رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

متى يكون للأسرة مرصد؟

لا تنتظر إدارة الأرصاد الجوية أن يتّصل بها الناس ليخبروها بقدوم العاصفة. فهي تقيس الضغط والحرارة والرياح كل يوم، بالأدوات نفسها وفي الأوقات نفسها، فتلحظ التغيّر قبل أن يراه أحد. وكذلك تفعل الجهات الاقتصادية مع التضخّم وأسعار الطاقة: مؤشّرٌ معرَّفٌ تعريفًا واحدًا، يُنشر في موعدٍ ثابت، ويُبنى عليه القرار. فقيمة المرصد ليست في أنه يرى، بل في أنه يقيس الشيء نفسه بالطريقة نفسها كل مرّة، حتى يصير التغيّر مرئيًّا وقابلًا للمقارنة. هذه البديهية تغيب عن أحد أهمّ ملفّاتنا. ففي 12 فبراير 2024 ناقش مجلس الشورى تقرير لجنته المؤقتة لدراسة زيادة معدلات الطلاق. استمعت اللجنة إلى وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، والمجلس الأعلى للقضاء، ومعهد الدوحة الدولي للأسرة، ومركز وفاق، ومؤسسة حمد الطبية، ثم خلصت إلى أن نسب الطلاق تفتقر إلى إحصاءاتٍ دقيقة، وأنها تتضارب من مصدرٍ إلى آخر، وأن الجهود مبعثرةٌ بلا جهةٍ تنسّقها. وكان من توصياتها توفير قاعدة بياناتٍ دقيقة لمعدلات طلاق القطريين. ويكفي أن يتتبّع القارئ الصحافة المحلية ليرى ما رأته اللجنة. قرأنا أن قطر الثانية خليجيًّا في الطلاق بنسبة 40.2%، وأن 42% من طلاق القطريين يقع في السنة الأولى بحسب جهاز التخطيط والإحصاء، وأن 46% يقع قبل إكمالها بحسب معهد الدوحة الدولي للأسرة. وقرأنا في صيف 2024 أن الطلاق ارتفع 93.7% في شهر، ثم انخفض 37.3% في الشهر التالي. بعض هذه الأرقام لا يناقض بعضًا، لكنها قد تقيس أشياء مختلفة لا يعرّفها أحدٌ للقارئ، فيتحوّل تقلّبٌ شهريٌّ عاديٌّ إلى إنذارٍ مرّة وإلى بُشرى مرّة أخرى. والطلاق ظاهرةٌ واحدة من ظواهر كثيرة. فتأخّر سنّ الزواج، وديون الأسر، وأثر الشاشات على الأطفال، ورعاية كبار السنّ داخل البيت، كلّها ظواهر أسريةٌ تُتداول أرقامها متفرّقةً بين دراسةٍ هنا وتصريحٍ هناك. ولم تغفل الدولة عن ذلك. ففي نوفمبر 2024، بعد تسعة أشهرٍ من تقرير الشورى، أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة بدء التحضير لمرصد قطر الاجتماعي، ليقدّم لصنّاع القرار إشاراتٍ مبكرة عن الظواهر التي تحتاج إلى تدخّل، بشراكة المجلس الوطني للتخطيط ومركز ابن خلدون بجامعة قطر. وهي خطوةٌ في الاتجاه الصحيح. غير أن المرصد لا يظهر في حصاد الوزارة لعام 2025، ولا بين مبادرات استراتيجيتها 2025–2030. والاستراتيجية نفسها تعدّ خفض الطلاق وتعزيز التماسك الأسري من قضاياها الرئيسية، ثم لا تضع بين مؤشراتها الوطنية الثلاثة من شؤون الأسرة إلا الخصوبة. وما لا يدخل المؤشّر الوطني لا يُسأل عنه ولا يُتابع. لا أرى في ذلك تقصيرًا من جهةٍ بعينها، بل ترتيبًا مقلوبًا: بدأنا بصفحةٍ لاستقبال البلاغات قبل أن نتّفق على ما نريد قياسه. والمرصد الذي لا يعرف مؤشّراته يجمع ملاحظات، ولا يرصد اتجاهات. وقد بدأت بريطانيا من الطرف الآخر. ففي نوفمبر 2010 أطلق مكتب الإحصاءات الوطنية برنامج قياس الرفاه الوطني، وسأل الناس في نقاشٍ وطنيٍّ مفتوح: ما الذي يهمّك؟ فتلقّى أكثر من 34 ألف إجابة، بنى عليها إطارًا من عشرة مجالاتٍ كبرى تتفرّع منها اليوم ستّون مقياسًا، يُنشر تحديثها كل ثلاثة أشهر. ومن تلك المجالات «علاقاتُنا»، وفيه مقياسٌ للعلاقات الزوجية غير السعيدة. والدرس أعمق من الرقم: حالة الطلاق تُسجَّل بعد أن تنكسر الأسرة، أما جودة العلاقة فتُقاس قبل ذلك بسنوات، وهذا هو الإنذار المبكر الحقيقي. وعليه فالمقترح في ثلاث نقاط. الأولى أن يُثبَّت المرصد بأداةٍ قانونية، وأن تكون أولى مهامّه منظومةً وطنيةً لمؤشّرات الأسرة: مؤشّراتٌ كبرى قليلة تتفرّع منها المقاييس، بتعريفٍ واحدٍ تلتزم به كل الجهات، فلا يُروى الرقم الواحد بثلاث صيغ. ولا يعني هذا منافسة الجهة الإحصائية الرسمية، فهي تعدّ الوقائع، والمرصد يحدّد ما يُعدّ ويفسّره. والثانية أن تُغذّى المنظومة بدراساتٍ ميدانيةٍ دورية لا متقطّعة، وفي جامعة قطر قدرةٌ مسحيةٌ قائمة منذ 2008 تحتاج إلى تكليفٍ ثابت لا إلى تأسيسٍ جديد، يرفدها خبراء يعيشون تجربة المجتمع في المدارس والمساجد ومراكز الإرشاد الأسري، يرون الظاهرة قبل أن تصير رقمًا. والثالثة تقريرٌ سنويٌّ منشور عن حالة الأسرة القطرية، يعمق الشفافية، ويُعرض على مجلس الشورى. حين ناقش المجلس الطلاق، اضطرّ إلى أن يسأل عن الرقم قبل أن يسأل عن الأسباب. والغاية أن يجتمع في المرّة القادمة على أيّ ظاهرةٍ أسرية، فيجد رقمها جاهزًا، معرَّفًا، ومقارنًا بما كان عليه قبل عام. عندها يصبح لدينا مرصد.

321

| 30 سبتمبر 2026

حين ندفع المعلم إلى الانسحاب

بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.

3375

| 16 سبتمبر 2026

لغة العلم عندنا.. استثناء صار قاعدة

ليست اللغة في الجامعة مجرد وسيلة شرح، ولا أداة محايدة يمكن استبدالها بأخرى من غير أثر. فالجامعة هي المكان الذي تتكون فيه لغة الطبيب والمهندس والباحث وصاحب القرار، وفيها لا نتعلم المعرفة فقط، بل نتعلم كيف نفكر فيها، وكيف نصوغها، وكيف ننقلها إلى المجتمع. ولهذا فإن السؤال عن لغة التعليم العالي ليس سؤالًا ثقافيًا فحسب، بل سؤال هوية وسيادة معرفية. في قطر، حُسم الأصل قانونيًا. فالمادة السادسة من قانون حماية اللغة العربية رقم 7 لسنة 2019 تجعل العربية لغة التدريس في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التابعة للدولة، ولا تجيز غيرها إلا حين تقتضي طبيعة برنامج بعينه ذلك. كما تجعل المادة السابعة العربية أصلًا في نشر البحوث الممولة، مع السماح بالنشر بلغات أخرى مع ملخص عربي. الفكرة هنا واضحة: الانفتاح على العالم مطلوب، لكن من داخل قاعدة لغوية وطنية لا من خارجها. ومع ذلك، فإن الواقع الجامعي يكشف اتساع حضور الإنجليزية في عدد كبير من التخصصات العلمية والطبية والهندسية. وهذا ليس موضع إدانة، بل موضع سؤال: متى يتحول الاستثناء الذي تفرضه الحاجة إلى قاعدة تصنعها العادة؟ لا أحد عاقلًا يدعو إلى إقصاء الإنجليزية. فهي اليوم لغة واسعة الحضور في السوق، والبحث العلمي، والشركات العالمية، والتواصل الدولي. والطالب القطري الذي لا يتقنها يفقد جزءًا مهمًا من قدرته على المنافسة والوصول إلى المعرفة. المطلوب إذن ليس الاختيار بين العربية والإنجليزية، بل وضع كل واحدة في مكانها الصحيح: العربية لغة الهوية والتكوين والسيادة، والإنجليزية لغة اتصال عالمي لا غنى عنها. والقول إن التعليم المتقدم لا ينجح إلا بالإنجليزية لا تؤيده التجربة الدولية. فدراسة عالمية شملت أكثر من 2900 كلية طب في 189 دولة وجدت أن معظم الدول الأوروبية تدرّس الطب بلغاتها الوطنية، وأن دولًا متقدمة مثل ألمانيا والسويد والنرويج وكوريا واليابان تفعل ذلك. لا يعني هذا أن اللغة الوطنية هي سبب تقدمها، لكنه يثبت أن التقدم العلمي لا يشترط مغادرة لغة الأمة. وفي حالتنا المحلية تزداد المسألة أهمية؛ فجامعة قطر مثلًا أعلنت أن القطريين شكلوا 71 في المئة من المقبولين في خريف 2024. نحن إذن لا نتحدث عن مؤسسة تخدم سوقًا دولية فقط، بل عن واحدة من أهم مؤسسات تكوين المواطن والنخبة الوطنية. فإذا كانت الدولة تصوغ قوانينها بالعربية، وتعمل محاكمها بها، وتعتمد النص العربي في العقود عند الاختلاف، فكيف يمكن أن تظل العربية بعيدة عن مساحات واسعة من تكوين أعلى خبراتها؟ لكن إعادة العربية إلى مكانتها لا تكون بقرار مفاجئ ولا بشعار عاطفي. لا بد من بناء سلسلة إمداد معرفي: مصطلح علمي محدث، وكتب جامعية جيدة، وتأليف وترجمة، وأساتذة قادرين على التدريس بالعربية بكفاءة، وحوافز للبحث والنشر بها. فلا يصح أن نطالب الجامعة بالتعريب ثم نتركها بلا أدوات. والحل ليس أن نُضعف الإنجليزية، بل أن نقوي العربية من دون أن نخسر العالم. نريد خريجًا يستطيع أن يقرأ أحدث ما يُنشر بالإنجليزية، ويشارك في مؤتمراتها وأسواقها، وفي الوقت نفسه يشرح تخصصه ويكتب فيه ويفكر في قضايا مجتمعه بلغته. فاللغة التي تنسحب من الجامعة لا تختفي فورًا، لكنها تبدأ بفقدان قدرتها على حمل المفاهيم الجديدة. وقد تبقى في الشعر والخطابة والحياة اليومية، بينما يغادرها العلم والاقتصاد والتقنية. وحين يحدث ذلك، لا تكون الخسارة لغوية فقط، بل معرفية وسيادية. نحن لا نريد إغلاق النوافذ على العالم. نريد أن تبقى النوافذ مفتوحة، لكن من داخل بيت قائم. الإنجليزية نافذة ضرورية، وربما غيرها أيضًا. أما العربية فهي البيت: لغة الدولة، والذاكرة، والهوية، والانتماء. ولهذا فإن أعلى قمة في نظامنا التعليمي لا ينبغي أن تكون جسرًا لمغادرة العربية، بل المكان الذي تثبت فيه قدرتها على حمل العلم وصناعة المستقبل. نريد أن ندخل العالم بكل لغاته، ولكن بلغتنا نحن أيضًا.

342

| 09 سبتمبر 2026

أخطاؤنا بيانات.. لا جرائم

في مارس 1977 اصطدمت طائرتان فوق مدرج مطار تينيريف فقُتل 583 شخصاً، في أسوأ كارثة في تاريخ الطيران المدني. لم تكن الطائرتان معطوبتين. استشعر مساعد الطيار ومهندس الرحلة أن القائد يُقلع بلا إذن، فترددا في مواجهته. وبعد سنتين عقدت وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) ورشتها التي وُلدت منها إدارة موارد الطاقم. وكانت الوكالة نفسها قد أطلقت قبل ذلك، في أبريل 1976، نظام الإبلاغ عن سلامة الطيران (ASRS): نظاماً طوعياً سرياً غير عقابي تلقّى منذ إنشائه أكثر من مليوني بلاغ. والقرار الذي يقوم عليه النظامان واحد: الخطأ في الطيران بياناتٌ لا جريمة. وهذه ليست مسألة أخلاقٍ إدارية يُدعى إليها بالوعظ، بل مسألة تصميمٍ تنظيمي: أين يرسم القانون الخطّ بين إهمالٍ يُحاسَب عليه ومبادرةٍ تُوثَّق؟ فالأخطاء ليست صنفاً واحداً. صنّفتها الباحثة إيمي إدموندسون (Amy Edmondson) من كلية هارفارد للأعمال، في مقالتها بمجلة هارفارد بزنس ريفيو في أبريل 2011، ثلاثة أصناف: خطأٌ قابل للتفادي في عمليةٍ روتينية يستوجب المحاسبة، وخطأٌ لا مفرّ منه في بيئةٍ معقدة يستوجب الفهم، وخطأٌ ذكيٌّ على حافة الاستكشاف يستوجب التوثيق لأنه يُنتج أثمن المعرفة. والرقم الذي تسوقه هو موضع الفجوة: حين تُسأل القيادات التنفيذية عن نسبة الإخفاقات التي تستحق اللوم فعلاً تُقدّرها بين 2% و5%، وحين تُسأل عن نسبة ما يُعامَل معاملة اللوم تُقدّرها بين 70% و90%. كوريا الجنوبية عالجت هذا بقرارٍ تنظيمي لا بحملة تحفيز، وعلى وجهين. فديوان المراجعة والتفتيش يطبّق منذ 2009 نظام الإعفاء من المساءلة عن الإدارة المبادِرة، وسنده المادة 34 مكرراً 3 من قانون الديوان: من تصرّف للمصلحة العامة لا يُساءل عن نتيجة تصرّفه ما لم يثبت العمد أو الإهمال الجسيم، ومعه خدمة استشارةٍ مسبقة تنقل عبء الحكم من الموظف وحده إلى الجهة الرقابية معه. ثم جاء الوجه الثاني في يوليو 2026، حين أعلنت هيئة إدارة شؤون الموظفين تعديلاً يُفرد "الإدارة السلبية" باباً مستقلاً في لائحة تأديب الموظفين العموميين، ويعرّفها بأنها الامتناع الذي يمسّ حقوق الناس أو يُلحق خسارةً بالمال العام، ويرفع حدّها الأدنى إلى الخصم من الراتب، ويُحمّل الرئيس المباشر مسؤولية التغاضي عنها، نافذاً من أكتوبر 2026. فحماية المبادرة ومحاسبة الانسحاب وجهان لقرارٍ واحد. والمفارقة أن قطر تطبّق المبدأ الأول فعلاً، لكن في قطاعٍ واحد. فنظام الإبلاغ الطوعي عن سلامة الطيران القطري (QAVRS)، المنظَّم بلائحة الطيران المدني القطرية رقم 004 لسنة 2017، ينصّ على أن المعلومات المقدَّمة عبره لا تُستخدم ضد المُبلِّغ في أي إجراءٍ جنائي أو مدني أو إداري أو تأديبي، استناداً إلى قانون الطيران المدني رقم 15 وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 13. فثقافة الخطأ عندنا ليست فكرةً مستوردة، بل نصٌّ نافذ. الفجوة إذن ليست في غياب المبدأ بل في حصره في مدرج المطار. فقانون الموارد البشرية المدنية رقم 15 لسنة 2016، في فصله العاشر، يعرف للخطأ مساراً واحداً هو المساءلة التأديبية، ولا يعرف تصنيفاً للمحاولة حسنة النية التي لم تنجح. ونحن نستشعر اليوم ما هو أبعد من الصمت: انسحاباً من المسؤولية خوفاً من العقاب. فصار إيقاف الخدمة أسهل تبريرٍ يُقدَّم، لأن من لم يقرّر لم يُخطئ في نظر المساءلة القائمة. والكلفة يتحملها المراجع الذي حُرم من خدمةٍ كانت متاحة. والمقترح في صميم اختصاص ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، المنشأ بالقرار الأميري رقم 58 لسنة 2021، الذي يملك اقتراح الأدوات التشريعية في مجال التطوير الحكومي. أولاً: تُعرَّف في اللائحة التنفيذية حدود المبادرة المحمية، فلا مساءلة عن نتيجة قرارٍ اتُّخذ للمصلحة العامة ما لم يثبت العمد أو الإهمال الجسيم، ويُقابَل ذلك بتصنيف الامتناع غير المبرَّر عن القرار مخالفةً بذاتها. ثانياً: تُنشأ خدمة استشارةٍ مسبقة يطلب فيها المسؤول رأياً قبل القرار، يكون حجةً له عند المراجعة اللاحقة. ثالثاً: يُنشر مؤشرٌ سنويٌّ واحد لكل جهة: عدد التجارب غير الناجحة التي وُثّقت ونُشرت دروسها، وعدد الخدمات التي أُوقفت وسببُ إيقافها. فما لا يُقاس لا يُدار. نحن نُكرّم المتميزين ونعلّق صور المنجزين على الجدران وفي ساحاتنا العامة، ولا نملك سجلاً واحداً لما جُرّب فلم ينجح، ولا لما أُوقف خشية أن يُجرَّب. وقطر تُطبّق في سمائها قاعدةً واضحة: البلاغ عن الخطأ لا يُستعمل ضد صاحبه. والسؤال ليس هل نبني ثقافةً جديدة، بل متى ننقل قاعدةً قائمةً عندنا من مدرج المطار إلى مكاتب الدولة.

1152

| 02 سبتمبر 2026

التحول بلا قائد.. مشروع بلا عنوان

تُطلق مؤسسة حكومية مشروع تحول رقمي كبير: لجنة تُشكَّل، واستشاريون يُتعاقد معهم، وأنظمة تُشترى. وبعد عامين تعمل الأنظمة ولا أحد يستخدمها، والاستشاريون غادروا، واللجنة انتقلت إلى مشروع آخر. الميزانية أُنفقت، والواقع لم يتغيّر. وهذا ما يحدث كلّما ملك الجميع جزءًا من المسؤولية ولم يملكها أحدٌ كاملة. خذ أنجح منصاتنا الرقمية: «هيا». وُلدت تحت ضغط موعد لا يُؤجَّل، وبقيت بعد البطولة قناةَ دخول قائمة. فمن يملكها اليوم؟ أنشأ قرار مجلس الوزراء رقم 12 لسنة 2024، المعدَّل بالقرار رقم 16 لسنة 2026، لجنةً دائمة بوزارة الداخلية لإدارة دخول الزوار، برئاسة ممثل عن الوزارة وعضوية جهات عدة، بينما تعمل المنصة تحت مظلة قطر للسياحة. والمنشور عنها اختصاصاتٌ وإجراءات، لا نسبةُ إنجازٍ ولا زمنُ معاملةٍ ولا رضا مستخدم. وهذه حال ما نملكه من تطبيقات: «مطراش 2» في الداخلية سدّ ثغرة حقيقية وصار جزءًا من يوم الناس، و«عون» في البلدية يستقبل البلاغات وطلبات الخدمة، وللصحة تطبيقاتها. لكن ما يُنشر عنها خبر التدشين وقائمة الخدمات، أما كفاءتها ومردودها فيبقيان في تقارير داخلية. والاستثناء يكشف أن القدرة موجودة: ففي يناير 2018 أعلنت وزارة الداخلية أن معاملات «مطراش 2» بلغت نحو 2.394 مليون معاملة في سنة واحدة، وحركات الاستعلام 9.684 مليون، والمشتركون نحو 395 ألفًا، والخدمات 153. رقمٌ دقيقٌ قِيسَ ونُشر مرّة، لكنه لم يشمل رضا المستخدم، ولم يَصُر تقليدًا سنويًّا. والفرق بين النشر مرّةً والنشر قاعدةً حسمته حكوماتٌ أخرى. ففي المملكة المتحدة فرض مجلس الوزراء منذ عام 2010 ضوابط إنفاق تمنع أيّ جهة من تجاوز 100 ألف جنيه إسترليني على خدمة رقمية دون موافقة دائرة الخدمات الرقمية الحكومية (Government Digital Service)، وأعلنت الدائرة عام 2018 أن المراجعة وفّرت أكثر من مليار جنيه في خمس سنوات. ثم جاءت الخطوة الأبعد أثرًا: إلزام كل جهة بنشر أربعة مؤشرات عن كل خدمة، هي نسبة الإقبال الرقمي ونسبة إتمام المعاملة ورضا المستخدم وكلفة المعاملة الواحدة. هنا تخرج المحاسبة من التقرير الداخلي إلى شاشة المواطن. والنموذج أقرب من ذلك. فقد أنشأت السعودية بأمر سامٍ صدر عام 2016 مكاتب تحقيق الرؤية داخل الوزارات، وحدةً تتبع الوزير مباشرة وتقود التحول وتقيس إنجازه، وتُعلن هيئة الحكومة الرقمية سنويًّا نتائج مؤشر قياس التحول الرقمي للجهات، وقد بلغ 88.30% في دورة 2025. أما الإمارات فتصنّف خدماتها علنًا منذ 2011 من نجمتين إلى سبع نجوم بتدقيق مستقل، وتقيس دبي رضا المتعامل لحظةَ إنهاء الخدمة وتنشر النتيجة منسوبةً إلى كل جهة. فالفارق بيننا وبينهم ليس القياس، بل نشر النتيجة باسم الجهة. وللمسألة اسمٌ في أدبيات الإدارة: «مسؤول التحول التنفيذي»، وهو ليس مديرًا تقنيًّا ولا مستشارًا خارجيًّا، بل قياديٌّ يتبع رأس المؤسسة مباشرة ومهمته أن يصل التغيير إلى الواقع. وبيانات مجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) تُقدّر، في مارس 2026، فرصة نجاح التحول المؤسسي بنحو 30% فقط، وتُظهر أن تعيين مثل هذا المسؤول عند انطلاق المشروع يرفع احتمال النجاح 22 نقطة مئوية. وقطر تملك المقوّمات كاملة: الأجندة الرقمية 2030 بركائزها الست و23 مبادرة، و«المصنع الرقمي» لدمج خدمات الجهات، وأكثر من 1650 خدمة رقمية متكاملة من نحو 2300 وفق بوابة «حكومي». فالسؤال ليس القدرة، بل موقع المساءلة. المركز الوطني قائم، والمفقود مالكٌ داخل كل جهة يُحاسَب على أثر التحول لا على تسليم النظام، ورقمٌ منشور يستطيع المواطن أن يحاسبه به. والعلاج يبدأ بالبديل قبل الإلزام، وثلاث خطوات تكفي. أولاها أن تُعيّن كل جهة كبرى مسؤول تحول واحدًا يتبع رئيسها مباشرة، بقرار يحدّد صلاحيته ومدّته وما يُحاسَب عليه. والثانية ألّا يُعتمد أيّ مشروع تحول يتجاوز سقفًا ماليًّا محدَّدًا إلا بتوقيع هذا المسؤول، فهو المحاسَب عليه، كما تصنع بريطانيا بجهتها المركزية، فيصير للتوقيع معنى ولصاحبه اسم. والثالثة أن تنشر كل جهة على بوابة «حكومي» أرقامًا سنوية عن كل خدمة كبرى، منها نسبة من أنجزوها رقميًّا بعد عام من إطلاقها ودرجة رضا العملاء عنها. لقد قِيست خدماتنا مرّةً ونُشرت أرقامها، فنستطيع أن نطوّر تلك الأرقام ونزيدها، ولا عذرَ تقنيًّا يعوق ذلك. والمطلوب أن يقف في كل جهة شخصٌ باسمه يتحمّل مسؤولية التحول الرقمي ويُحاسَب عليه.

564

| 25 أغسطس 2026

خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر

بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل في شمالها خمس وعشرون دقيقة بالسيارة. هذه هي المسافة على الخريطة. أما ما تقطعه في نفسك وأنت تقود بينهما، فرحلة بين قطر وقطر، وأظنها تختصر قصة تحولاتنا كلها. نظن أن العمارة شأن هندسي، وأن الحجر جماد لا رأي له. وهذا وهم. كل مخطط سكني هو قرار في العلاقات الإنسانية قبل أن يكون قرارًا في الخرسانة. حين تحدد عرض الشارع، فأنت تحدد هل سيسلّم الجار على جاره أم سيراه من خلف زجاج سيارته. وحين تختار موقع المسجد، فأنت تقرر ما إذا كان الأذان سيصل إلى الناس في بيوتهم أم سيحتاجون إلى عربة ليبلغوه. الجماد ليس صامتًا، بل يقول شيئًا كل يوم، ونحن نسمعه ولا ننتبه. في واقف، الممرات ضيقة. وهذا الضيق ليس عيبًا في التصميم، بل هو التصميم نفسه. الممر الضيق يجبرك على الاحتكاك بالناس، وعلى السلام عليهم، وعلى شمّ روائح البخور والتوابل. الدكاكين متلاصقة بلا أسوار، وبعضها مفتوح بلا حارس. الوزير والغفير يمشيان على الأرضية الخشنة نفسها، ويجلسان على الدكة الخشبية نفسها. والشراء هناك ليس تمريرًا لباركود على جهاز صامت، بل مكاسرة وسوالف وسؤال عن الأهل. المسجد في القلب لا على الهامش، والسكينة تغشى الجالسين على كثرة الزحام. مكان صُمّم كله ليقول «نحن»، لا «أنا». ولوسيل شيء آخر. أبراج شاهقة وزجاج نظيف وشوارع عريضة وحدائق مرتبة وعمارة تستحق الإعجاب حقًّا. لكن الشوارع العريضة تفصل الناس. أنت لا تمشي مع أحد، بل تمشي بجواره أو تراه من نافذتك. كل برج جزيرة مستقلة بخدماتها وحراستها، وأنت لا تعرف من جارك. المسجد موجود، لكنه صغير أو مخفيّ إلى جانب المولات وملاعب الغولف والمقاهي. والصوت الطاغي ليس الأذان، بل موسيقى الفعاليات وأزيز السيارات الفارهة. وحين تجلس في مقهى هناك، فالغالب أن جلستك ليست للحديث العميق، بل ليكون المكان خلفيةً مناسبة لصورة تُنشر بعد قليل. والمواطن يعيش بين المدينتين هجرةً يومية. في لوسيل يرتدي قناع الحداثة، ويتحدث الإنجليزية، ويقدّس الكفاءة والسرعة، ويريد أن يراه العالم متطورًا. وفي واقف يخلع القناع ويبحث عن الدفء واللمّة والأكل باليد، وعن شعور بأنه ما زال هو. لوسيل تمنحه الرفاهية وتتركه يشعر ببرد روحي، وواقف تمنحه الدفء ولا تصلح لإدارة مستقبله. فهو لاجئ دائم بين زمنين: لا يستطيع أن يستقر في ماضٍ قد مات، ويخاف أن يستقر في مستقبل بلا روح. وليست هذه رحلة في العمران وحده. الأسرة التي كان العشاء فيها موعدًا مقدسًا صارت جناحًا وشاشة لكل فرد. والسوق الذي كان البيع فيه سوالف ومكاسرة صار مكانًا لا تشتري فيه بضاعة بل صورة عن نفسك. والدِين الذي كان نظام تشغيل لليوم كله صار شعيرة تُؤدّى ثم يُغادَر إلى حياة أخرى. المدينتان لا تصنعان هذا الانشطار، بل تكشفانه. الحجر مرآة، والصورة التي فيه هي صورتنا. وهنا موضع الخطأ الذي أخشاه: أن يُقرأ هذا الكلام حنينًا. لست أدعو إلى هدم لوسيل والعودة إلى الدكاكين الطينية، ولا أظن أحدًا يريد ذلك جادًّا. لوسيل إنجاز يستحق الفخر، والعودة إلى الوراء ليست خيارًا مطروحًا أصلًا. لكن الفخر بالمبنى لا يعفينا من السؤال عن المعنى الذي يسكنه، وليس في الدنيا قانون يقول إن الحداثة تشترط البرود. المطلوب مدينة ثالثة في صورة حياة تناسبنا وتجمع شتاتنا. نأخذ من لوسيل تقنيتها ونظافتها وكفاءتها وسعتها، ونأخذ من واقف روحها ومركزية مسجدها وفضاءاتها التي تُمشى على الأقدام وتلاصق بيوتها ودفء جيرتها. مدن حديثة بقلب فريج قديم. وهذا ليس شعرًا، بل قابل للقياس والاشتراط. فليكن من شروط اعتماد أي مخطط سكني جديد أن يحقق حدًّا أدنى من الكفاءة الاجتماعية: ممشى مظلل يُستعمل في الصيف لا في الصوَر، وساحة التقاء في قلب الحي لا على أطرافه، ودكة جلوس، ومسجد في المركز تبلغه على قدميك في دقائق. وليكن للأحياء مؤشر عزلة يُنشر ويُتنافس عليه، كما تُنشر مؤشرات الطاقة والاستدامة. فما دمنا نقيس استهلاك المبنى للكهرباء، فمن الإنصاف أن نقيس أثره في علاقات ساكنيه. نحن نحتاج إلى عمارة تعيد الناس بعضهم إلى بعض. وحتى نبلغ هذه المعادلة، سيظل المواطن يقود سيارته في ذلك الطريق السريع بين المدينتين، بين الأصالة والحداثة، باحثًا عن روحه التي أضاعها في زحام رحلة التطور. ما أبعدها من خمس وعشرون دقيقة.

2133

| 19 أغسطس 2026

بياناتنا في خوادم لا نملكها

في عام 1973، فرضت الدول العربية المنتجة للنفط حظراً على تصدير النفط، واهتز الاقتصاد العالمي. كان النفط سلاحاً سيادياً لأنه كان في أيدي أصحابه. اليوم ثمة سلعة أخرى تُحرّك العالم، البيانات، لكن الفارق الصادم أن كثيراً من دولنا تُنتجها وتُسلّمها طوعاً إلى خوادم لا تملكها ولا تسيطر عليها. هذه ليست مبالغة. هذا هو الواقع الرقمي الذي نعيشه. حين تُخزّن مؤسسة حكومية بياناتها على خوادم شركة أمريكية، سواء في أيرلندا أو سنغافورة أو فرنسا، فهي تخضع لقانون CLOUD Act الأمريكي الذي يُجيز للحكومة الأمريكية طلب الاطلاع على تلك البيانات أينما كانت الخوادم في العالم. لا يحتاج الأمر إلى اختراق ولا إلى تجسس، يكفي طلب قانوني موجّه للشركة الأم في سان فرانسيسكو أو سياتل. المنظمات التي تستخدم منصات سحابية عالمية قد تجد بياناتها مُنسوخة ومُخزّنة عبر اختصاصات قانونية متعددة دون علمها، مما يُعرّضها لمخاطر قانونية وسيادية بالغة الخطورة. بعبارة أبسط: بياناتك ليست حيث تظن. المسألة لا تقتصر على بيانات المواطنين وخصوصيتهم، وهذا وحده كافٍ للقلق. الخطر الأعمق هو البيانات السيادية: خطط البنية التحتية، ومعطيات الطاقة، والسجلات الصحية الوطنية، وبيانات المناقصات الحكومية، والمراسلات بين المؤسسات. كل هذا يجري تخزينه يومياً على منصات أجنبية باعتبارها "الأسهل" و"الأوفر". شركات التقنية العالمية استغلت الفجوات في قوانين الدول النامية وتمكّنت من الوصول إلى بيانات قيّمة دون أن تُعيد شيئاً يُذكر، في ظل غياب إدراك مبكر لما ستصبح عليه قيمة تلك البيانات. الدول التي أدركت هذا الخطر مبكراً تصرّفت بحزم. أوروبا بنت GDPR الذي هو في جوهره إعلان سيادة رقمية قبل أن يكون قانون خصوصية. الصين اشترطت تخزين بيانات مواطنيها محلياً بشكل صارم. والسعودية باتت تُلزم شركات التقنية بفتح مراكز بيانات داخل أراضيها شرطاً لا تفاوض فيه للحصول على العقود الحكومية. أما قطر، فقد أصدر مصرف قطر المركزي لوائح الحوسبة السحابية عام 2024 لتنظيم استخدامها في القطاع المالي وحماية بياناته. Qna خطوة في الاتجاه الصحيح — لكنها تبقى محدودة النطاق في قطاع واحد، بينما بيانات عشرات المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى لا تزال تعيش في سحب لا نملك مفاتيحها. قبل توقيع أي عقد سحابي، ثمة سؤال واحد يجب أن يُطرح إلزامياً: إن نشأ نزاع سياسي أو تجاري بيننا وبين الدولة التي تقع فيها هذه الخوادم، من يحمي بياناتنا؟ في الغالب لا أحد يسأل، لأن أحداً لا يُفكّر في البيانات كأصل سيادي. يُفكّر فيها كملف تقني يُحال إلى قسم IT، لا كقرار استراتيجي يجب أن يصل إلى أعلى مستويات القيادة. والخلاصة أن الدول التي فقدت سيطرتها على نفطها في القرن الماضي خسرت ثروة. والدول التي تفقد سيطرتها على بياناتها في هذا القرن ستخسر شيئاً أخطر، ستخسر القدرة على اتخاذ قراراتها بحرية حقيقية. السيادة الرقمية ليست ترفاً تقنياً. هي امتداد طبيعي للسيادة الوطنية في عصر تُحكمه البيانات.

450

| 11 أغسطس 2026

الخريطة الوطنية.. أصلٌ سياديّ لا خدمة متاحة

صار نظام الملاحة في سنواتٍ قليلة جزءًا من يوم الفرد وأداةً من أدوات الدولة في آنٍ واحد. يفتحه الموظف صباحًا ليبلغ عمله، ويعتمد عليه سائق التوصيل في كل طلب، وتقوم عليه الجهات الرسمية في توجيه الإسعاف إلى عنوانٍ صحيح، وفي إدارة الحشود، وفي إغلاق طريقٍ وتحويل حركته في دقائق. وهذا التحوّل يستدعي تصحيح تصنيفٍ شائع: نظام الملاحة ليس خدمة ترفيهٍ ولا رفاهية استهلاكية، بل طبقة من طبقات الأمن الوطني، لأن كل عمليةٍ من هذه العمليات تقوم على بيانات مكانية دقيقة ومحدَّثة. والدولة التي تُدار خريطتها اليومية من خارجها تُدير طوارئها ببياناتٍ لا تملك مفاتيحها. والدول التي أدركت ذلك مبكرًا تصرّفت على أساسه. ففي 27 فبراير 2026 وافقت كوريا الجنوبية على طلب شركة جوجل نقل بيانات الخرائط الكورية عالية الدقة بمقياس 1:5000 إلى خوادم خارج البلاد، منهيةً نزاعًا امتدّ 19 سنة رُفض فيه الطلب مرّتين، في عامي 2007 و2016، لأسباب تتصل بالأمن القومي. وجاءت الموافقة نفسها مشروطة: حجب المنشآت العسكرية والحسّاسة في الصور، وحذف إحداثيات الأرض الكورية من الخدمات العالمية، وتعيين مسؤول خرائط مقيم داخل البلاد، و«زرّ أحمر» يوقف نقل البيانات فورًا عند وجود تهديد للأمن القومي. واللافت ليس الشرط، بل ما جعل فرضه ممكنًا. فكوريا استطاعت أن ترفض 19 سنة لأن مواطنيها لم يكونوا بحاجة إلى الخدمة المرفوضة. ففي يناير 2026، وبحسب بيانات شركة Mobile Index التي نقلتها صحيفة كوريا تايمز، بلغ عدد المستخدمين النشطين شهريًّا لتطبيق نيفر مابس (Naver Map) 28.8 مليون مستخدم، ولتطبيق كاكاو ماب 12.6 مليون، مقابل 9.98 مليون لخرائط جوجل. فالموقف السيادي لم يكن إعلانًا سياسيًّا معلَّقًا في الهواء، بل كان مسنودًا برقم استخدام. وقطر أدركت هذا عمليًّا قبل أن تعلنه سياسةً. فنظام العنوان الوطني «عنواني»، الذي أنجز مركز نظم المعلومات الجغرافية بوزارة البلدية إصدار عناوينه لجميع المباني القائمة في الدولة، تستخدمه وزارة الداخلية والمركز الوطني للتحكّم في الوصول إلى مواقع الطوارئ والإسعاف. والمركز نفسه يشغّل الشبكة الوطنية لنظم المعلومات الجغرافية التي يتّصل بها أكثر من 100 جهة حكومية. وفي مونديال 2022 أطلق مركز قطر للابتكارات التكنولوجية نسخةً محدَّثة من تطبيق «وين» ومنصّةً لتعديل محتوى الخريطة وإغلاقات الطرق بصورةٍ آنية. فالتجربة قائمة، والكفاءة مثبتة. لكن هذا الإدراك بقي تشغيليًّا في لحظاتٍ استثنائية، ولم يبلغ درجة الإلزام في الأوقات العادية. فلا قاعدة تُلزم الجهات الحكومية باعتماد المنصّة الوطنية أساسًا لخدماتها المكانية، ولا شرط في عقود الأساطيل وشركات التوصيل، ولا مؤشّر منشور يقيس أين تتراكم المعرفة الجغرافية للدولة فعلًا. والمنطقة تتحرّك في هذا الاتجاه: ففي 30 يوليو 2026 أطلقت شركة هدهد السعودية تطبيقها للخرائط والملاحة رسميًّا بعد عامين من التجربة، وبدعم اتفاقيةٍ وقّعتها معها الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية والبرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات في مارس 2024. والسبب الجذري لضعف الإقبال ليس ضعفًا في الوعي الوطني، بل إن المستخدم يختار ما يوصله أسرع وأدقّ. ولذلك يسبق الإلزامَ أن يكون البديل الوطني أجدر بالاختيار. والمقترح ثلاث خطوات مرتَّبة. أولاها فتح قاعدة «عنواني» وبيانات الطرق وإغلاقاتها عبر واجهات برمجية موحّدة لأيّ مطوّر محلي، فالمنافسة على الجودة تسبق الدعوة إلى الولاء. وثانيتها اعتماد الخريطة الوطنية أساسًا في الخدمات الحكومية وأساطيل النقل العام وعقود شركات التوصيل المرخَّصة، فهذه وحدها تولّد تدفّق بيانات يوميًّا يحسّن الخريطة من الاستخدام لا من المسح الدوري. وثالثتها نشر مؤشّر سنوي ضمن الأجندة الرقمية 2030: ما نسبة الاستعلامات الجغرافية في الخدمات الحكومية التي تمرّ عبر منصّة وطنية؟ فما لا يُقاس لا يُدار. وتبقى ملاحظة أخيرة على قرار سيول. فحين اشترطت كوريا ما اشترطت، لم تكن تفاوض من موقع الحاجة بل من موقع الاستغناء. وقطر تملك اليوم البنية والخبرة والسابقة التشغيلية، وينقصها أن تنتقل من التعامل مع الخريطة الوطنية بوصفها خدمةً متاحة إلى التعامل معها بوصفها أصلًا سياديًّا يُلزَم به ويُقاس أداؤه. والفارق بين الحالين ليس خطابًا في السيادة الرقمية، بل رقم واحد يُنشر كل عام بإلزام من مجلس الوزراء الموقر.

468

| 04 أغسطس 2026

سمعتك الرقمية لم تعد ملكك وحدك

حين يبحث مستثمر أجنبي أو شريك تجاري عن شركتك، فهو لا يتصل بمكتبك ولا يقرأ تقريرك السنوي، يفتح هاتفه ويسأل ChatGPT أو Google AI أو Perplexity. وما يحصل عليه ليس موقعك الإلكتروني الرسمي، بل رأي الخوارزمية فيك، مُركَّباً من موقعك ومن كل ما كُتب عنك في أي مكان على الإنترنت. هنا تبدأ المشكلة موقعك الإلكتروني، إن كنت مثل كثير من الشركات الكبرى في المنطقة، ربما لم يُحدَّث منذ سنوات، ويحمل معلومات ناقصة أو متجاوزة. هذا لم يكن خطراً كبيراً حين كان الزائر يقرأ الموقع بنفسه ويحكم. لكن المشهد تغيّر جذرياً. محركات البحث الذكية اليوم لا تعرض موقعك، بل تُلخّصه وتُحوّله إلى حقيقة جاهزة تُقدَّم بثقة لملايين المستخدمين. والمعلومة الخاطئة في موقعك تصبح خطأً في الذاكرة الرقمية العالمية. تشير تقديرات متعددة صادرة عن جهات متخصصة في تحليل محتوى الذكاء الاصطناعي إلى أن أغلب الشركات الكبرى تحمل خطأً واحداً على الأقل فيما تقوله عنها هذه المحركات، وأن كلفة هذه الأخطاء على الشركات حول العالم تُقاس بمليارات الدولارات سنوياً. والأشد خطورة أن نماذج الذكاء الاصطناعي تُقدّم المعلومة الخاطئة بلغة أكثر ثقة وحسماً من المعلومة الصحيحة. ما يُميّز هذه المسألة عن مجرد إهمال رقمي هو بُعدها الوطني. شركتك، إن كانت من الشركات الكبرى في قطر، ليست مجرد كيان تجاري بل واجهة. حين يبحث مستثمر عن شركة طاقة قطرية أو مقاول بنية تحتية في الدوحة، فإن ما يجده يُشكّل انطباعه عن البيئة الاستثمارية كلها. وقد حدث بالفعل أن بحث مستثمر آسيوي عن شركة قطرية رائدة في قطاعها، فوجدت الخوارزمية موقعها الإلكتروني متوقفاً عن التحديث منذ سنوات، وملأت الفراغ بمعلومات من منتديات عامة لا صلة لها بواقع الشركة. هذا النمط يتكرر أكثر مما يُعترف به. علاوة على ذلك، تُغذّي محركات الذكاء الاصطناعي نفسها مما هو منشور. فإن غاب حضورك الرقمي أو كانت معلوماتك متضاربة، ملأت الخوارزمية الفراغ بما وجدته في منتديات ومواقع مجهولة المصدر، وهذا ما يُعرف بالهلوسة الرقمية، أي توليد معلومات تبدو منطقية لكنها مختلقة كلياً. هل من دولة تُراقب هذا؟ السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الواقع: هل توجد جهة رقابية في أي دولة تُشرف على الحضور الرقمي للشركات الكبرى وتضمن دقته؟ الإجابة اليوم: لا توجد بعد بالمعنى الشامل. لكن الاتجاه واضح. الاتحاد الأوروبي يسير بخطى متسارعة نحو تنظيم محتوى الذكاء الاصطناعي عبر قانون الخدمات الرقمية وقانون الذكاء الاصطناعي. الإمارات أنشأت بيئة اختبار تنظيمية لتقنيات الذكاء الاصطناعي عام 2024 كخطوة استباقية. والولايات المتحدة تُحاسب الشركات التي تُضلّل عبر ادعاءات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. الفجوة واضحة، والفرصة أوضح. قطر تملك بالفعل الأساس المؤسسي لسدّ هذه الفجوة قبل غيرها. اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي أُنشئت بقرار مجلس الوزراء رقم عشرة لسنة 2021 وتضم ممثلين من مختلف الوزارات، مخوّلة أصلاً بوضع آليات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية والإشراف على مبادراتها. بالتنسيق مع هيئة تنظيم الاتصالات، صاحبة الولاية التنظيمية على الوصول إلى الوسائط الرقمية، تستطيع هذه اللجنة أن تُصدر معياراً وطنياً واحداً محدداً: إلزام الشركات العاملة في القطاعات الحيوية، كالطاقة والبنية التحتية والمال، بتدقيق سنوي لحضورها الرقمي، يُقاس فيه توافق ما تعرضه محركات الذكاء الاصطناعي عنها مع واقعها الفعلي، ونشر مؤشر امتثال علني لكل شركة. هذه خطوة واحدة، قابلة للتنفيذ خلال عام، ولا تحتاج جهازاً بيروقراطياً جديداً بل تفعيلاً لولاية قائمة أصلاً. شركتك التي لا تملك حضوراً رقمياً موثوقاً لم تعد تخسر فقط عميلاً، بل تخسر ثقة عالَم يسأل الخوارزمية قبل أن يطرق بابها.

426

| 22 يوليو 2026

قراءة في فقيد المعنى

المعنى بلا مبنى شعارٌ يتبخّر، والمبنى بلا معنى جدارٌ أجوف. والسؤال الذي يُسأل عن كل بانٍ ليس: كم بنى؟ بل: ماذا أودع فيما بنى؟ ورحل عنا اليوم رجلٌ لا تُقرأ سيرته إلا بهذا الميزان. لم تكن قطر في مطلع التسعينيات إلا جغرافيا صغيرة على حافة خليج، لا تكاد تُرى على الخريطة إلا بجهد. فجاء البناء متلاحقًا: الغاز، والصوت، والمدرسة، والملعب. لكن الذي ينظر إلى هذه المباني بوصفها منشآت، لم يرَ منها شيئًا. الغاز ليس ثروة، بل هو قدرةٌ على أن تقول "لا" فتُسمَع. والجزيرة ليست قناة، بل هي صوتٌ في أمّة أُلجمت. والمدينة التعليمية ليست حرمًا جامعيًا، بل هي إعلانٌ بأن الأمّة تُستأنَف من العقل لا من الريع. والملاعب ليست إسمنتًا، بل هي أن يأتي العالم إلينا مرة، بعد أن ألِفنا الذهاب إليه دائمًا. جغرافيا ضيقة، ومعنى لا تسعه الجغرافيا. هذه هي المعادلة التي أتقنها الرجل: أن يبني المبنى الصغير، ثم يودعه معنى أكبر منه بكثير. في يناير من عام 2009، وغزة تحترق، دعا إلى قمة عربية طارئة، وقال إن ما يجري جريمة حرب تحتّم على العرب أن يتحركوا. فماذا كان؟ لم يكتمل النصاب حتى تنعقد القمة. فخرجت كلمة من فمه: "إن هذه القمة ما إن يكتمل نصابُها حتى يَنقُص، حسبنا الله ونعم الوكيل".. قصيرة.. بسيطة.. لكنها عميقة.. ومؤلمة. قطع، طيب الذكر رحمه الله تعالى، جدوله وسافر إلى القاهرة في زيارة خاصة لا رسمية، ليقدّم واجب العزاء في بيت معلّمه. ولم يسبقه إلى هذا زعيم. نعم رسم معلمُه بيده أول عملة للدولة، وخطّ أول طابع بريد لها. لكن المعنى الأكبر هو الوفاء. في الخامس والعشرين من يونيو 2013، وفي إقليم لا تنتقل فيه السلطة إلا من فوق سرير أو من تحت دبابة، خرج منه رجلٌ حيّ، صحيح، قادر، في ذروة تمكّنه. وقال في خطابه ما هو أثقل من الخروج نفسه: والله يعلم أني ما أردت السلطة غاية في ذاتها، ولا سعيت إليها من دوافع شخصية. "غاية في ذاتها". هذه هي الجملة التي تختصر عمر الرجل. من جعل المبنى غاية في ذاته فقد أفرغه من معناه، فصار الكرسي وثنًا يُعبد لا أداةً تُستعمل. ومن أدرك أن المبنى وسيلة، استطاع أن يتركه دون أن ينقص منه شيء. ثم غزة مرة أخرى.. أرضُ الرجال هُدم فيها كل حجر، فلم يبقَ فيها إلا المعنى عاريًا. جفاها القريب قبل البعيد، ووقف القادرون خلف الأسوار، ولم يدخلها أحد. وفي الثالث والعشرين من أكتوبر 2012، دخلها هو، أول زعيم عربي يكسر حصارها رسميًا، ومعه زوجه ووفده، لا حماية له إلا ما آمن به. القمم تحتاج نصابًا. وأما المواقف فلا نصاب لها. يقولون إنه ترك إرثًا عظيمًا. وأنا أقول: ترك ما هو أثقل من الإرث. ترك سابقةً. الإرث يُورَّث فيُستهلك، وأما السابقة فتبقى شاهدةً على الجميع، "كان الأول". كان بسيطًا. لا بمعنى السذاجة، بل بمعنى أن المسافة بين ما يعتقده وما يفعله كانت معدومة. وأكثر القادة يملؤون تلك المسافة بالتبرير والتوازن والدهاء. وهو اختصرها حتى انعدمت. ولهذا خرجت منه "حسبنا الله ونعم الوكيل"، الرجل السياسي يُعدّ عبارته، والرجل البسيط تفلت منه حقيقته. والوجدان العربي اليوم ليس متعطشًا إلى قائد أذكى. إنما هو متعطش إلى رجل يفعل ما يقول. ولذلك حين مات، لم تبكِ الملايين إنجازاته، بل بكت اتساقه. الإنجاز يُعجب، والاتساق يُبكي.

522

| 15 يوليو 2026

قطر والذكاء الاصطناعي.. قبل ما يطيح الفأس بالرأس

قطر لن تبدأ من الصفر. في عام 2024 أصدر مصرف قطر المركزي إرشادات ملزمة للمؤسسات المالية تُحمّل مجالس إدارتها المسؤولية الكاملة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتشترط الحصول على موافقة مسبقة قبل نشر أي نظام عالي الخطورة. وفي العام ذاته أصدرت الوكالة الوطنية للأمن السيبراني دليلاً تقنياً شاملاً يُغطي دورة حياة الذكاء الاصطناعي لجميع القطاعات. إنجاز حقيقي — لكنه يكشف في الوقت ذاته عن فجوة لا يمكن تجاهلها. إرشادات مصرف قطر المركزي ملزمة وذات أسنان، لكنها تخص القطاع المالي وحده. ودليل الوكالة الوطنية للأمن السيبراني شامل ومدروس، لكنه طوعي، لا رقابة تفتيشية عليه ولا عقوبة على من يتجاهله. النتيجة: عشرات الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات التي تُقدّم خدماتها للجمهور يومياً، من الصحة إلى التعليم إلى البلديات، تعمل في فراغ تنظيمي كامل. وهذا الفراغ لا يبقى فارغاً، يملؤه الاجتهاد الفردي، وأحياناً الإهمال. في مؤسسات حكومية وشركات كثيرة اليوم، يُلخّص موظفون وثائق حساسة باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي أجنبية، وتُصدر أنظمة ذكية قرارات تمس حقوق المواطنين دون أن يعلم أحد بآلية عملها. نماذج الذكاء الاصطناعي تستخدم لغة أكثر حسماً بنسبة 34% حين تُنتج معلومات خاطئة. أي أنها تبدو أكثر ثقة كلما كانت أكثر خطأً. قرار إداري مبني على مخرجات مغلوطة، أو خدمة عامة تعتمد على نظام متحيز، لن تظهر تبعاتها غداً، لكنها ستظهر، وحينها يصعب التراجع. الدول التي انتظرت حتى وقع الضرر دفعت ثمناً باهظاً: غرامات أوروبية بالملايين بسبب قرارات ائتمانية متحيزة، وشركات استشارات ردّت ملايين بسبب تقارير مبنية على مراجع مُخترعة من الذكاء الاصطناعي. والمنطقة المحيطة بقطر لا تخلو من دروس مماثلة. السعودية حوّلت مبادئها الأخلاقية إلى معيار قابل للتدقيق حين حققت شهادة ISO 42001 في يوليو 2024، لكن باحثين يُشيرون إلى أن تشريعاتها لا تزال مُشتّتة بين جهات متعددة مما يُفضي إلى تضارب في متطلبات الامتثال. أما الإمارات، فقد واجهت اختباراً أكثر حدة حين أثار الكونغرس الأمريكي مخاوف جدية حول احتمال وصول بيانات حساسة إلى أطراف خارجية عبر شراكات تقنية لإحدى شركاتها الكبرى، مما اضطرها إلى إطلاق إطار شامل للحوكمة وتعيين مسؤول تنفيذي للذكاء الاصطناعي المسؤول وفرض تدقيق خارجي مستقل. الدرس المشترك: الحوكمة لا تأتي من فراغ، تأتي إما استباقاً أو استجابةً لأزمة. ما المطلوب من قطر الآن؟ البناء القائم جيد، والمطلوب توسيعه في ثلاث اتجاهات: تحويل دليل الوكالة الوطنية للأمن السيبراني من إرشادات طوعية إلى إطار ملزم يشمل المؤسسات الحكومية والشركات التي تُقدّم خدمات عامة. وإلزام كل مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي في قرارات تمس الجمهور بتعيين مسؤول واضح وسجل موثّق لأنظمتها وآلية إفصاح للمتضررين. وإنشاء جهة تفتيش محايدة تتحقق من الامتثال، لأن الرقابة الذاتية وحدها لا تكفي حين تتشابك المصالح. قطر أمامها خيار نادر: أن تتعلم من تجارب جيرانها قبل أن تعيشها. وأن تكون نموذجاً إقليمياً لا متأخراً يدفع ثمن التردد.

762

| 08 يوليو 2026

حين تتحول المجاملة من ودّ إلى واجب

نحن لا نعيش بالعقود والقوانين فقط، بل نعيش أيضًا بسلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة التي تحفظ الود بين الناس. اتصال قصير، رسالة تهنئة، زيارة عائلية، تعزية، سؤال عن مريض، حضور مناسبة، أو حتى ابتسامة في وجه قريب أو صديق. هذه الأفعال البسيطة هي التي تجعل العلاقات أكثر دفئًا، وتمنع الحياة من أن تتحول إلى معاملات جافة. لذلك لا يصح أن ننظر إلى المجاملات الاجتماعية نظرة سلبية مطلقة. فالمجاملة في أصلها ليست نفاقًا، ولا تصنعًا، ولا عبئًا دائمًا. بل هي في كثير من الأحيان تعبير عن الذوق، وحفظ للمودة، ومراعاة للخواطر، وإعلان بأن الإنسان لم ينس قريبه أو صديقه أو جاره في فرحه أو حزنه. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المجاملة من فعل جميل إلى واجب ثقيل. هنا لا يعود الإنسان يسأل نفسه: هل أريد أن أشارك؟ هل أستطيع أن أحضر؟ هل يناسبني أن أتصل الآن؟.... بل يبدأ بسؤال آخر: ماذا سيقول الناس إن لم أفعل؟ هل سيغضب فلان؟ هل سيقال إنني قصّرت؟ هل سيُفهم غيابي على أنه تجاهل أو تغير في العلاقة؟ في هذه اللحظة تتحول المجاملة من معروف اجتماعي إلى عرف ضاغط. والعرف هنا لا يعني العادة البسيطة فقط، بل يعني ذلك السلوك الذي يتكرر بين الناس حتى يصبح متوقعًا، ثم يتحول مع الزمن إلى معيار يحاسِب الناس بعضهم بعضًا عليه. لا توجد ورقة مكتوبة تقول لك: يجب أن تحضر، أو يجب أن تتصل، أو يجب أن تبارك، لكنك تشعر أن ترك ذلك سيكلفك عتبًا أو سوء فهم أو برودًا في العلاقة. وهذا هو الجانب الذي لا نتوقف عنده كثيرًا. نحن نتحدث عادة عن تكاليف الزواج، وتكاليف العزاء، وتكاليف المناسبات الكبرى، لأنها ظاهرة وواضحة. لكن هناك تكاليف أخرى لا تظهر في الفواتير. هناك تكلفة الوقت، وتكلفة القلق، وتكلفة الشعور بالذنب، وتكلفة إدارة العلاقات، وتكلفة أن يظل الإنسان مراقبًا لما يجب أن يفعله تجاه كل قريب وصديق وزميل. قد تكون المجاملة رسالة صغيرة، لكنها أحيانًا تأتي بعد تفكير طويل: من يجب أن أهنئ؟ من قد يزعل إن ما رديت عليه؟ هل تكفي رسالة؟ هل يجب أن أتصل؟ هل يجب أن أزور؟ هذه الأسئلة، حين تتكرر، تصنع عبئًا نفسيًا غير معلن. ولعل من أكثر العبارات حضورًا في هذا الباب عبارة: “حفظ الخاطر”. وهي عبارة جميلة في أصلها. فالمجتمع الذي لا يحفظ خواطر الناس يصبح قاسيًا. لكن حفظ الخاطر يتحول أحيانًا إلى ضغط عندما يصبح مطلوبًا من الإنسان أن يحفظ خواطر الجميع، بينما لا يحفظ أحد خاطره هو، ولا يراعي ظروفه أو تعبه أو مرضه أو ضيق وقته. المطلوب إذن ليس إلغاء المجاملات. فهذا غير ممكن، ولا هو مطلوب أصلًا. المجتمع بلا مجاملات سيكون أكثر برودة، وأقل رحمة، وأضعف صلة. المطلوب هو تهذيب المجاملات، وإعادتها إلى معناها الأصلي: المودة لا المحاسبة،.... المشاركة لا المراقبة،.... المعروف لا الإحراج. نحتاج إلى عرف اجتماعي جديد، أرحم وأوسع. عرف يقبل الاعتذار من غير تفتيش في النوايا. عرف يفهم أن عدم الحضور ليس دائمًا تقصيرًا، وأن الرسالة قد تكفي أحيانًا، وأن الاتصال القصير قد يكون صادقًا، وأن الإنسان لا يستطيع أن يؤدي كل الواجبات الاجتماعية بالطريقة نفسها وفي كل وقت. كما نحتاج إلى تخفيف لغة العَتَب والمحاسبة: لم يتصل، لم يحضر، لم يبارك، بس أرسل برسالة، تغيّر علينا، كبر راسها علينا. هذه العبارات الصغيرة هي التي تجعل الناس يجاملون خوفًا لا محبة، ويحضرون دفعًا للحرج لا رغبة في المشاركة. المجاملة الجميلة هي التي تترك أثرًا طيبًا في النفس. أما المجاملة التي ترهق الإنسان، وتدفعه إلى التمثيل الاجتماعي المستمر، وتجعله يخاف من كل غياب أو تأخر أو اعتذار، فهي بحاجة إلى مراجعة. نحن لا نحتاج إلى مجتمع بلا مجاملات، بل إلى مجتمع أكثر رحمة في فهم المجاملات. مجتمع يحفظ المعروف، لكنه لا يحوله إلى عبء. يقدّر الحضور، لكنه لا يجرّم الغياب. يفرح بالسؤال، لكنه لا يعاقب من منعته ظروفه. فالعلاقات لا تقوى بكثرة المحاسبة، بل بحسن الظن، وسعة الصدر، وقبول أعذار الناس. ولعل أرق ما يختم به هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الكلمة الطيبة صدقة”. فالمجاملة حين تكون كلمة طيبة، خفيفة على صاحبها، دافئة في أثرها، صادقة في معناها، تصبح بابًا من أبواب الرحمة، لا عبئًا من أعباء الحياة.

906

| 30 يونيو 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

4242

| 29 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3156

| 24 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1107

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1086

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

1044

| 29 سبتمبر 2026

كل شيء سيمر
كل شيء سيمر

كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...

810

| 30 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

696

| 29 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

672

| 27 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

507

| 25 سبتمبر 2026

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية
النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...

480

| 27 سبتمبر 2026

حمد الطبية
حمد الطبية

في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...

480

| 28 سبتمبر 2026

لعبة المضائق المائية يجب أن تتوقف
لعبة المضائق المائية يجب أن تتوقف

ما يجري اليوم في مضيقي هرمز وباب المندب...

468

| 29 سبتمبر 2026

أخبار محلية