رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل عام يعود الحج ليوقظ في القلب معاني التجرّد والمساواة والخضوع لله. لباسٌ واحد، ونداءٌ واحد، ووجهةٌ واحدة، وملايين يقفون في عرفة لا تميّز بينهم الألقابُ ولا الثرواتُ ولا الجنسيات. غير أن الفضاء الرقمي، خصوصًا في منصّاتنا الخليجية، صار يضيف إلى صورة الحج طبقةً جديدة: الفنادق، والباقات، والمخيمات، والبوفيهات، والقرب من الحرم، والخدمات «المميّزة». وليست الرفاهية في الحج مذمومةً في ذاتها. فالتيسير مقصدٌ شرعي، وخدمة ضيوف الرحمن شرفٌ عظيم، والعناية بكبار السن والمرضى ضرورةٌ إنسانية لا ترف. وما حقّقته المملكة في تنظيم الحشود والخدمات والصحة إنجازٌ يستحق التقدير. لكن السؤال الأعمق ليس عن وجود الخدمة، بل عن طريقة عرضها: متى تتحوّل الراحة من وسيلةٍ للعبادة إلى موضوعٍ للتفاخر؟ ولا بدّ هنا من يقظة؛ فالترف داءٌ هزم الأمم، وقد ذمّه الخطاب الإسلامي في مواطن كثيرة. وهو لا يأتي فجأة، بل يتدرّج في انسلاله إلى الحياة خطوةً خطوةً. وفي قوله تعالى «ولا تتّبعوا خطوات الشيطان» إشارةٌ بليغة؛ فالنهي لم يكن عن اتّباع الشيطان فحسب، بل عن اتّباع «خطواته»، تنبيهًا إلى أن الانزلاق يبدأ صغيرًا متدرّجًا. ولعلّ ثقافة الاستعراض في الحج إحدى تلك الخطوات الهادئة. لم يعد بعض ما يُنشر عن الحج يكتفي بتوثيق الطواف والتلبية والدعاء، بل صار يعرض مستوى الفندق، ونوع الطعام، وشكل المخيم، والإطلالة؛ مقاطعُ تبدأ من الغرفة فالبوفيه فالحافلة، وكأن المشاهد أمام مراجعةٍ سياحية لا أمام رحلةٍ إلى ركنٍ جعله الله على من استطاع، لِما فيه من مشقّةٍ لم يذكرها في سائر الأركان. ولسنا نتحدث عن كل الحجاج ولا كل الحملات؛ فهناك محتوى عظيم يشرح المناسك ويذكّر بفضل عرفة. لكن بجانبه يظهر نمطٌ يحوّل الحج إلى مساحةٍ للتميّز الاجتماعي: مَن يسكن أقرب؟ ومَن ينال خدمةً أرقى؟ ومَن يذهب في حملةٍ أكثر خصوصية؟ والمنصّة لا تنقل الواقع فحسب، بل تُعيد تشكيله؛ فهي تكافئ ما يُرى ويُقاس ويُصوَّر: الفندق يُصوَّر، والطعام يُصوَّر، أما الخشوع فلا يُلتقط في لقطة، والتوبة لا تظهر في مقطعٍ سريع، والانكسار بين يدي الله لا يصير محتوًى جذابًا. لذلك يبدو الحج أحيانًا أكثر رفاهيةً مما هو روحانية؛ لا لأن الروح غابت، بل لأن المنصة تكافئ المرئيّ القابل للمقارنة. وهكذا ننتقل من «الحج نسكًا» إلى «الحج تجربة»، وتدخل لغة السوق المجال الديني بمفرداتها: باقة، وفاخر، وخاص، وخمس نجوم. وهنا تكمن الحقيقة الأعمق: إن الوصول إلى معنى العبادة يحتاج تخفّفًا من الدنيا واستغراقًا في العبودية لله. والحج موسمٌ وفرصةٌ نرجو فيها التطهّر من الذنوب حتى يعود المرء أبيض ناصعًا كيوم ولدته أمه؛ وهذا الموقف يستدعي تجرّدًا روحانيًا لا ثقلًا ماديًا. فكيف نطلب نقاء القلب ونحن نُثقله بحساب الباقات والامتيازات؟ والمفارقة أن الحج نفسه يحمل الدواء: فالإحرام يُلغي الزينة، والتلبية تُلغي الأنا، والزحام يذكّرك بأنك واحدٌ بين ملايين، وعرفة تُعيد ترتيب الأولويات؛ فلا قيمة للفندق حين تقف طالبًا المغفرة، ولا معنى للامتياز حين يتساوى الناس في الرجاء والخوف والنداء. ولا ينبغي أن نبالغ في الإدانة؛ فمن يصوّر فندقه ليس متفاخرًا بالضرورة، وقد يكون ممتنًّا أو ناصحًا. لكن المطلوب وعيٌ أخلاقي: كيف نعرض الخدمة دون أن نقتل المعنى؟ وكيف نشكر النعمة دون أن نستعرضها؟ ربما نحتاج إلى «أدبٍ للنشر في الحج» يذكّرنا بأن لكل شعيرةٍ روحًا، وأن الصورة قد تخدم المعنى أو تحجبه. وتبقى المسألة الأكبر أبعد من الحج وحده؛ فما نقوله ليس منفصلًا عن سيلٍ من الترف انساب في مساحةٍ واسعة من حياتنا: في بيوتنا وموائدنا وأسفارنا، حتى صار الاستعراض عادةً، والانسياق وراء الأفخم طبعًا لا نكاد نشعر به. فلسنا نلوم الراحة في الحج لذاتها، بل لأنها صورةٌ مصغّرة من صورةٍ أكبر تغشى المجتمع، والحج بصفائه مرآةٌ تكشف هذا الانسياق أكثر مما تصنعه. والترف لا يقتحم فجأة، بل يأخذنا خطوةً تتبع خطوة حتى ننسى أن الراحة وسيلةٌ لا غاية، وأن الخدمة طريقٌ إلى العبادة لا بديلٌ عنها. سيظلّ الحج رحلةً إلى الله مهما أحاطت به الباقات والمنصات، لكن أغلى ما يعود به الحاج ليس صورةً من فندقٍ قريب، بل قلبٌ عاد أخفّ، وأنقى، وأقرب إلى الله؛ قلبٌ نجا من الانسياق، وعاد كما يُراد له أن يعود.
591
| 02 يونيو 2026
تلقيت دعوة كريمة لحضور إحدى جلسات مجلس الشورى القطري، وكانت هذه زيارتي الأولى إلى قبة المجلس. وقد خرجتُ منها بانطباعات أحببت أن أدونها، لا على سبيل التقريظ، وإنما من باب الشهادة على ما رأيت. المكان والمعنى استوقفني جمال قاعة المجلس وانسجامها مع روح العمارة الخليجية والقطرية. ثمة ارتياح بصري ينساب على الحاضر، وهيبة هادئة تُذكر بأن المكان وعاء لمعنى. ولعلي أتمنى لو امتدت القاعة في طولها وسعتها قليلًا؛ فالامتداد المعماري -كما نلمسه في المساجد الكبيرة- يُولد إحساسًا روحانيًا أعمق، إذ يتسع الأفق البصري فيتسع معه الشعور، ويتحول الفضاء نفسه إلى رسالة قبل أن ينطق فيه أحد. ومن مفردات المكان أيضًا الزي الوطني الذي حافظ عليه الأعضاء، فاللباس وإن تغير في أصله، إلا أن استمساك المؤسسة به يبعث رسالة بليغة: أن للهوية والتراث مكانًا محفوظًا في قلب المؤسسات الحديثة. كذلك حضور التكنولوجيا الهادئ؛ فهي موجودة، لكنها مخفية، لا تُزاحم الإنسان ولا تطغى على المشهد. اللغة وأدب الحوار مما أسعدني استخدامُ الفصحى في جميع المداخلات؛ فالعربية لم تكن لغة مراسم، بل لسانًا تخاطبيًا حيًا، وهذا أمر يُحسب لأعضاء المجلس ولثقافة العمل فيه. وقد تجلى الأدب العام في حفاوة الاستقبال، وفي الانضباط بالوقت والجدية الهادئة في النقاش. وقد يظن بعضهم أن المؤسسات التمثيلية لا بد أن تقوم على الاحتدام، غير أن هذا الانسجام -في تقديري- يعكس عمق الهوية المشتركة، والثقافة الجماعية، لا غياب الرأي. ومن الفضائل الأدبية التي لفتتني، أن سعادة الرئيس حسن بن عبدالله الغانم كان يُعقب على كل متحدث بشكر هادئ، ذاكرًا اسمه الثلاثي كاملًا، دون استعجال ولا إخلال. وهي عادة صغيرة في ظاهرها، عميقة في أثرها؛ ففيها تكريم للعضو في شخصه، ولوالده وعائلته في انتسابه، ودرس في إدارة الحوار، حيث يشعر المتحدث بأن كلمته وصلت وقُدرت. وقد طالت الجلسة وتعددت المداخلات، فما رأيتُ هذا الأدب يتراجع ولا يفتر. أما النظام داخل الجلسة فسهل ممتنع: صارم في جوهره، ناعم في إيقاعه. الأندية الرياضية.. من الإضافة إلى التحويل ناقش المجلس تقرير لجنة شؤون التعليم والثقافة والرياضة والإعلام بشأن تعزيز الدور الاجتماعي والثقافي والقيمي للأندية الرياضية. وجاء التقرير في موضوع بالغ الأهمية، بتحليل جيد ومقترحات موفقة، ولمست في مداخلات الأعضاء حرصًا واضحًا على الهوية والقيم، وكان لسعادة الأخت د. حمدة بنت حسن السليطي، نائب الرئيس، و"وتد المجلس"، أكثر من مداخلة عبرت فيها صراحةً عن أولوية البعد القيمي. وأود -من باب الإضافة لا المراجعة- أن أسجل ملاحظتين: أولاهما، أن النزول إلى المستفيد نفسه (الشباب، الأسر، المدربين، المدارس القريبة من النادي) يمنح الدراسة وضوحًا لا يبلغه الاكتفاء بآراء المسؤولين والمختصين. وثانيتهما، أن السؤال الأدق ربما لا يكون: ماذا نُضيف إلى الأندية من فعاليات؟ بل: كيف نُحول النادي إلى نظام تشغيلي مجتمعي متكامل، له هيكل واضح ومؤشرات قياسٍ حقيقية؟ فالنادي ليس ملعبًا فحسب، بل فضاءٌ يملك المكان، والثقة، والانتماء المحلي، والقدرة على الوصول إلى الشباب والأسرة بصورة قد لا تتوافر بسهولة لمؤسسات أخرى. ولعل المدخل العملي أن يُجرب نموذج محدود في عدد مختار من الأندية، يُقاس أثره لا بعدد الفعاليات، بل بانتظام الحضور، ورضا الأسر، وساعات التطوع، وعدد المبادرات التي يقودها الشباب أنفسهم. انطباع ختامي خرجت من الجلسة مستشعرًا عمق المسؤولية الملقاة على هذه المؤسسة، وثقل الواجب الذي تحمله؛ فالموضوعات متشعبة، والتحديات متلاحقة، خاصةً في عصر العولمة وسيولة الثقافة، حيث يصبح التشريع نقطة البداية لا منتهى الطريق. ولعل ما يطمئن المتأمل في المشهد، أن في القاعة من يحمل هذا الهم بصدق، ويتعامل مع الهوية لا بوصفها شعارًا يُرفع، بل بوصفها أمانة تستوجب صياغة مستمرة.
435
| 26 مايو 2026
تخيل معي هذا المشهد: أنت جالس في مجلس، وأخطأت في معلومة، أو زل لسانك بكلمة. في زمن «السنع» القديم، كان الرجل الحكيم ينتظر حتى ينفض المجلس، أو يهمس في أذنك بستر ولطف: «يا فلان.. الكلمة اللي قلتها ما كانت بمحلها، وأنا أخوك». ستشعر بالامتنان، وتكبر في عينك مكانته، لأنه «شراك» (أي اشتراك بستر عيبك) ولم يبعك للفُرجة. اليوم.. انتقل المجلس إلى «تويتر» (أو إكس)، وانتقلنا معه، لكننا نسينا «أدب الهمس» عند الباب. تخطئ اليوم، فتجد «الناصح» لا يأتيك على الخاص، بل يختار خيار «اقتباس التغريدة» ليكتب نصيحته أمام الملايين! هو لا يخاطبك أنت، هو يخاطب «الجمهور». هو يستخدم خطأك كـ «منصة» ليصعد عليها، ويستعرض عضلاته الثقافية، وأخلاقه العالية، وغيرته على الدين أو الوطن. رسالته الظاهرة: «أنا أنصحك لوجه الله». ورسالته الباطنة: «شوفوني يا ناس.. أنا أفهم منه، وأصلح منه!». لقد تحولت «النصيحة» من هدية مغلفة بالستر، إلى «صفعة» علنية. وفي تراثنا، قيل: «من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه». المشكلة في «نصيحة العلن» أنها تستفز «شيطان العزة» في النفس. حتى لو كنتَ مخطئاً 100 %، فإن كرامتك ستجبرك على الدفاع عن نفسك، وربما العناد، لأنك تشعر أنك في «حلبة مصارعة» ولست في «عيادة طبيب». نحن بحاجة اليوم لأن نهدأ قليلاً. قبل أن نكتب التعليق اللاذع، أو الرد «المفحم» أمام المتابعين.. اسأل نفسك بصدق: هل تريد لهذا الإنسان أن ينصلح حاله فعلاً؟ إذا كان الجواب نعم، فـ «الخاص» مفتوح، والهاتف موجود. الكلمة الطيبة في السر تفعل فعل السحر، لأنها تخاطب «القلب» مباشرة دون حواجز «الكبرياء». أما إذا كان هدفك هو «اللايكات» وتصفيق الجمهور، فاكتب ما شئت.. ولكن لا تسمها «نصيحة»، بل سمها «استعراضاً» على حساب كرامة الآخرين. فالنصيحة التي تفضح، لا تختلف كثيراً عن الطعنة، إلا في كونها لا تسيل دماً، بل تريق ماء الوجه.
423
| 20 مايو 2026
تُنفق الحكومات والمؤسسات الكبرى مبالغ طائلة على الاستشارات الإدارية في الخليج، ثم تجد نفسها أمام تقارير مُحكمة الإخراج، خفيفة الأثر. ليس لأن الاستشاريين عديمو الكفاءة، بل لأن ثمة فجوة هيكلية وثقافية عميقة لم تُعالَج بعد. الشركات الكبرى لا تتشابه في طريقة تفكيرها. ماكنزي تعمل باستنباط مسبق — تبني فرضيتها قبل أن تجمع البيانات، ثم تستخدم البيانات لإثباتها. في السياق الاستشارات الإدارية في الخليج، هذا يترجم إلى بيع "اليقين": الوزير لا يشتري حلاً بقدر ما يشتري ختم ماكنزي الذي يوحي بأن أذكى عقول العالم قد بتّت في المسألة. مجموعة بوسطن جروب BCG في المقابل تبيع "طريقة التفكير" لا الحل ذاته، وهو ما يجعلها أكثر تغلغلاً عبر الزمن. أما رولاند بيرجر فتلعب ورقة "الحياد الأوروبي" في القطاعات السيادية الحساسة التي تتحاشى الاعتماد الكلي على الشركات الأمريكية. هذه الفلسفات المختلفة ليست خلفيات أكاديمية - هي أدوات تسويقية تُخاطب نفسية صانع القرار، وكثيراً ما تُنتج حلولاً تعكس ما تؤمن به الشركة أكثر مما يحتاجه العميل. وهي إشكالية بارزة في الاستشارات الإدارية في الخليج. المشكلة الأعمق تكمن في ما يمكن تسميته "العمى السياقي". حين تأتي إحدى هذه الشركات بخطة لإصلاح قطاع التعليم أو الصحة، تبني خططها على افتراض وجود بيروقراطية عقلانية مشابهة لما في الدول المتقدمة. لكن الواقع مختلف جذرياً؛ الهيكل التنظيمي الرسمي غالباً ما يكون واجهة، فيما تكمن السلطة الحقيقية في الشبكات غير الرسمية والعلاقات الشخصية. النتيجة: مشاريع تبدو مثالية على الورق تصطدم بجدار الجمود البيروقراطي بمجرد خروج المستشارين من الغرفة، وهو ما يفسر تعثر كثير من مشاريع الاستشارات الإدارية في الخليج. يُضاف إلى ذلك البُعد الثقافي الذي تكشفه الدراسات الأكاديمية المتخصصة: ثقافة "بُعد السلطة" تدفع الاستشاري — بوعي أو بغيره — نحو إرضاء صاحب القرار لا تقديم التشخيص الحقيقي. التقرير النهائي يعكس ما أراد المدير سماعه، والخسارة الحقيقية لن تظهر إلا بعد سنوات. أما المعمار والتخطيط العمراني فمثال صارخ على هذا الخلل — حين يُصمَّم الفضاء وفق رؤية غربية لمجتمع فردي مفتوح، دون مراعاة قيم مجتمع محافظ يُعلي من الخصوصية والتجمّع العائلي، لا تُنتج المباني إلا فراغاً اجتماعياً. الشركات المحلية الناجحة أدركت مبكراً أن الفجوة الحقيقية ليست لغوية، بل إدراكية. الشركات الكبرى تتحدث لغة مؤشرات الأداء والتآزر والتحسين، بينما يتحدث الموظف الحكومي لغة الصلاحيات والميزانية وتجنب المخاطرة. ما ينقص ليس ترجمة شرائح العرض، بل ترجمة المنطق ذاته. هنا تكمن قيمة وحدة الوساطة الداخلية Intelligent Client Unit (ICU) — كيان متخصص داخل المؤسسة مهمته: تحويل احتياج المؤسسة إلى طلب استشاري واضح، واختيار الاستشاري الأنسب منهجياً وثقافياً لا الأرخص، وتقييم المخرجات بمعايير موضوعية بعيداً عن إرضاء القيادة، وضبط حدود المعلومات التي تُتاح حمايةً للمؤسسة من خطر الانكشاف المعلوماتي. ولعل هذه الوحدة تكون مركزية في مجلس الوزراء لتقديم الخدمة لكل الوزارات. بما يعزز كفاءة الاستشارات الإدارية في الخليج. الإمارات سبقت إلى هذا عبر مركز الإمارات للمعرفة والاستشارات، وشركات عالمية كبرى من IBM إلى Maersk بنت وحدات مماثلة تُثبت يومياً جدواها. النموذج موجود، والحاجة ماسّة. الاستشارة بلا وسيط يفهم السياق المحلي هي رهان مكشوف. والفارق بين مشروع يُغيّر الواقع ومشروع يُزيّن الرفوف ليس في ميزانية الاستشارة — بل في وجود من يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح قبل أن يُقدَّم أي جواب.
405
| 12 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم، ورأى ما نحن فيه من نعيم، لظن أننا نعيش في الجنة. مكيفات تحيل الصيف ربيعاً، وثلاجات ممتلئة بأصناف الطعام من مشرق الأرض ومغربها، وسيارات فارهة، وخدم، وسفر. نملك في جيوبنا أجهزة صغيرة توصلنا بالعالم، ونطلب العشاء بلمسة زر ليأتينا إلى باب البيت. نحن نعيش اليوم ذروة ما يمكن تسميته بـ ثقافة الاستهلاك، حيث أصبحت الوفرة أسلوب حياة لا استثناء. بالمقاييس المادية، نحن "أسعد" جيل مر على تاريخ المنطقة. ولكن، بالمقاييس النفسية، هل نحن فعلاً سعداء؟ المفارقة العجيبة والمؤلمة هي أننا جيل "الوفرة"، ومع ذلك نحن أكثر جيل يشتكي من "الضيق"، و"القلق"، و"الاكتئاب". عياداتنا النفسية مزدحمة، وأطباؤنا يرشحون لنا مضادات الاكتئاب أكثر من البندول. بينما كان الجد، الذي عاش على التمر والماء، وكان ينام على الحصير، يملك "راحة بال" وسكينة لو وزعت على أهل مدينة لوسعتهم. ما الذي حدث؟ أين الخلل؟ الخلل يكمن في أننا خلطنا بين "الشبع" و"التخمة". وهو خلط غذّته ثقافة الاستهلاك التي تحيط بنا من كل اتجاه. أجدادنا كانوا يأكلون ليشبعوا، ونحن نأكل لنتسلى. كانوا يشترون الثوب ليسترهم، ونحن نشتري لنتباهى. كانوا يسعون لـ "الرزق"، ونحن نركض خلف "المزيد"، مدفوعين بإيقاع متسارع تفرضه ثقافة الاستهلاك. لقد فقدنا فضيلة "القناعة". والقناعة ليست أن ترضى بالفقر أو الذل، القناعة هي "ذكاء الروح"، هي أن تملك الدنيا في يدك، ولا تجعلها تدخل قلبك، هي أن تستمتع بالنعم العظيمة التي تحيط بك، بدلاً من أن تنشغل طوال الوقت بالتفكير فيما ينقصك. مشكلتنا اليوم أننا مصابون بمرض "التخمة الروحية" وهي أحد أخطر نتائج ثقافة الاستهلاك.. نحن "متخمون" بالصور، وبالمعلومات، وبالمقارنات، وبالرغبات والمشتريات التي لا تنتهي. الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي تهمس في آذاننا 24 ساعة: "أنت لست سعيداً.. ينقصك هذا الهاتف الجديد.. تنقصك هذه السفرة.. ينقصك جسم مثالي..". أدخلونا في سباق مجنون اسمه "سباق الفئران"؛ نركض، ونشتري، ونستهلك، ونظن أن السعادة تنتظرنا في المحطة القادمة، وحين نصل، نجد أن السراب قد انتقل للمحطة التي تليها. لقد نسينا طعم الأشياء البسيطة. لم نعد نستمتع بـ "كوب شاي" في وقت العصر، لأننا مشغولون بتصويره. لم نعد نشعر ببركة "اللمّة" العائلية، لأننا مشغولون بمقارنة حياتنا بحياة المشاهير. نحن بحاجة اليوم لـ "حمية" (Diet) قاسية. ليس حمية عن الطعام، بل حمية عن "الرغبات المزيفة" التي تروّج لها ثقافة الاستهلاك. نحن بحاجة لأن نتوقف عن الجري قليلاً، وننظر لما في أيدينا، ونقول من أعماق قلوبنا: "الحمد لله". السعادة، يا سادة، ليست سلعة مستوردة تطلبها من "أمازون"، السعادة قرار داخلي، هي أن تدرك أنك "شبعان" بفضل الله، وأن ما عندك يكفيك ويزيد. أما "التخمة" في المقتنيات والرغبات، فهي لا تورث إلا الثقل، وضيق النفس، وحرقة القلب على ما فات. فلتكن جيوبكم ممتلئة، لا بأس.. ولكن لنجعل قلوبنا "ممتلئة" بالرضا أولاً. فمن ملأ الرضا قلبه، كان أغنى الناس، ولو لم يملك إلا قوت يومه.
867
| 05 مايو 2026
يتصل المواطن بالوزارة فيُحال إلى جهة أخرى، يتصل بتلك الجهة فيُحال إلى ثالثة، وفي نهاية المطاف يصل إلى طريق مسدود والمشكلة لا تزال قائمة. هذا المشهد ليس استثناءً في الخدمات الحكومية في قطر، بل بات نمطاً مألوفاً يعانيه المواطن والمقيم على حدٍّ سواء. الخلل ليس في غياب الإرادة، ولا في شح الموارد، قطر تمتلك من الإمكانات ما يكفي لتقديم خدمات تُنافس أرقى دول العالم، الخلل بنيوي: لا توجد جهة مستقلة ومحايدة تقف بين المواطن والجهاز الحكومي، تسمع وتُلزم وتُتابع. مفهومان مختلفان... وقطر تحتاج كليهما في النقاش المتخصص يُفرَّق عادةً بين نموذجين: الأول هو Regulator أو الجهة التنظيمية، وهي هيئة تضع معايير الأداء وتُطبّقها على القطاع بأسره قبل أن تقع المشكلة — نموذج استباقي بامتياز. والثاني هو Ombudsman أو المدافع العام، وهو جهة تتلقى شكاوى الأفراد وتُنصفهم بعد أن تسوء الأمور — نموذج تفاعلي يُعالج الضرر الواقع. كثيرون يخلطون بين المفهومين، وهذا مفهوم، إذ يتكاملان في الغاية ذاتها. لكن الأجدى لتطوير الخدمات الحكومية في قطر اليوم ليس الاختيار بينهما، بل اعتماد النموذج المُركّب الذي يجمعهما في منظومة واحدة: Ombudsman يُنصف المواطن فوراً، وRegulator يمنع تكرار المشكلة مستقبلاً. التجربة موجودة ولا داعي لاختراع العجلة هذا النموذج المُركّب ليس ترفاً فكرياً، بل واقع مُطبَّق. بريطانيا تعتمده منذ عقود؛ Parliamentary Ombudsman لشكاوى المواطنين، وهيئات تنظيمية متخصصة كـ OFWAT للمياه وOFGEM للطاقة. كذلك سلطنة عُمان التي بدأت بمكتب Ombudsman ثم طوّرت هيئة تنظيم الخدمات العامة لاحقاً، فأثبتت فاعلية ملموسة في قطاعَي الكهرباء والمياه. الأذكى في التطبيق أن تبدأ قطر بالـ Ombudsman، لأنه أسرع في البناء، وأوضح للمواطن، وأقل تعقيداً من الناحية التشريعية. ثم تنضج تدريجياً نحو الهيئة التنظيمية القطاعية حين تتراكم البيانات وتتضح أنماط الخلل. بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الحكومية في قطر. أين تبدأ قطر؟ المنطق يقتضي البدء بالقطاعات الأكثر تأثيراً في الحياة اليومية: الكهرباء والمياه، والبنية التحتية والبلديات، والخدمات الصحية. وبما أن أكثر من ثلاثة أرباع سكان قطر من المقيمين الأجانب الذين لا يملكون قنوات تأثير تقليدية، تُصبح هذه المنظومة ضرورة اجتماعية قبل أن تكون خياراً إداريا لتحسين الخدمات الحكومية في قطر. أبسط ما يمكن أن تبدأ به: منصة رقمية موحدة تستقبل جميع الشكاوى، تُوزّعها على الجهات المختصة، وتُتابعها علناً حتى الإغلاق. البنية الرقمية لقطر — من Metrash وما بعده — تجعل هذا ممكناً اليوم قبل الغد. الفرق بين دولة تُقدّم خدمات جيدة ودولة تُقدّم خدمات استثنائية ليس في الميزانية، بل في وجود من يحرص على أن تصل هذه الخدمات كما وُعد بها. تطوير الخدمات الحكومية في قطر لا يكتمل دون وجود جهة تُنصف المواطن وتمنع تكرار الخلل. الهيئة التنظيمية والمدافع العام معاً ليسا نقداً لما هو قائم، بل هما الخطوة المنطقية التالية نحو دولة تليق بمكانة قطر وطموح قيادتها.
756
| 28 أبريل 2026
في ذاكرة مجتمعنا الخليجي، هناك صورة نمطية جميلة للقائد أو الوجيه أو كبير العائلة. ليست صورته وهو يجلس على كرسي فخم، بل صورته وهو يجلس في "صدر المجلس"، والباب الخشبي الكبير مشرعٌ على مصراعيه، ودلال القهوة مصفوفة على النار. كانت هذه الصورة تجسيداً حقيقياً لما يُعرف اليوم بـ سياسة الباب المفتوح في الإدارة، حيث لم يكن الوصول إلى المسؤول ترفاً بل حقاً اجتماعياً أصيلاً. لم يكن هناك "حارس أمن" عند البوابة يسألك عن هويتك. لم يكن هناك "مدير مكتب" يسألك: "هل عندك موعد؟". لم تكن هناك حواجز زجاجية، ولا بطاقات ممغنطة. كان "الوصول" متاحاً للجميع. يدخل الغني والفقير، صاحب الحاجة وعابر السبيل. كان المعيار الوحيد للدخول هو أن تلقي السلام، وتأخذ مكانك في المجلس، وتشرب فنجانك، ثم تطرح موضوعك. كانت "سياسة الباب المفتوح" هذه ليست مجرد فوضى أو قلة تنظيم كما قد يظن البعض اليوم. بل كانت رسالة سياسية واجتماعية عميقة تقول: "نحن منكم، ومجلسنا مجلسكم، ولا خير فينا إن احتجبنا عنكم". كان "القرب" من الناس هو المصدر الحقيقي للشرعية والهيبة، وليس "البعد" عنهم. أما اليوم، فلننظر إلى حالنا. تحت شعار "التنظيم" و"إدارة الوقت" و"الاحترافية"، بنينا قلاعاً وحصوناً حول أنفسنا. المسؤول الذي كان والده يستقبل الناس في مجلسه كل صباح، أصبح اليوم لا يُرى إلا في المناسبات الرسمية، والوصول إليه يحتاج إلى "عريضة طلب"، وموعد إلكتروني، ومرور عبر ثلاثة سكرتارية، وغالباً يأتيك الرد الآلي: "المدير في اجتماع". لقد استبدلنا "سياسة الباب المفتوح" بـ "سياسة الباب المغلق بإحكام". المفارقة المؤلمة هي أننا نعيش في عصر "ثورة الاتصالات". نملك هواتف ذكية، وواتساب، وبريداً إلكترونياً. نظرياً، يجب أن نكون أكثر تواصلاً. لكن عملياً، استخدمنا هذه التقنية لـ "فلترة" الناس ولزيادة العزلة. أصبحنا نرى الرسائل ونتجاهلها، ونستخدم "حظر" و"صامت" لنبني جدراننا الإلكترونية. ليس من المنطق أن يعود المدير أو المسؤول لاستقبال الناس 24 ساعة في بيته، فظروف الحياة تغيرت، والأعمال تضخمت، والوقت ضاق. التنظيم مطلوب، والمواعيد ضرورية لإنجاز العمل. ولكننا نحذر من أن يتحول "التنظيم" إلى "تعالي". نحذر من أن يصبح "الانشغال" شماعة نعلق عليها هروبنا من الناس ومسؤولياتنا تجاههم. القيادة، سواء في شركة أو وزارة أو حتى في العائلة، ليست في الجلوس في البرج العاجي وإصدار الأوامر عبر الإيميل. القيادة هي "الاحتكاك" بالواقع. هي أن تسمع "أنين" صاحب الحاجة مباشرة دون "فلتر" التقارير المجمّلة. هي أن تطبق سياسة الباب المفتوح – ولو لساعة في الأسبوع – ليدخل عليك من لا يحمل "موعداً" مسبقاً، فتسمع منه ما لا يجرؤ أحد غيره على قوله. وما أجمل نظام الإدارة الياباني الذي يقدّس "الميدان". يا من أغلقتم الأبواب.. تذكروا أن "الهيبة" الحقيقية ليست في صعوبة الوصول إليكم، بل في "التواضع" لمن وصل إليكم. وتذكروا حكمة الأوائل: "من لانت كلمته، وجبت محبته.. ومن فتح بابه، كثر أحبابه".
507
| 21 أبريل 2026
تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع تجاري، أو مشاجرة لفظية بين مراهقين في الشارع، أو حتى زلة لسان من شخص في لحظة غضب. في الزمن القديم، زمن "المروءة"، كانت ردة الفعل الغريزية لمن يشاهد هذا الموقف هي: غض البصر، أو المسارعة للمساعدة، ثم "دفن" القصة وكأنها لم تحدث. كان الشعار: "يا فلان.. ما شفت شي، والله يستر عليه وعلينا". أما اليوم، فما هي ردة الفعل الغريزية الأولى؟ إنها اليد التي تمتد تلقائياً للجيب لتخرج الهاتف، وتفتح الكاميرا، وتبدأ في التوثيق. لم نعد نرى في الشخص المخطئ أو المتعثر "إنساناً" يستحق الستر والرحمة، بل أصبحنا نرى فيه "محتوى" دسمًا، و"ترند" محتملاً، وفرصة لزيادة المشاهدات واللايكات. لقد انتقلنا من ثقافة "الستر" إلى ثقافة "الفضيحة". في تراثنا وقيمنا، كان "الستر" رجولة. كان الرجل يُعرف بـ "كتوم السر"، الذي يبتلع الزلات كما تبتلع الأرض المطر، فلا يظهر منها شيء. كانت البيوت "أسراراً"، وكانت المجالس "أمانات". اليوم، تحولت حياتنا إلى "بيت من زجاج". أصبحنا نعيش تحت تهديد دائم بأن أي خطأ صغير قد يتحول في لحظات إلى "هاشتاق" عالمي يدمر سمعة عائلة، ويقطع أرزاقاً، ويهدم بيوتاً. المخيف في الأمر ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل "القسوة" التي زرعتها في قلوبنا. أصبحنا نتداول مقاطع الفضائح في "قروبات الواتساب" ونحن نضحك، أو نعلق بتنمر، دون أن نفكر للحظة واحدة في الألم النفسي للشخص الذي في الفيديو، أو في حرق قلب أمه وأهله وهم يرون ابنهم أو ابنتهم "فرجة" للناس. نسينا أن "كما تدين تدان"، وأن الكاميرا التي صورت غيرك اليوم، قد تدور لتصورك أنت أو أحد أحبابك غداً. إن "الستر" ليس تواطؤاً مع الخطأ، وليس تشجيعاً عليه. الستر هو إعطاء فرصة للإصلاح، وحفظ للكرامة الإنسانية، ومنع لانتشار الفاحشة والسوء في المجتمع. المجتمع القوي ليس هو الذي "يفضح" و"يشرشح" المخطئ علناً، بل هو الذي يحتويه ويصلحه سراً. نحن بحاجة اليوم لـ "ثورة أخلاقية" ضد هذا السعار الرقمي. نحن بحاجة لأن نعلم أبناءنا أن "زر المشاركة" (Share) قد يكون أحياناً أخطر من الضغط على الزناد. أن نعلمهم أن الرجولة ليست في أن تكون "السبّاق" في نشر الفضيحة، بل في أن تكون "السد المنيع" الذي تتوقف عنده القصة وتموت. في المرة القادمة التي يصلك فيها مقطع فيه "فضيحة" أو زلة لأحد، جرب أن تكون أنت "نقطة النهاية". لا ترسل، لا تعلق، لا تضحك. اضغط "حذف"، واستشعر عظمة الحديث: "من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". ففي زمن أصبح فيه الجميع "مراسلين حربيين" يبحثون عن السبق، كن أنت "الرجل الستّار" الذي يبحث عن الأجر وحفظ الأعراض. فالترند سيختفي غداً، لكن "موقفك النبيل" سيبقى في صحيفتك للأبد.
1008
| 15 أبريل 2026
تُروى قصص عن تجار اللؤلؤ في الخليج، وعن صفقات ضخمة عُقدت لبيع محاصيل وتجارة عبرت البحار. أموال طائلة بمقاييس ذلك الزمان كانت تنتقل من يد إلى يد. ولكن، لو بحثت عن «الأرشيف الورقي» لتلك الصفقات، لن تجد شيئاً. لا عقود موثقة، لا محامون، لا شروط جزائية. كان العقد كله يختصر في كلمة واحدة تُقال في المجلس: «تم». أو عبارة مقتضبة: «لك وجهي». هنا يجب أن نتوقف لنحلل المشهد بمعيار «الثقافة والهوية». في ذلك الزمان، كانت «كلمة الرجل» هي الهوية. كانت هي الرجل نفسه، وشرفه، وتاريخ عائلته. إذا نطق الرجل بكلمة، فقد رهن «شاربه» (رمز رجولته ووجاهته) بها. كان «الشارب» في ميزان الثقة أثقل وأقوى من أختام كُتاب العدل اليوم. انظر إلى حالنا اليوم. تطورت «الثقافة القانونية»، وكثرت مكاتب المحاماة، وأصبحت العقود تُكتب في عشرات الصفحات بخط دقيق لا يترك شاردة ولا واردة. وهذا تطور محمود وضروري؛ فالحياة تعقدت، والمصالح تشابكت، والقرآن أمرنا بالتوثيق: «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين... فاكتبوه». فالكتابة هي «أداة العصر» لحفظ الحقوق. إذن، أين الخلل؟ الخلل ليس في أننا «كتبنا العقود» (ثقافة)، بل في أننا «مزقنا الضمائر» (هوية). المصيبة أننا استبدلنا «ضمير الوفاء» بـ «نص القانون». أصبحنا نكتب العقود لا لنحفظ الحقوق، بل لنبحث عن «ثغرات» فيها. تحولنا من رجال يحترمون «الكلمة»، إلى أناس يحترمون «الورقة» فقط إذا عجزوا عن الالتفاف عليها. أصبح البعض يرى في التملص من الاتفاق «شطارة» و»ذكاء قانونيا»، ونسي أنه في عرف الرجال والهوية الأصيلة يسمى «خيبة». نحن لا ندعو -بالتأكيد- إلى إلغاء العقود والعودة للعقود الشفهية، فهذا «سذاجة» في عالم اليوم. ولكننا نبكي على «الروح» التي كانت تسند تلك الكلمة. المعادلة الصحيحة يجب أن تكون: «عقدٌ يوثق (ثقافة).. وكلمةٌ تُضمن (هوية)». العقد الورقي يحمي «مالك»، لكن كلمتك الصادقة تحمي «قيمتك». المحكمة قد تجبر خصمك على الدفع بقوة القانون، لكن «المروءة» هي التي تجعله يدفع وهو راضٍ ومحفوظ الكرامة. ما أحوجنا اليوم لأن نعيد لـ «كلمة الرجل» هيبتها في نفوس أبنائنا وفي تعاملاتنا التجارية. أن نعلمهم أن «الوعد» دين، وأن «الموعد» مقدس. وأن الرجولة ليست في الصوت العالي، بل في الالتزام بما قلت، ولو كان فيه خسارتك المادية. فالخسارة المالية تعوض، ولكن إذا سقطت «كلمة الرجل»، سقطت معها هيبته، ولا يوجد مال في الدنيا يمكنه أن يشتري «الثقة» مرة أخرى. فلنكتب عقودنا، ولنوثق ديوننا بأحدث الوسائل، نعم.. ولكن لنتذكر دائماً أن الضمان الحقيقي ليس «الحبر» الذي على الورق، بل هو «المعدن الأصيل» الذي في القلوب.
399
| 02 أبريل 2026
تُروى حكاية قديمة عن تاجر في أحد أسواقنا الخليجية، فتح دكانه في الصباح الباكر، وجاءه أول زبون يطلب سلعة معينة. التاجر يملك السلعة، وبجودة ممتازة، لكنه اعتذر للزبون بلطف قائلاً: «يا أخي، هذه السلعة موجودة عند جاري في الدكان المقابل. اشترها منه». استغرب الزبون وسأله: «لماذا ترفض الرزق وهو بين يديك؟». فابتسم التاجر وقال: «أنا استفتحت وبعت اليوم، وجاري أراه لم يبع شيئاً بعد. وأريده أن يستفتح مثلي». هذه القصة ليست من وحي الخيال المثالي، بل كانت دستوراً غير مكتوب يحكم أسواقنا لقرون وتجسيدًا حيًا لما يمكن أن نسميه اليوم التجارة الأخلاقية. كان السوق في وعي أجدادنا ليس حلبة مصارعة البقاء فيها للأقوى، بل كان مؤسسة تكافلية. كان التاجر يرى في جاره شريكاً في الرزق، لا عدواً يجب سحقه. كانوا يؤمنون بيقين لا يتزحزح بأن الرزق في السماء، وأن ما كُتب لجارك لن يأكله فمك، مهما حاولت. هذا الإيمان العميق ولّد حالة من الأمان النفسي التي نفتقدها اليوم بشدة في عالم المال والأعمال. اليوم، تغيرت القواعد. استوردنا أفضل الممارسات في التجارة والتسويق، والتي تعلمنا أن المنافسة هي حرب. تعلمنا مصطلحات مثل الاستحواذ على حصة السوق، وتحطيم المنافسين. وابتعدنا شيئًا فشيئًا عن جوهر التجارة الأخلاقية التي كانت تضبط إيقاع السوق. أصبحت شطارة التاجر تقاس بقدرته على أن يأخذ اللقمة من فم جاره، وأن يبيع أي شيء لأي أحد، حتى لو لم يكن يحتاجه. لقد ربحنا الأرقام، لكننا خسرنا البركة. البركة ليست خرافة. إنها ذلك القانون الخفي الذي يجعل المال القليل يكفي، ويجعل التجارة تنمو بهدوء وثبات. البركة تطير حين تدخل الأنانية، وحين يصبح الدينار أغلى من الجار. وحين تغيب روح التجارة الأخلاقية عن تعاملاتنا اليومية. في الماضي، كان التاجر يغلق دكانه وقت الصلاة دون أن يقفله، يضع فقط «شالاً» أو عصا على الباب، ويمضي مطمئناً. كان الأمن نابعاً من القلوب قبل أن تفرضه الكاميرات. اليوم، نضع أحدث أجهزة الإنذار، ونكتب عقوداً قانونية معقدة، ومع ذلك نعيش في قلق دائم من الغش والخسارة. نحن لا ندعو لأن نلغي المنافسة، فهي محرك للجودة. ولكننا ندعو لـ «أنسنة» السوق من جديد. وإعادة الاعتبار لقيم التجارة الأخلاقية. ندعو لأن يتذكر التاجر الحديث ورائد الأعمال الشاب، أن نجاحك لا يشترط فشل الآخرين، وأن القمة تتسع للجميع. ما أحوجنا اليوم لأن نستعيد روح ذلك التاجر القديم في شركاتنا ومتاجرنا. أن نفرح لنجاح منافسنا كما نفرح لأنفسنا. أن ندرك أن الرزق الذي يأتي عن طريق الإيثار وصفاء النية فيه بركة وسعادة لا توفرها مليارات المنافسة المتوحشة. ففي النهاية، ما نأكله يذهب، وما نكنزه يفنى، ولا يبقى للإنسان إلا موقفه النبيل، وكلمة «ونعم» التي تتردد خلفه في المجالس. تلك هي التجارة التي لن تبور.
585
| 25 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1494
| 11 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1242
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف...
3276
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير...
2592
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر...
2277
| 02 يونيو 2026
دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة...
1530
| 01 يونيو 2026
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن...
1518
| 04 يونيو 2026
• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة...
1284
| 03 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال...
1194
| 04 يونيو 2026
اجتاحت المكتبات العربية في بداية الألفية الجديدة موجة...
1173
| 02 يونيو 2026
ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل...
855
| 04 يونيو 2026
أنواع النخب الاجتماعية عديدةٌ، وذلك بحسب المجال الذي...
717
| 01 يونيو 2026
﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾، كلما مررت...
669
| 02 يونيو 2026
ليست كل النهايات موتا، بعض النهايات بداية لحياة...
612
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية