هذا؟ الجواب السهل هو اتهام الناس بأنهم «يقاومون التغيير» أو «لا يحبون النظام». لكن هذا التشخيص سطحي وغير عادل. المشكلة في كثير من الأحيان ليست في النوايا، فغالباً ما تكون النوايا طيبة. المشكلة الحقيقية أن هذه الأنظمة المستوردة تتحدث بلغة لا نفهمها، أو الأسوأ من ذلك، تتصادم مع قيم أعمق تحكم سلوكنا الفعلي. في سياقنا الخليجي، نحن لا نُدار فقط بالهياكل التنظيمية. نحن نُدار بشبكة معقدة من «المعاني» غير المكتوبة: «المقام»، «الاحترام»، «حفظ ماء الوجه»، وقوة «العلاقات الشخصية». حين يصطدم «النظام» بـ «المجلس» خذ هذا المثال الواقعي: قد تنص لائحة الحوكمة الرسمية على أن «جميع القرارات الاستراتيجية يجب أن تُتخذ حصراً داخل اجتماع مجلس الإدارة الرسمي». لكن في واقعنا، يعلم الجميع أن القرارات الحقيقية قد «نضجت» وتم الاتفاق عليها مسبقاً في «مجلس الظل» – ربما في «مجلس/‏ ديوانية» أحد الأعضاء المؤثرين أو في لقاء ودي قبل الاجتماع. عندما يأتي النظام المستورد ويتجاهل هذه القناة الثقافية (المجلس أو الديوانية) ويعتبرها «غير مهنية» أو «تحايلاً»، فإنه لا يلغيها، بل ببساطة يدفعها للعمل في الخفاء، ويصبح الاجتماع الرسمي مجرد «مسرح» لتمرير ما تم الاتفاق عليه. النظام هنا لم يفشل لقلة دقته، بل لأنه اصطدم بقيمة «بناء التوافق» و»حفظ ماء الوجوه» التي نجلّها في ثقافتنا. حين يطلب «الإجراء» ما ترفضه «النية» مثال آخر: في كثير من مؤسساتنا، المحرك الأساسي هو «النية الطيبة» و»الثقة المتبادلة». نحن نعمل بروح «الأهل» و»الجماعة الواحدة».فجأة، يأتي نظام إداري يطالب الجميع بملء نماذج معقدة لكل إجراء بسيط، ويضع آليات رقابة صارمة تفترض «سوء النية» مسبقاً. هنا، لا يشعر الموظف بأن النظام يساعده، بل يشعر بأنه «متهم» وبأن الإدارة لا تثق به. رد الفعل الطبيعي هو التحايل على هذا النظام الذي يتحدث بلغة «الشك» بدلاً من لغة «الأمانة». الحل: الانتقال من «حوكمة الإجراءات» إلى «حوكمة المعنى» المشكلة إذن ليست في وجود نظام، فالفوضى ليست خياراً. المشكلة في استيراد نظام لا يملك «روحاً» تُشبهنا. نحن لا نحتاج إلى التخلص من الحداثة، ولا إلى التمسك بالتقليد الذي يعيقنا. نحن بحاجة إلى «نموذج ثالث» أصيل: «حوكمة المعنى». «حوكمة المعنى» هي ببساطة بناء أنظمة وإجراءات تستلهم روحها من قيمنا. إنها حوكمة تستخدم أدوات العصر الحديثة (كالتقنية ومؤشرات الأداء) بوعي وحكمة، ليس كأهداف في حد ذاتها، بل كخدم لمقاصدنا السامية. عندما نصمم نظاماً يتحدث لغتنا، ويحترم قيمنا، ويساعدنا على تحقيق «المعنى» من وجودنا، لن نحتاج لإجبار الناس على اتباعه. سيصبح النظام جزءاً منا، نحميه وندافع عنه لأنه يعبر عنا ويحفظ «البركة» في أعمالنا.

663

| 12 نوفمبر 2025

alsharq
الشمال يتألق وأم صلال يتراجع

عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...

2136

| 04 فبراير 2026

alsharq
فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...

954

| 04 فبراير 2026

alsharq
هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...

732

| 04 فبراير 2026

alsharq
تعاون إقليمي من أجل ضمان الاستقرار

انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...

645

| 04 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

609

| 05 فبراير 2026

alsharq
حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...

597

| 03 فبراير 2026

alsharq
في خاطري شيء ودي أقوله

- تعودنا في هذا الوطن المعطاء عندما تهطل...

540

| 02 فبراير 2026

alsharq
مبادرة لدعم التعليم الجامعي لذوي الدخل المحدود

وجد عشرات الطلاب الجامعيين أنفسهم في مأزق بعد...

519

| 02 فبراير 2026

alsharq
هل نعرف هذا المصطلح؟

ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن...

477

| 03 فبراير 2026

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

468

| 08 فبراير 2026

alsharq
قطاع الغاز.. هل يسقط في فخ «سيناريو النفط والفحم»؟

يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»،...

417

| 03 فبراير 2026

alsharq
تداعيات التصعيد الأمريكي – الإيراني على المنطقة

في منطقة الشرق الأوسط التي اعتادت على الأزمات...

399

| 02 فبراير 2026

أخبار محلية