رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......

1041

| 04 مارس 2026

ميزاننا المقلوب.. حين يصبح «كلام الناس» أثقل من «كلام الله»

في مجالسنا، هناك عبارة واحدة تملك سلطة تفوق سلطة القانون، وأحياناً -للأسف- تفوق وازع الدين. عبارة مكونة من ثلاث كلمات فقط، لكنها قادرة على هدم بيوت، وإغراق شباب في الديون، ووأد أحلام في مهدها. العبارة هي: «وش بيقولون الناس؟». هذا السؤال البسيط هو التعبير الشعبي عمّا يمكن تسميته بـ الخوف من كلام الناس.. نحن نعيش في مجتمعات محافظة، وهذا شيء نفخر به. الدين جزء من هويتنا، والأخلاق عماد تربيتنا. ولكن، إذا دققنا في سلوكياتنا اليومية، سنجد أننا نخضع لـ «شريعة» أخرى غير مكتوبة، هي «شريعة العيب»، وفي هذه الشريعة، يحدث اختلال مخيف في الموازين. شاب يرغب في الزواج، يريد حفلاً بسيطاً يتناسب مع قدرته المالية، ليبدأ حياته «مستوراً» وبلا ديون. الدين يقول «أيسرهن مؤونة أكثرهن بركة». والمنطق يقول لا تبدأ حياتك بكسر ظهرك. لكن «شريعة العيب» تصرخ في وجهه: «لا تفضحنا! وش بيقولون الناس؟ ولد فلان عرسه سكيتي؟». والنتيجة؟ يذهب الشاب للبنك، ويوقع على قروض ربوية، ويرتكب «الحرام» أو «المكروه» شرعاً وعقلاً، فقط ليتجنب «العيب» اجتماعياً. يغضب ربه، ويرهق نفسه، ليرضي ناساً سيأكلون طعامه وينتقدونه في الحالتين! فتاة تتعرض لظلم بين، في ميراث أو في زواج، وتريد أن ترفع صوتها لتطلب حقها الشرعي الذي كفله الله لها. فيأتيها الرد الصاعق من أقرب الناس: «عيب.. لا تطلعين أسرارنا.. اصبري واحتسبي عشان سمعة العائلة». هنا، يصبح «الخوف من كلام الناس» وثنًا يُعبد من دون الله، نضحي عنده بحقوق البشر وبنصوص الشريعة. لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة؟ لماذا أصبح «المنقود» (ما ينتقده الناس) أشد رعباً في نفوسنا من «المحرم» (ما يغضب الله)؟ المشكلة تكمن في أننا خلطنا بين «الحياء» المحمود، وبين «الرياء» الاجتماعي المذموم. «العيب» هو قانون متغير ومزاجي. ما كان «عيباً» بالأمس (مثل عمل الشاب في بيع القهوة أو الطعام) أصبح اليوم «فخراً» وريادة أعمال. هذا يثبت أن «العيب» صنم من عجوة، نحن من نصنعه ونحن من نأكله. أما «الحرام» و»الحلال» و»الحق» فهي ثوابت لا تتغير بتغير أمزجة المجالس. إن التنمية الحقيقية، والراحة النفسية، لن تتحققا إلا إذا أعدنا ضبط هذا الميزان المقلوب. نحن بحاجة لثورة وعي، تبدأ من داخل كل بيت. أن نعلم أبناءنا أن البوصلة هي «الله»، ثم «الضمير»، ثم «القانون». أما «الناس»، فهم مجرد مشاهدين في مسرح الحياة، لا يملكون جنة ولا ناراً، ولا نفعاً ولا ضراً. أن نقول لابننا: «لا تفعل هذا لأنه يغضب الله»، لا أن نقول له «لا تفعل هذا عشان ما يضحكون عليك الناس». الفرق بين الجملتين هو الفرق بين أن تربي «إنساناً حراً» يراقبه ضميره، وبين أن تربي «إنساناً منافقاً» وأسيرًا للخوف من كلام الناس، يتقن التمثيل أمام الجمهور ويفعل ما بدا له في الخفاء. تحرروا من سجن «وش بيقولون الناس». فالناس سيتحدثون في كل الأحوال. عش حياتك وفق قناعاتك ومبادئك وإمكانياتك. ففي النهاية، الحساب يوم القيامة سيكون «فردياً»، ولن يأتي «المجتمع» ليدافع عنك أو يسدد ديونك التي أخذتها لإرضائه.

198

| 25 فبراير 2026

اقتصاد الضمير.. كيف يصبح الصدق والإحسان ميزان الربح والخسارة؟

في عالم الأعمال اليوم، حيث لغة الأرقام هي العليا والربح هو الهدف الأسمى، قد يبدو الحديث عن القيم والثقافة أمرًا مثاليًا وبعيدًا عن الواقع. لكن، ماذا لو كان هذا الفصل بين عالم القيم وعالم المال هو أكبر وهمٍ نعيشه؟ ماذا لو أن قوانين الروح العميقة هي ذاتها التي تحكم استدامة الثروة ورسوخها؟ هنا يبرز مفهوم «اقتصاد القيم» بوصفه الإطار الأعمق لفهم العلاقة بين الأخلاق والنجاح الاقتصادي. إننا نقترح إعادة النظر في مفهوم «الربح» و»الخسارة» من منظور «اقتصاد القيم»، وهو نظامٌ لا يرى في الأخلاق قيدًا على الربح، بل يراها أعظم أصلٍ يمكن امتلاكه. في هذا الاقتصاد، الصدق ليس مجرد فضيلة، بل هو أقوى استراتيجية تسويقية. والإحسان ليس مجرد عمل خيري، بل هو معيار الجودة الأعلى. والأمانة هي حجر الأساس الذي يُبنى عليه صرح الثقة، العملة الحقيقية التي لا تقبل التضخم. رأس المال الأخلاقي: المحرك الحقيقي للثروة تتحدث النظريات الاقتصادية التقليدية عن رأس المال المالي والمادي والبشري، لكنها كثيرًا ما تغفل عن النوع الأكثر تأثيرًا على المدى الطويل: «رأس المال الأخلاقي». وهو رصيد السمعة الطيبة ومخزون الثقة الذي يتكون عبر سنوات من التعامل الصادق والوفاء بالوعود. هذا الرصيد هو القلب النابض لأي نموذج ناجح في اقتصاد القيم. فبينما يشبه رأس المال المالي وقود السيارة، فإن رأس المال الأخلاقي هو المحرك نفسه؛ وبدون محرك، يصبح الوقود عديم الفائدة. الشركة التي فقدت ثقة الناس قد تضخ الملايين في الإعلانات، لكنها لن تنجح في تحريك قلوبهم. السمعة الطيبة هي المحرك الذي يحول كل ريال تنفقه إلى قيمة مضاعفة. القيم كآليات اقتصادية فاعلة القيم ليست شعارات، بل هي آليات تشغيل اقتصادي فاعلة: 1. الصدق كقوة جاذبة: في عصر الإعلانات المضللة، يصبح الصدق عملة نادرة. الشركة التي تقول الحقيقة عن منتجها وتضع سعرًا عادلًا، تبني علاقة ولاء تتجاوز علاقة البيع والشراء. العميل المخلص لا يعود مرارًا فحسب، بل يصبح مسوقًا متطوعًا لك، وهذه قوة لا يمكن لأي حملة إعلانية أن تضاهيها. 2. الإحسان كمعيار للتفوق: «الإحسان» في ثقافتنا هو «الإتقان والإجادة» بدافع داخلي. عندما يتبنى صاحب عمل هذا المبدأ، فإنه لا ينتج سلعة مقبولة، بل ينتج تحفة، ولا يقدم خدمة جيدة، بل يقدم تجربة لا تُنسى. هذا الإحسان في الجودة والتعامل هو ما يخلق الفارق الحقيقي والمستدام في السوق. 3. الثقة كمسرّع للمعاملات: انعدام الثقة له تكلفة باهظة من عقود معقدة ورقابة مشددة تستهلك الوقت والمال. أما الثقة، فهي «الزيت» الذي يجعل عجلات الاقتصاد تدور بسلاسة. حين تثق الأطراف ببعضها، تصبح المعاملات أبسط والاتفاقات أسرع، مما يطلق العنان لشراكات وإبداعات ما كانت لتحدث في بيئة من الشك. ثقافة «البركة» في مواجهة طوفان المادة اقتصاد القيم ليس قانونًا تفرضه الحكومات، بل هو نتاج ثقافة تنمو من الأسفل إلى الأعلى. ولعل الميزة الكبرى لمجتمعاتنا هي أن ثقافتنا الأصيلة تمنحنا رصيدًا هائلاً من «رأس المال الأخلاقي»، كإيماننا العميق بمفهوم «البركة». هذا الإيمان بأن المال المكتسب بصدق ينمو ويتسع أثره، هو جزء لا يتجزأ من ثقافتنا الاقتصادية، وهو أعظم حافز للتاجر الصغير وأقوى رادع للمحتال الكبير. ولكن يجب أن نكون على وعي، فهناك ثقافة مادية استهلاكية تتربص بنا، تأتينا في شكل إغراءات، لكنها في حقيقتها فيروسات دقيقة هدفها أن تفصل بين التجارة والأمانة، وبين الثروة والبركة، لتقنعنا بأن «الذكي» هو من يربح بأي ثمن. بالعودة إلى ميزاننا، قد تبدو كفة الربح السريع غير المشروع هي الأثقل في البداية، لكن هذا وزنٌ خادع ومؤقت. أما الربح الحقيقي، فوزنه يزداد مع الزمن، وهو يتمثل في اسمٍ لامع في السوق، وثقةٍ لا تهتز في قلوب الناس، وراحة بالٍ لا تقدر بثمن. إن السوق ليس ساحة منفصلة عن قيمنا، بل هو مرآتها الأكثر وضوحًا. فالسوق الذي يسوده الصدق والإحسان ليس مجرد سوقٍ مزدهر، بل هو علامة على مجتمعٍ صحي ومتوازن، والمحرك الحقيقي للتنمية الشاملة والمستدامة التي نصبو إليها، وصورة من صور «عمارة الأرض».

162

| 18 فبراير 2026

«تعهيد» التربية.. حين يُربينا «الغرباء» في عقر دارنا!

راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.

2064

| 12 فبراير 2026

هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.

807

| 04 فبراير 2026

«السنع».. ذكاؤنا العاطفي الذي لا يُدرّس في هارفارد

تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.

2319

| 28 يناير 2026

كنوزنا المتقاعدة.. كيف يداوي الأجداد جرح الهوية في مدارسنا؟

لا يختلف اثنان على أننا في دول الخليج نسعى بشغف لنمنح أبناءنا أفضل تعليم ممكن. ولهذا، أصبحت المدارس الأجنبية، بأنظمتها التعليمية ذات الكفاءة العالية، خيارًا للكثيرين ممن يقدرون على تكلفتها، ولا بأس في ذلك أبدًا. حين أرى أبناءنا في هذه الصروح، يتسابقون في التعلم ويمارسون الأنشطة بحيوية، يغمرني شعور بالفخر. ولكن، وبكل صدق، يتسلل إلى هذا الفخر شعور آخر بالقلق، شعور دفين بوجود غربة ما. أشعر بأن هذا الجيل يكبر وتتسع الفجوة بيني وبينه يومًا بعد يوم. فالتعليم، كما نعلم، ليس مجرد تلقين للمعلومات؛ إنه وعاءٌ ثقافي كامل. واللغة التي يتعلم بها أبناؤنا، والقصص التي يقرأونها، والتاريخ الذي يدرسونه، كلها تشكل وجدانهم وتصنع هويتهم. وهنا تحديدًا يتبدى التحدي الأكبر في تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية دون أن يكون ذلك على حساب جودة التعليم أو الانفتاح على العالم. ولكن، بدلًا من اللطم والبكاء على ما قد نفقد، ماذا لو بحثنا عن بلسمٍ شافٍ في قلب مجتمعاتنا؟ ماذا لو نظرنا إلى كنز مهمل، قادر على تضميد هذا الجرح، نسبيا، بحكمته وحنانه؟ تمتلئ مدننا وعواصمنا الخليجية، والحمد لله، بثروة حقيقية لا تقدر بثمن: جيل الآباء والأجداد الذين أنهوا مسيرتهم الوظيفية وآلت بهم الظروف إلى «التقاعد». هؤلاء ليسوا مجرد كبار في السن، بل هم «مكتبات حية» تمشي على الأرض. هم أهل حكمة وخبرة، وأصحاب هوية أصيلة لم تتلوث بضجيج العولمة. يمكن أن يكونوا ركيزة صلبة في مشروع تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية. الكثير منهم يجلس اليوم في بيته، يحمل في قلبه نفس الحزن الذي يحزنني، ويشاركونني ذات القلق على مستقبل ثقافتنا. هم يمتلكون القصة، والخبرة، والوقت، والأهم من ذلك، يمتلكون الحب الصادق والرغبة في العطاء. وهنا تكمن فكرتي المتواضعة، وهي دعوة صادقة أوجهها إلى ملاك المدارس الأجنبية والخاصة، ولا أزايد على حبهم لوطنهم وثقافتهم فهم من وجهاء مجتمعاتنا. الدعوة هي: افتحوا أبواب مدارسكم لكنوزنا المتقاعدة. واجعلوهم جزءًا حيًا من منظومة تعزيز الهوية الثقافية في المدارس الخليجية. لنتخيل معًا إنشاء برنامج منظم اسمه «مجلس الأجداد» أو «جسور الأجيال». برنامج يتم من خلاله دعوة هؤلاء الكبار، بطريقة منظمة ومُكرّمة، ليحضروا إلى المدارس بشكل دوري. لا ليلقوا محاضرات، بل ليجلسوا مع الأبناء والطلبة في حلقات دافئة، ويحكوا لهم عن هويتهم بطريقة تحببهم إليها. • يحكون لهم عن حياة البحر والصحراء قبل النفط. • يشرحون لهم معنى «السنع» وآداب الضيافة. • يروون لهم القصص والأمثال الشعبية التي تختزل حكمة السنين. • يعلمونهم ألعابًا قديمة، ويجيبون عن أسئلتهم بعفوية وحب. إن هذا اللقاء المباشر يفعل ما لا تستطيعه آلاف الكتب والمناهج. إنه ينقل الثقافة من كونها «معلومة» مجردة إلى «تجربة حية» دافئة. إن هذا المشروع ليس مجرد نشاط ثقافي، بل هو مشروع «تنموي» بامتياز، يحقق مكاسب لجميع الأطراف إنها دعوة لنعيد لكبارنا دورهم الطبيعي كحكماء للأمة ومعلمين لأجيالها. دعوتنا هي أن نستخدم بلسم الحكمة والحنان الذي يملكونه، لنضمد به جرح الهوية في قلوب أبنائنا، ولنبني جيلًا قوي الجذور، واثق الهوية، وقادرًا في نفس الوقت على التحليق في آفاق العالمية.

411

| 21 يناير 2026

حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر تلك «القرى التراثية» التي شيدناها مؤخراً. المشهد ساحر بلا شك. الجدران الطينية الملساء، الفوانيس المعلقة بدقة، ورائحة البخور التي تعبّق المكان المكيف. نلتقط الصور، ونشرب الشاي في أكواب «غضار»، ونشعر بزهوة الانتماء لهذا التاريخ العريق. ولكن، مهلاً.. هل هذا هو «التاريخ» حقاً؟ إن ما نعيشه اليوم في علاقتنا مع الماضي يضعنا أمام سؤال عميق عن التراث بين الاستهلاك والهوية؛ سؤال يكشف أن علاقتنا بالتراث أصبحت تشبه إلى حد كبير علاقتنا بـ «الأطعمة المعلبة». نأخذ منها ألذّ ما فيها، جاهزاً ونظيفاً، ونترك الباقي. لقد قمنا بـ «فلترة» الماضي؛ أخذنا جمال العمارة ودفء المجالس، وتركنا خلف الكواليس الحَر القاتل، والجوع الذي كان يقرص البطون، وتعب الغوص الذي أكل أجساد الأجداد، وقسوة الصحراء التي لا ترحم. نحن اليوم نعيش حالة من «النوستالجيا السياحية». لقد حولنا كفاح آبائنا وأجدادنا إلى «ديكور» جميل، وإلى خلفية مثالية لصورنا في «إنستغرام». وهنا يتجلى الخلل في فهم التراث بين الاستهلاك والهوية؛ أصبح التراث «سلعة» نشتريها، مكاناً نزوره لنقضي وقتاً ممتعاً، ثم نعود لبيوتنا المكيفة وسياراتنا الفارهة دون أن نحمل معنا شيئاً من روح ذلك الزمن. الخطر ليس في ترميم المباني، فحي على الفلاح من يحفظ ذاكرة المكان. الخطر الحقيقي هو أن نظن أن «التراث» هو الحجر، وننسى «البشر». التراث الحقيقي ليس في «البشت» الذي نلبسه في المناسبات فقط، ولا في «الدلّة» التي نضعها زينة في المجالس. التراث الحقيقي هو «القيم» التي جعلت أجدادنا يبنون هذه الحضارة من العدم، قبل أن يتفجر النفط تحت أقدامهم. تراثنا الحقيقي هو «الصبر» الجميل على الشدائد، وهو «القناعة» التي تجعل التمرة والماء وليمة. هو «الفزعة» التي لا تنتظر مقابلاً، و»الستر» على الجار، و»الكلمة» التي كانت عقداً ملزماً دون أوراق ومحامين. هو ذلك « السنع» الذي يزين النفس. هل نستطيع اليوم، ونحن في قمة حداثتنا، أن نعيد التوازن في معادلة التراث بين الاستهلاك والهوية؟ ونعيد هذه «القيم» لا «الأشكال» فقط؟ أن نكون «أصيلين» لا يعني أن نرفض التطور ونعود لبيوت الطين. بل يعني أن نعيش في أبراجنا الحديثة، ولكن بقلوب تحمل «سنع» الأولين. أن نربي أبناءنا على أن «المرجلة» ليست في السيارة الفارهة، ولا اعوجاج اللسان. بل في احترام الكبير وخدمة الضعيف، و»ذرابة» الكلمة، والعمل بجد واجتهاد. إن التنمية الثقافية الحقيقية ليست أن نبني متحفاً يضم أدوات الغوص، بل أن نبني جيلاً يملك «عزيمة» الغواصين، جيلاً لا ينكسر أمام أول موجة تغيير، ولا يضيع هويته في زحام العولمة. فلنحذر أن يتحول تاريخنا إلى مجرد «فلكلور» نتسلى به. تراثنا «روح» تسري فينا، وليس «ثوباً» نلبسه ثم نخلعه عند باب الخروج. لنعش تراثنا بأخلاقنا وسلوكنا اليومي، بدلاً من أن نكتفي بشرائه وتصويره.

624

| 14 يناير 2026

«الكشخة» ليست في السعر.. فخ الاستعراض الذي أهلكنا

امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.

1482

| 07 يناير 2026

بين «دلّة» المجلس و«لاتيه» المقهى: أين تذهب روحنا؟

أغمض عينيك للحظة وتخيل الرائحة. في المشهد الأول: عبق «العود « يمتزج برائحة «الهيل» الفواحة من دلّة صفراء لا تتوقف عن الدوران. أصوات الترحيب تتعالى: «يا هلا»، «مرحبا»، «حياكم الله». الأبواب مشرعة، والمكان يضج بالحياة وبأحاديث تمتد من حكمة الشيوخ إلى حماس الشباب. في المشهد الثاني: رائحة القهوة المحمصة بعناية، وصوت خافت لموسيقى الجاز أو هدوء المكيفات المركزية. الإضاءة خافتة ومدروسة، والديكور أنيق يشبه صور المجلات. الجميع يجلسون في حلقات صغيرة ومنفصلة، أو خلف شاشات أجهزتهم، والهدوء هو سيد الموقف. نحن نعيش اليوم هذا الانتقال الصامت والملموس؛ من دفء «المجلس» التقليدي إلى أناقة «المقاهي المختصة». وهذا ليس مجرد تغيير في «المكان»، بل هو تحول عميق في «الروح». في ثقافتنا، لم يكن المجلس مجرد غرفة لاستقبال الضيوف. كان «مدرسة». فيه يتعلم الصغير «السنع» وآداب الحديث قبل أن يتعلم الحروف. فيه تذوب الفوارق، فالكل يجلس في دائرة واحدة. والأهم من ذلك، كان المجلس يقوم على قيمة «الواجب» و»الوصل». أنت لا تذهب للمجلس لأنك «تشعر برغبة» في ذلك فقط، بل لأن هناك واجباً اجتماعياً، وحقاً للجار والقريب. أما اليوم، فقد صعد نجم «الفضاء الثالث»؛ المقهى الحديث. إنه مكان جميل، ومريح، ويقدم لنا «تجربة» استهلاكية مذهلة. لكنه مكان محكوم بقيم مختلفة تماماً. نحن نذهب إليه بحثاً عن «الجو» (The Vibe)، وعن «الخصوصية»، وعن صورة جميلة نشاركها في العالم الافتراضي. في المقهى، العلاقات «منسقة» و»مختارة». نجلس مع من يشبهنا فقط. وتتحول القهوة من «رمز للكرم» يُقدم لك بيمين المضيف، إلى «منتج» تشتريه لتدلل به نفسك. لا أحد يقول إن علينا مقاطعة المقاهي، فهي جزء من إيقاع عصرنا، ومساحة للتنفس والعمل. ولكن الخطر الحقيقي يكمن في أن نسمح لـ «اللاتيه و الفلات لايت» بأن يحل محل «الدلّة» في قلوبنا. الخطر هو أن نستبدل «علاقات الواجب» العميقة بـ «علاقات المزاج» العابرة. أن نكتفي بـ «البرستيج» وننسى «السنع». المجلس كان يعلمنا كيف نستمع لمن يخالفنا الرأي، وكيف نحترم الكبير، وكيف نتحمل مسؤولية الجماعة. المقهى يعلمنا كيف نستمتع بوقتنا الخاص، وكيف ننعزل بأناقة، و نعيش فرادى. وكانوا يقولون «المجالس مدارس». نحن بحاجة للاثنين معاً، ولكن بترتيب صحيح. لنستمتع بقهوتنا المختصة، ولنعش حداثتنا، لكن لا نجعلها تنسينا طريق المجلس. فالمقهى قد يمنحك «تعديل مزاج»، لكن المجلس هو الذي يمنحك «الجذور» و»الانتماء». وفي زمن العواصف، الجذور هي ما يبقينا واقفين.

231

| 31 ديسمبر 2025

حارس الذاكرة: حين يصبح «المعجم» مشروع تنمية وأمن قومي

في زحمة مشاريع البنية التحتية العملاقة، وبينما نرفع رؤوسنا لنطالع ناطحات السحاب التي تعانق الغيم، وبينما تضج الأخبار بصفقات الغاز والطاقة، مرّ علينا حدث جلل بهدوء الواثقين، حدث قد لا يُرى بالعين المجردة كالجسر أو الملعب، لكنه في ميزان الحضارات أثقل وأبقى. أتحدث عن اكتمال «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية». قد يتساءل البعض باستغراب: «معجم؟ هل نحن بحاجة لكتاب جديد يشرح معاني الكلمات؟ وهل هذا وقت المعاجم ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي؟». وهنا تكمن الإشكالية الكبرى في فهمنا لـ «التنمية». نحن نظن أن التنمية هي «الحجر» و»التقنية» فقط، ونسينا أن التنمية الحقيقية تبدأ من «الإنسان»، والإنسان لا يقوم إلا بـ «لسان» و»هوية». هذا المشروع ليس مجرد قاموس. إنه «أرشيف الأمة» وذاكرتها الحية. هو الذي يخبرنا كيف تطور عقلنا العربي عبر عشرين قرناً. هو الذي يمسك بيد الكلمة منذ ولادتها في الصحراء، ويتبع رحلتها وهي تبني الحضارة في بغداد والأندلس، وصولاً إلى عصرنا هذا. وفي زمن نشكو فيه -بمرارة- من «اللسان المكسر» لأبنائنا، ومن طغيان اللغة الإنجليزية في مدارسنا وجامعاتنا حتى كدنا نتحول إلى «مسخ» ثقافي لا لون له؛ يأتي هذا المشروع كـ «وتد» يثبت الخيمة قبل أن تقتلعها رياح العولمة. لقد كتبنا سابقاً ونزفنا ألماً على جيل يدرس العلوم والطب والهندسة بلسان غيره، معتقداً أن «العربية» لغة شعر وأدب فقط، وليست لغة علم وحضارة. وكنا نسمع الحجة المكررة: «العربية لا تواكب». اليوم، يأتي هذا المعجم التاريخي ليرد بالبرهان الساطع: هذه لغة وسعت علوم الأولين والآخرين، لغة كانت وعاءً لـ «الجبر» و»الفلك» و»الطب» حين كان العالم يغرق في الظلام. فالعيب ليس فيها، العيب فينا نحن الذين هجرناها. إن أهمية هذا المشروع تتجاوز «اللغة» لتصب في صلب «منظومة القيم» التي نخشى عليها من الاندثار. كيف سنفهم معنى «المروءة» إذا فقدنا جذر الكلمة؟ وكيف سنشرح لأحفادنا معنى «الفزعة» و»النجدة» و»الإيثار» إذا انقطع الحبل السري الذي يربطهم بتاريخ هذه المفردات؟ اللغة هي «وعاء القيم». إذا انكسر الوعاء، انسكبت القيم وضاعت. والمجتمع الذي يفقد لغته، يفقد بالضرورة منظومته الأخلاقية، ويصبح مجرد «سوق» استهلاكي بلا روح، يستورد قيمه كما يستورد بضائعه. إن الأمم الحية لا تنهض بتقليد غيرها. انظروا للصين، لليابان، لكوريا.. هل تخلوا عن لغتهم وتاريخهم ليصعدوا للقمر أو ليصنعوا الرقائق الإلكترونية؟ كلا. لقد جعلوا لغتهم «أساس» التنمية، وبنوا نهضتهم على جذورهم الخاصة. فما من أمة هجرت تاريخها وتنكرت للسانها إلا وأصبحت تابعة، ذليلة، ومسوخاً مشوهة لا هي بقيت على أصالتها، ولا هي لحقت بركب غيرها. لذلك، فإن الاحتفاء بهذا الإنجاز المعرفي الأصيل هو واجب وطني. نحن بحاجة لأن نكثر من هذه المشاريع «النوعية» التي تستثمر في «العقل» و»الهوية». نحتاج أن نقول «شكراً» بحجم السماء لكل من سهر وبذل ودعم هذا الصرح العظيم. فهذا هو «الاستثمار» الذي لا يخسر أبداً. هذا المعجم رسالة مبطنة لكل مسؤول عن التعليم والتخطيط: «الأرضية صلبة، والتراث عظيم، واللغة قادرة.. فلا عذر لكم في التغريب». عودوا إلى لسانكم، تعود لكم عزتكم. فالمستقبل لا يبنيه من يقطع جذوره، بل يبنيه من يضرب بها في أعماق الأرض، ليطاول برأسه عنان السماء. هنيئاً لنا بـ «دوحة» تحرس «الضاد»، وهنيئاً للعربية بحراسها. أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

162

| 24 ديسمبر 2025

كيف نصنع التوازن في مجتمعنا.. أربع ركائز لا غنى عنها

لكل مجتمع عقد اجتماعي، وهو اتفاق ضمني غير مكتوب يحدد علاقة الفرد بالمجتمع والدولة. في مجتمعاتنا، قامت عقودنا السابقة على أسس مثل الدولة الراعية التي توفر الرزق والأمان مقابل الولاء والانتماء. لكن تحديات القرن الواحد والعشرين، من عولمة ثقافية، وثورات تقنية، وأزمات بيئية، جعلت هذه العقود القديمة غير كافية لمواجهة تعقيدات الحاضر والمستقبل. لقد حان الوقت لنفكر بوعي في صياغة عقد اجتماعي جديد، لا يلغي ما قبله، بل يبني عليه ويتجاوزه. عقد لا نكون فيه مجرد متلقين، بل مشاركين فاعلين في صناعته. ولا يمكن لأي تنمية أن تكون مستدامة إذا بُنيت على أساس ثقافي هش أو مستورد. أساس عقدنا الجديد يجب أن يكون ثقافتنا الأصيلة بعد تفعيلها وتنشيطها لمواجهة تحديات العصر. وهذا العقد الاجتماعي الجديد له أعمدة رئيسية استعرضناها في رحلتنا: •عمود المبادرة الفردية: ينتقل فيه الفرد من دور الشاكي السلبي إلى دور المبادر الفاعل، مدركًا أنه "راعٍ" ومسؤول في دائرته. •عمود التكافل المجتمعي: تتطور فيه الفزعة العفوية لتصبح عملاً مؤسسيًا منظمًا، يشارك فيه الرجل والمرأة في نسج شبكات الأمان الاجتماعي. •عمود الضمير الاقتصادي: يتحول فيه السوق من ساحة للمنافسة الشرسة إلى فضاء لـ “اقتصاد الإحسان"، حيث إن البركة والسمعة الطيبة هما رأس المال الحقيقي في ظل العقد الاجتماعي الجديد. •عمود الثقة المتبادلة: تُبنى فيه العلاقة بين المؤسسات والمجتمع على الشورى والوضوح وحفظ الكرامة، فتصبح المشاريع مشروعنا جميعًا. هذه الأعمدة الثقافية هي التربة الخصبة التي إن صلحت صلح كل ما يُبنى فوقها. هذا العقد العظيم ليس مهمة شخص واحد أو جهة واحدة. إنه مسؤولية تكاملية، يشارك في صناعتها كل فرد في المجتمع. خاتمة: صناعة لا تنتهي في الختام، ندرك أن التوازن الذي يسعى إليه العقد الاجتماعي ليس حالة نهائية نصل إليها ثم نرتاح. بل هو جهد يومي دؤوب يتطلب وعيًا وصبرًا وحكمة، تمامًا كالصانع الماهر الذي يظل يراقب ميزانه ويعدّل أوزانه مع كل تغيير يطرأ. لقد وهبنا الله ثقافة غنية وقيمًا خالدة، ومنحنا القدرة على الاختيار والفعل. المستقبل ليس قدرًا محتومًا ينتظرنا، بل هو بناء نصنعه بأيدينا اليوم. وهذا العقد الاجتماعي، الذي ثقافته أساسه وتنميته بنيانه، هو دعوتنا المفتوحة لنكون جميعًا، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيبًا، صنّاعًا ماهرين لمستقبل أكثر توازنًا وعدلًا وجمالًا. مستقبل يشبهنا، ونفخر بأن نورثه لمن سيأتي بعدنا.

303

| 16 ديسمبر 2025

alsharq
كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...

2892

| 01 مارس 2026

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

2853

| 27 فبراير 2026

alsharq
حين جار الجار

في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...

1530

| 04 مارس 2026

alsharq
لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...

1041

| 04 مارس 2026

alsharq
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية

-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...

888

| 02 مارس 2026

alsharq
رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...

846

| 27 فبراير 2026

alsharq
العدوان الإيراني يظهر كفاءة عالية لمنظومتنا الدفاعية

-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...

828

| 01 مارس 2026

alsharq
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...

807

| 02 مارس 2026

alsharq
المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي

انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...

663

| 02 مارس 2026

alsharq
العقول قبل الألقاب

في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...

609

| 05 مارس 2026

alsharq
رسالة إلى الوزير الصالح

رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...

579

| 05 مارس 2026

alsharq
من المستفيد.. ومن الضحية؟!

اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...

579

| 01 مارس 2026

أخبار محلية